أبجدية الأحلام – د. جورج نادر

د.جورج نادر

د.جورج نادر

أبجديّة الأحلام

د. جورج نادر

تمهيد:

قيل في وصف الأحلام: «الأحلام تسمح لكلّ إنسانٍ منّا أن يكون مجنوناً، وأن يمارس جنونه بهدوءٍ وأمان كلّ ليلةٍ من حياته».

وقيل أيضاً أنّ كلمة “حلم”، سواءً بلفظها العربيّ أو باللّفظ الانكليزيّ “dream”، ذات صلةٍ من حيث الاشتقاق اللّغوي بالكلمات ذات الدّلالات الفرِحة والموسيقيّة، وهذا يبدو حقيقيّاً للغاية بالنّسبة لي.

كما أنّ “سيغموند فرويد” قال يوماً: «سواءٌ بقصدٍ أو من غير قصد، نحن جميعاً شعراء. يعود هذا إلى أنّنا نحلم في معظم اللّيالي، والأحلام تشبه الشّعر إلى حدٍّ بعيد، حيث أنّنا نعبّر عن عوالمنا الداخليّة بأسلوبٍ واحدٍ في كلتا الحالتين. نحن نستحضر صوراً، ونجمع بين عناصر غير متّسقةٍ، لنتمكّن في المحصّلة من استدعاء المشاعر بطريقةٍ أكثر كفاءةً ممّا تستطيعه أكثر الكلمات الوصفيّة بلاغةً. كما أنّنا نستخدم اللّاوعي وتداعياته بدلاً من المنطق لإخبار القصّة».

هذا وقد سبق للكثير من الأدباء أن اعترفوا بدور الأحلام في إلهامهم بنتاجهم الأدبيّ. “ماري شيلي”، على سبيل المثال، استلهمت أحداث روايتها الخالدة “فرانكنشتاين” من وقائع حلمٍ مرعبٍ رأته أثناء نومها. والعظيم “غابرييل غارسيا ماركيز” استلهم عدداً من قصصه وتفاصيل رواياته من أحلامه، وبينها قصّةٌ عن حلمٍ رأى فيه نفسه يتابع مأتمه الشّخصي. الأمر نفسه حصل مع “إدغار آلان بو” والعديد من الأدباء الآخرين. تسمح لنا الأحلام بأن نكون ما لا نستطيع أن نكونه، وبأن نقول ما نخشى قوله.

في الواقع، لست أستبعد أن تكون فكرة ولادة السّينما من أساسها مشتقّةً من الأحلام، فإذا دقّقنا في الأمر سنرى أنّ كلّ حلمٍ نراه هو في الحقيقة فيلمٌ سينمائيّ، من زمرة أفلام الحبّ والرومانسيّة أو أفلام الحركة أو الرّعب أو السّيرة الذاتيّة أو…أو… وهذا الفيلم مكتمل الأركان من سيناريو وتمثيلٍ وتصويرٍ وإخراج، وقد يكون فيلماً مكتملاً بذاته أو مفتوحاً على احتمالاتٍ لا حصر لها تجعل من أمر إنجاز أجزاءٍ جديدةٍ له أمراً محتملاً جدّاً.

لطالما كان عالم الأحلام مصدراً للدّهشة بالنّسبة لي، والدّهشة هذه ما فتئت موجودةً، بل وإلى ازدياد، وكلّما حلمت أكثر كلّما ازدادت دهشتي من هذا العالم السّحري.

نعم يمكن للأحلام أن تكون مخيفةً، لكنّها قد تكون مطمئنةً في أحيانٍ أخرى، وفي كلتا الحالتين تبعث على الدّهشة. الأحلام رائعةٌ من ناحية أنّ أموراً مستحيلةً أو غير منطقيّةٍ قد تحدث فيها. في الأحلام يمكنني أن أطير وأحلّق في سمواتٍ لم أعهدها في الواقع، الأموات قد يأتون إلى الحياة، والأجسام الجامدة قد تتكلّم، فأيّ دهشةٍ هذه!

وقد تبدو العبارة الّتي سأقولها الآن من قبيل “القفشات” أو المفارقات السّاخرة، لكنّها حقيقيّةٌ للغاية: طيلة نحو عقدين كاملين من الزّمن أو يزيد، كانت الكتابة عن الأحلام “حلماً” يداعب مخيّلتي، والآن فقط أجد نفسي متمكّناً بما فيه الكفاية، على ما آمل، للإحاطة بهذا الموضوع…

وفرويد وليّ التّوفيق…

مقدّمة:

لطالما شغل هذا العالم السّحري- عالم الأحلام، عقول الإنسانيّة منذ فجر التّاريخ، فانصرف الكثيرون في مسعىً دؤوبٍ لسبر غمارها وفكّ طلاسمها وترجمة رموزها ومعانيها. الفلاسفة، والصوفيّون، والعلماء، وكلّ من اهتمّوا بهذه المسألة، توصّلوا إلى إجاباتٍ مختلفة.

طيلة قرونٍ عديدة، تمّت مقاربة الأحلام من زوايا مختلفة، لعلّ أكثرها شيوعاً بعد زاوية الدّين مباشرةً زاوية علم النّفس، وفقط في العقد الأخير تمّت مقاربتها من زاوية العلم والطبّ الحديث.

اعتبرت الحضارات المبكّرة الأحلام كعالمٍ وسيطٍ يقع بين العالم الأرضيّ وعالم الآلهة. في الواقع، كان الإغريق والرومان مقتنعين بأنّ الأحلام لديها بعض القوى النبوئيّة. كما أنّ العديد من الثّقافات القديمة، وحتّى الحديثة، فسّرت الأحلام كشكلٍ من أشكال الإلهام، أو العلامات الإلهيّة، أو الرّؤى. وبعض الثّقافات نظرت إليها على أنّها خيالاتٌ ذات طابعٍ جنسيّ، أو بكونها حقائق بديلةً، إضافةً للعديد من المعتقدات والمخاوف والتّخمينات المتفاوتة بالنّظر للطّبيعة الغامضة لها.

منذ العصور القديمة، وحتّى عصرنا الحاليّ الحافل بالاكتشافات العلميّة، بقيت الأحلام على الدّوام من بين أكثر أسرار علم النّفس غموضاً.

وفي حين أنّ ترجمة الأحلام كانت دوماً موضع اهتمامٍ كبير، فإنّ أيّ تقدّمٍ كبيرٍ في هذا السّياق لم يحدث قبل نهاية القرن التّاسع عشر، أيّ إلى حين قيام “سيغموند فرويد” بطرح إحدى أشهر النظريّات الحديثة حول الأحلام وأكثرها انتشاراً.

وبالرّغم من أنّ الفتوحات الحديثة في مجال الفيزيولوجيا العصبيّة، فيزيولوجيا الدّماغ على وجه التّحديد، قد غيّرت الكثير من المفاهيم المتعلّقة بالأحلام، من حيث طبيعتها ووظيفتها وآليّة حدوثها، فإنّ الغالبيّة العظمى من النّاس، وضمناً غالبيّة المثقّفين منهم، ما يزالون يقاربون الأحلام إمّا من زاوية الدّين، أو من زاوية الفولوكلور الشّعبي (هذه الزّاوية لصيقةٌ بزاوية الدّين ويمكن اعتبارهما كلّاً واحداً)، أو من زاوية مدرسة التّحليل النّفسي الفرويديّة الّتي تخطّاها الزّمن الّذي نعيشه الآن.

تسعى هذه المقالة إلى سبر هذا العالم السّحري في ضوء الاكتشافات الحديثة في مجال الطبّ العصبيّ، وإزالة الغموض الّذي يكتنفه ما أمكن، وبالطّبع من دون التنكّر لمدرسة التّحليل النّفسي الّتي كانت السبّاقة في سبر هذا العالم، وإليها يعود فضل حدوث أوّل اختراقٍ جديٍّ في هذا السّياق بعد قرونٍ من الظّلام الدّامس.

بمعنىً أكثر دقّة، تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن الأسئلة التّالية: لماذا نحلم؟ ما هو الغرض الّذي تخدمه الأحلام؟ لماذا نتصوّر أحداثاً خياليّةً، وننفّذ سلوكيّاتٍ خياليّةً، وماذا تعني؟ هل الأحلام حقّاً بوّابةٌ، أو حتّى طريقٌ سريعٌ رئيسيٌّ، للاوعينا؟ هل يمكننا حقّاً ترجمة أحلامنا؟ هل من المحتمل أن تقول لنا أمراً ذا أهمية؟ كيف تقوم الأحلام بتزويدنا بنظرةٍ ثاقبةٍ على العقل؟ هل للأحلام صلةٌ بعالم اليقظة؟

وعلى الرّغم من أنّ العلماء والباحثين مستمرّون بالبحث عن إجاباتٍ لهذه الأسئلة، إلّا أنّهم يبنون عملهم على بعض نظريّات الأحلام المقبولة عموماً.

سأتطرّق بالحديث عن مجمل هذه النظريّات بعد قليل، لكن الآن سأبدأ بالحديث عن الأحلام من النّاحية الفيزيولوجيّة.

طبيعة الأحلام

تُعرف الأحلام على أنّها سلسلةٌ من الأفكارأو الرّؤى أو المشاعر تنبثق عدّة مرّات في اللّيل أثناء النّوم.

النّوم، كعملية، يحدث بشكلٍ دوريّ، وذلك عبر خمسة أطوارٍ، كلٌّ منها يساعد على تحقيق الهدف المتوخّى من النّوم، أيّ استعادة أو تجديد نشاط الجسد.

الطّور الأوّل من أطوار النّوم هو طور النّوم الخفيف، وتتباطأ خلاله الفعاليّة العضليّة، وقد تحدث نفضاتٌ عضليّةٌ من حينٍ لآخر.

وفي الطّور الثّاني يتناقص معدّل ضربات القلب وحركات التنفّس، كما أنّ درجة حرارة الجسم تنخفض بشكلٍ طفيف.

الطّور الثّالث هو طور النّوم العميق، وفي هذا الطّور تظهر موجات “دلتا” في تخطيط الدّماغ الكهربائي، ولكن بمعدّلٍ بطيء.

الطّور الرّابع هو طور النّوم العميق جدّاً، وفيه يصبح التنفّس إيقاعيّاً، وتكون الفعاليّة العضليّة في حدودها الدّنيا، وتظهر موجات “دلتا” ذات الإيقاع المنتظم في تخطيط الدّماغي الكهربائي.

أمّا الطّور الخامس فيُعرف بطور حركات العين السّريعة Rapid eye movements  واختصاراً “REM” وسأعرّف عنه من الآن فصاعداً باسم “طور نوم الرّيم”، وفيه، كما تدلّ التّسمية، تظهر حركات العينين السّريعة، ويتسارع معدّل حركات التنفّس وضربات القلب، وكذلك تتسارع الموجات الدماغيّة في التّخطيط، ويحدث شللٌ مؤقّتٌ في عضلات الجسم، كما أنّ الأعضاء التناسليّة لدى المرأة تحتقن، ويحدث انتصابٌ لدى الرّجل.

تظهر الأحلام- هذا إن ظهرت- في هذا الطّور الّذي يشكّل نحو 20- 25% من زمن النّوم لدى البالغين.

هذا وإنّ الأحلام لا تحدث بشكلٍ متواصلٍ بل بشكلٍ متقطّع، عادةً أربع إلى ستّ مرّات للحلم الواحد، وتستمرّ كلّ مرّةٍ ما بين بضعة ثوانٍ حتّى نصف ساعة، بحيث يمكن القول أنّ متوسّط الطّول الإجمالي للحلم الواحد لدى البالغين هو ساعتان لكلّ ثماني ساعاتٍ من النّوم (مدّة فيلمٍ سينمائيٍّ من النّوع الثّقيل).

وإضافةً إلى ارتباطه بالأحلام، فإنّ طور نوم الرّيم هو الطّور الّذي يقوم فيه الدّماغ بمعالجة المعلومات وتخزين (أو ربّما التّعبير الأدقّ هو خلق) الذّكريات.

جميع النّاس يحلمون، سواءٌ تذكّروا أحلامهم أم لا. بعض الأحلام تكون صاخبةً ويسهل تذكّرها، وبعضها الآخر يكون غامضاً أو مشوّشاً وسهل النّسيان لدى الاستيقاظ.

في المتوسّط، يحلم الشّخص الّذي يعيش حتى عمر 70 سنة نحو 150 ألف حلمٍ خلال حياته.

وفي حوالي 25 مرّةً في السّنة، في المتوسّط، يعيش كلّ شخص تجربة ما يعرف بالكابوس  nightmare، وهو مثل الحلم العادي تماماً، من حيث طبيعته، لكنّه يترافق مع الخوف والقلق.

الرّعب اللّيلي night terror أسوأ من الكابوس، ويشاهَد عادةً لدى الأطفال الّذين يعانون من التوتّر أو الشدّة النفسيّة stress أو الّذين تعرّضوا لرضوضٍ نفسيّة أو جسديّة عنيفة. يترافق الرّعب اللّيلي مع تعرّقٍ وتسارعٍ كبيرٍ جدّاً لضربات القلب، ويمكن للطّفل أيضاً أن يصرخ، وتكون عيناه مفتوحتين، لكنّه غير قادرٍ على الإجابة إذا ما وُجِّه إليه الكلام، وغير قادرٍ على تذكّر ما حدث بعد أن يستيقظ.

تُعتبر حالات الرّعب اللّيلي حالاتٍ غير طبيعيّةٍ من أنماط النّوم والأحلام، وتحتاج لدعمٍ وعلاجٍ نفسيّ لمساعدة الطّفل الّذي يعاني منها، هذا إذا لم يكن هنالك سببٌ عضويٌّ (كالتهابات الدّماغ مثلاً) لحدوثها، وفي هذه الحالة تلزم معالجة السّبب. عموماً يخفّ تواتر حدوثه الرّعب اللّيلي عادةً مع العمر.

يعاني بعض النّاس من اضطّرابٍ في النّوم، وعندما يشمل الاضطّراب هذا طور نوم الرّيم قد يترافق مع أحلامٍ حركيّةٍ عنيفة، بمعنى أنّ النّائم قد يؤذي نفسه أو من ينام بجواره. هذا الاضطّراب شائعٌ بين مرضى باركنسون (الشّلل الرّعاشي)، وحتّى عند الذّكور الأصحّاء في منتصف العمر.

الفنان اسماعيل نصرة

الفنان اسماعيل نصرة

معظم النّاس يحلمون بمعدّل ساعةٍ إلى ساعتين كلّ يوم، لكنّ غالبيّة الأحلام تُنسى بشكلٍ كاملٍ، وهذا ما قد يدعو بعض النّاس لأن يدّعوا (أو ربّما هم مقتنعون فعلاً بصحّة هذا الأمر) بأنّهم لم يحلموا مطلقاً في حياتهم. الأصحّ أنّهم يحلمون، لكنّهم ينسون أحلامهم مباشرةً لحظة الاستيقاظ.

إذا تمّ إيقاظ النّائم، فيما هو في طور نوم الرّيم أو بعده بلحظاتٍ قصيرة، فإنّه من المرجّح أن يتذكّر حلمه بالكامل مع أدقّ تفاصيله.

الكثير من النّاس يذكرون بأنّهم يحلمون أحلاماً واضحةً جدّاً، لكنّها غامضةٌ في الوقت عينه من ناحية دلالاتها. هو أمرٌ يجوز تصنيفه كالسّهل الممتنع.

العديد أيضاً يشيرون إلى تكرار رؤية نفس الأحلام، والّتي تثير الخوف لدى بعضهم. يعتقد البعض أن أحلامهم نبوئيّةٌ. وما يقرب من ثلثيّ النّاس يزعمون بأنّهم يحلمون بأحداثٍ سبق لهم معايشتها من قبل، أو ما يعرف بظاهرة déjà-vu .

حلم الطّيران من الأحلام الشّائعة، كأن يرى النّائم نفسه يطير مثل الطّائر.

وآخر يحلم بأنّه يسقط من علوٍّ شاهق.

وآخر يرى نفسه عارياً أمام الملأ ويشعر بالحرج جرّاء ذلك.

البعض يرى نفسه مطارَداً من قبل آخرين، أو أنّه هو من يقوم بمطاردتهم.

الكثر يحلمون بما يمكن تسميته”حلم الاختبار أو الامتحان”، حيث يجدون أنفسهم عاجزين عن تذكّر إجابات الأسئلة، أو أنّهم يعرفونها لكنّ أيديهم مشلولةٌ ولا تطاوعهم على الكتابة، أو أنّهم يعجزون عن الوصول إلى مكان الامتحان في الوقت المحدّد بسبب تراكم الكثير من الأحداث (التّافهة بمعظمها) الّتي تعطّلهم (أنا شخصيّاً حلمت بهذا الحلم الأخير مرّاتٍ لا حصر لها).

ومن الأحلام الشّائعة، بشكلٍ يدعو للدّهشة، حلم فقدان الأسنان.

سأعود لاحقاً إلى الحديث عن هذه الأمثلة في الفصل الخاصّ بترجمة الأحلام، أمّا الآن فسأنتقل للحديث عن مدرسة التّحليل النّفسي.

مقاربة مدرسة التّحليل النّفسي للأحلام…

يدعم علماء النّفس، ممّن يتبنّون النّهج الدّيناميكي النّفسي، فكرة أنّ السّلوك هو نتيجةٌ للقوى اللّاواعية الّتي لا تخضع للتحكّم. بناءً على هذا الرّأي أتت فكرة أنّ الأحلام وزلّات اللّسان هي نتيجةٌ لمشاعرَ فعليّةٍ نابعةٍ من داخل الإنسان. من خلال الأحلام، تتكشّف الرّغبات اللّاواعية.

بتعبيرٍ آخر، الحلم هو انعكاسٌ لموجات الحياة اللّاواعية في أرضيّة الخيال.

كان “سيغموند فرويد” واحداً من أوائل علماء النّفس الّذين قاموا بدراسة الأحلام دراسةً فعليّة، وقد قاده نهجه الدّيناميكي النّفسي في مقاربته للأحلام إلى طرحه لنظريّته القائلة بأنّ الأحلام وسيلةٌ لإشباع الرّغبات غير الواعية. وفقاً لفرويد، يتضمّن الحلم معنىً ظاهريّاً ومعنىً باطنيّاً، ولترجمة الحلم وفهمه لا بدّ من تحليل المعنى الظّاهري والتقاطه.

كانت لدى فرويد بالتّأكيد نظريّةٌ جذّابةٌ حول الأحلام، لكنّها كانت في الوقت عينه محدودةً أيضاً. بالنّسبة له، كلّ الأحلام على الإطلاق هي صورٌ للرّغبات الكامنة في اللّاوعي. لكنّ من يحلمون أحلاماً مملّةً أو مزعجةً أو مخيفةً، وهم ليسوا بقلّة، قد يشعرون بوجود شيئٍ مفقودٍ في تلك الصّيغة.

هو يعتقد كذلك بأنّ أفكار الشّخص، ومشاعره، وذاكرته تتمثّل بأشكالٍ ملموسةٍ ورموزٍ في أحلامه.

فعلى سبيل المثال، إذا حلِم الشّخص بأنّه يصعد درجاً أو يطير أو يدخل في نفق، فإنّ المعنى الباطني- دائماً وفقاً لفرويد- يتّصل بالعمليّة الجنسيّة.

تمحورت نظريّة فرويد حول مفهوم “الرّغبات المكبوتة”، الّتي تعني بأنّ الحلم يسمح لنا بفرز الرّغبات المكبوتة المعلّقة وغير المشبعة.

كما أنّ فرويد هو أوّل من اقترح بأنّ الأحلام تخدم غرضاً معيّناً.

افترض فرويد أنّ الأحلام هي من أشكال إشباع الرّغبات الّتي لا يملك الحالم القدرة على إشباعها في حياته اليوميّة الواعية. لكن عندما جوبه فرويد باعتراضاتٍ من قبيل أنّ الكثير من الاحلام تخلو من أيّ شكلٍ من أشكال الرّغبات، بل تتضمّن عقوباتٍ أو أعمالاً عنفيّةً تطال الحالم نفسه، قاده ذلك لتقديم افتراضٍ آخر مفاده أنّ بعض الأحلام تخدم كوسيلةٍ للتّعبير عن الإحساس بالذّنب أو التغلّب على الرّضوض النفسيّة.

وبالرّغم من أنّ “كارل غوستاف يونغ” قد تتلمذ على يد فرويد، إلّا أنّه اختلف معه بشدّة من ناحية فهمه لطبيعة الأحلام.

كلاهما اتّفق على كون الأحلام من مظاهر اللّاوعي، لكنّ وجه الخلاف بينهما هو أنّ يونغ افترض بأنّ اللّاوعي يعبّر عن نفسه في الأحلام من خلال لغةٍ أو رموزٍ أو استعاراتٍ خاصّةٍ به، وهي تختلف كليّاً عن اللّغة الّتي يستعملها الوعي، بالتّالي لا يجوز- دائماً بحسب يونغ- استخدام لغة ومفردات الوعي لقراءة الأحلام. فرويد، من جهته، استعمل لغة الوعي نفسها وأسقطها على اللّاوعي، لذلك كان كلّ شيءٍ مرتفعٍ في الحلم هو كنايةٌ عن العضو الذّكري- بحسب فرويد- وكلّ شيءٍ منخفضٍ هو تعبيرٌ عن العضو الانثوي، وهذا تسطيحٌ هائلٌ. بالطّبع، لست أنتقد فرويد هنا- ومن أنا لأنتقده!- فكما أسلفت، كانت نظريّة فرويد ثوريّةً بمقاييس العصر الّذي ظهرت فيه، ويجب ألّا نغفل حقيقة أنّ التقدّم العلميّ هو حصيلةٌ تراكميّة.

«لم أكن قادراً أبداً على الاتّفاق مع فرويد بأنّ الحلم هو واجهةٌ يقبع المعنى الحقيقي وراءها بشكلٍ متخفٍّ، وهذا المعنى معنىً معروفٌ بالفعل، لكنّه محجوبٌ عن الوعي بشكلٍ خبيث إذا جاز التّعبير» يقول يونغ.

بحسب يونغ، تخدم الأحلام وظيفتين: الوظيفة الأولى هي معاوضةٌ لخلل توازنٍ نفسيٍّ ما لدى الحالم، والوظيفة الثّانية هي ذات طابعٍ رؤيويٍّ، بمعنى أنّها تملك إمكانيّة التنبّؤ بالمستقبل.

ومن المفيد هنا التّأكيد على أنّ مفهوم «الطّابع الرّؤيوي والتنبّؤ بالمستقبل» الوارد في العبارة السّابقة لا علاقة له من قريبٍ أو من بعيدٍ بما يُطلق عليه المتديّنون تعبير «الرّؤيا»، فلا وجود لهذا المفهوم خارج الأساطير المتوراثة والأقاويل ذات الطّابع الدّيني. الطّابع الرّؤيوي المقصود لبعض الأحلام هو أمرٌ مشابهٌ لمفهوم الاستقراء، فاللّاوعي قادرٌ على التقاط مؤشّراتٍ من هنا وهناك في الحياة اليوميّة للإنسان، وهذه المؤشّرات قد يدركها الوعي أو قد لا يدركها، ومن خلالها يستقرئ ما يمكن أن يحدث في المستقبل. مثال: إذا شاهد شخصٌ ما في حلمه أنّ صديقاً أو قريباً له قد توفّي بحادث سيّارة، وحدث هذا الأمر فعلاً لاحقاً، فهذا لا يعني أنّ رؤيا ما قد أتته من غامض علمه، بل على الأرجح أنّ لا وعيه (وربّما وعيه أيضاً) يدرك مثلاً قلّة خبرة ذلك الشّخص بالقيادة، أو رعونته، أو ربّما وعورة الطّريق الّذي يسلكه عادةً، أو قد يعلم بوجود أشخاصٍ ينوون مطاردته، أو…أو..

عودةٌ من جديد للأفكار الفرويديّة… يعود إلى فرويد الفضل في تطوير التّحليل النّفسي، ذلك المنهج العلاجيّ الّذي يهدف إلى تزويد المريض بنظرةٍ ثاقبةٍ حول دوافعه ومحفّزاته اللّاواعية. هذه تأتي، كما افترض فرويد، من خلال التّنافس بين المطالب والدّوافع، الّتي تمثّل هويّة كلّ شخص، إضافةً إلى الأنا والأنا الأعلى. كان تفسير الأحلام وسيلةً مفضّلةً لدى فرويد للتوصّل إلى فهمٍ لهذا الصّراع، ولذا كان يشجّع النّاس على التحدّث دون أيّ ضوابطٍ حول أحلامهم. هذا التّقييم للمعنى المستبطن في الأحلام هو حجر الأساس في التّحليل النّفسي.

تتعلّق الأحلام، في رأي فرويد، بماضي الشّخص وحاضره معاً، وتنشأ من مناطق غير معروفةٍ داخله. كلّ حلمٍ هو، في جوهره، محاولةٌ لإشباع رغبةٍ ما. وهذا ما يفسّر سعي فرويد الدّؤوب للاتّكاء على اللّاوعي، لأنّ الرّغبة الكامنة تلامس مسائل محظورةً، وهذا ما يستدعي الآليّات الدفاعيّة، بحيث أنّه لا يتمّ التّعبير عن الرّغبة بشكلٍ مباشر، وإنّما تصل السّطح عبر تمويهٍ رمزيّ.

المحتوى الظّاهري الّذي يراه الحالم يقنّع المعنى أو الأهميّة الخفيّة الكامنة وراءه، وهو ما يمكن أن يسبّب قلقاً أو عدم راحةٍ نفسيّة. الأحلام بحدّ ذاتها ليست تمثيلاً مباشراً للاوعينا، ولذلك تحتاج إلى تحليلٍ لأنّها تأتي على هيئة رموزٍ أو استعاراتٍ تشير لمشاعرنا الكامنة الحقيقيّة. قد تشير بعض الرّموز لأكثر من محتوىً واحدٍ بسبب التّشابه الفيزيائيّ أو الوظيفيّ، على سبيل المثال، ولا توجد شيفراتٌ بسيطةٌ تنطبق على عموم تلك الرّموز.

افترض فرويد، بشكلٍ أساسيٍّ، أنّ الأحلام تنشأ من الصّراعات الداخليّة بين الرّغبات اللّاواعية والتّحريم الّذي يُفرض من قبل المجتمع ضدّ التّعامل مع هذه الرّغبات.  كما افترض بأنّ الأفكار أثناء النّوم تميل إلى أن تكون بدائيّةً أو نكوصيّةً، مع ملاحظة أنّ آثار الكبت تنخفض أثناء النّوم. وفقاً له، الرّغبات المكبوتة، وخاصّةً تلك المرتبطة بالجنس والعدائيّة، تتحرّر في الحلم عندما يتضاءل الوعي.

تحدث في الحلم عمليّاتٌ متنوّعةٌ مثل التّكثيف، حيث يتمّ اختزال المواضيع إلى صورةٍ واحدةٍ مثلاً، كالباب المفتوح أو النّهر المتدفّق العميق. والاستبدال، وهو ذو أهميةٍ كبرى، حيث أنّ النّاس أو الأشياء أو الفعاليّات المختلفة تستبدل بعضها البعض. ثمّ هنالك أيضاً التّحويل، حيثّ يتحوّل النّاس إلى أجسامٍ أكبر أو أصغر حجماً، أكثر تقدّماً في السنّ أو أكثر شباباً، أقوى أو أضعف.

وفقاً للنظريّة الفرويديّة، يتعرّض الذّكور كثيراً لأحلامٍ تعبّر عن القلق من فكرة الإخصاءcastration ، بينما تتعرّض الإناث كثيراً لأحلامٍ تعبّر عن الغيرة (أو الحسد) من وجود القضيب لدى الذّكور. كما أنّ الذّكور الغرباء أكثر تواجداً في أحلام الذّكور منهم في أحلام الإناث، وغالباً ما يرى الحالم نفسه يقاتل ضدّ هؤلاء (كنايةً عن الأبّ في المرحلة الأوديبيّة من التطوّر).

يشير نقّاد فرويد إلى أنّه بنى نظريّته مستنداً على مجموعةٍ من الأحلام تقلّ نسبتها عن عشرة بالمئة من الأحلام الّتي يتذكّرها النّاس، فماذا عن البقيّة؟! وعلاوةً على ذلك، يشير بعضهم إلى وجود مشكلةٍ في موثوقيّة تفسير هذه المجموعة من الأحلام بالذّات، على اعتبار أنّ تفسيراتٍ متنوّعةً قُدّمت لها وكان بعضها مقنعاً. الأمر الآخر المهمّ، وقد أشار يونغ إليه، هو أنّ محتوى الأحلام متماثلٌ إلى حدٍّ بعيد عبر الزّمن وأيضاً بين الثّقافات المختلفة، بغضّ النّظر عمّا إذا كانت تلك الثّقافات قمعيّةً للغاية أو ليبراليّةً للغاية.

على أيّ حال، لم تكن فيزيولوجيا النّوم والأحلام في ذلك الوقت معروفةً بعد، لذلك لم يكن أمام فرويد سوى تحليله النّفسي لكي يعتمد عليه في تفسير الأحلام.

في زمننا الحاليّ، بتنا نعلم بكون الأحلام مفهومةً كجزءٍ من دورة النّوم المحدّدة بيولوجيّاً.

القفزة الهائلة في دراسة الأحلام…

بعد وفاة فرويد بوقتٍ قصير، بدأت دراسة الأحلام من وجهة نظر الطبّ العصبي بشكلٍ جدّي، لكنّ أوّل تقدّمٍ فعليّ قد انتظر إلى عام 1953 عندما اكتشف “أسيرينسكي” و”كلايتمان “Aserinsky and Kleitman طور نوم الرّيم وارتباطه مع الأحلام. ولّد هذا الاكتشاف حالةً عارمةً من الإثارة والحماس في مجال علم الأعصاب، فلأوّل مرّةٍ يتمّ فيها اكتشاف مظهرٍموضوعيٍّ للأحلام، الّتي تعدّ الأكثر ذاتيّةً بين جميع الحالات العقليّة. وحيث أنّ طور نوم الرّيم موجودٌ لدى جميع أنواع الثديّات تقريباً، كان من السّهل اجراء البحوث والتّجارب على الأنواع دون البشريّة، على اعتبار أنّها تفتح المجال واسعاً لإجراء تجارب غير قابلةٍ للتّطبيق عند البشر. اعتماداً على الدّراسات المتعاقبة، والّتي تضمّنت إزالة أجزاء من دماغ القطط على مراحل، تبيّن أنّ طور الرّيم يولد في مجموعةٍ صغيرةٍ من الخلايا في جزءٍ من جذع الدّماغ يعرف بالجسر، وهو يقع إلى الأعلى قليلاً من الحبل الشّوكي في مؤخّرة العنق.

وفي دراسةٍ أجراها فريقٌ بحثيٌّ إيطاليٌّ في جامعة روما، تمّ استخدام أحدث تقنيّات التّصوير بالرّنين المغناطيسيّ من أجل التقصّي عن العلاقة بين الأحلام ودور التّراكيب الدماغيّة العميقة. وجد الفريق، من خلال هذه الدّراسة، أنّ الأحلام الحيّة والغريبة والعاطفيّة المكثّفة (الأحلام الّتي يتذكّرها النّاس عادةً) ترتبط بأجزاء من اللّوزة Amygdala والحصين Hippocampus . وفي حين أن اللّوزة تلعب دوراً رئيسيّاً في معالجة ردود الفعل العاطفيّة وذاكرتها، فإنّ الحصين يرتبط بوظائف هامّة من وظائف الذّاكرة، ولا سيّما دمج المعلومات من الذّاكرة القريبة إلى الذّاكرة البعيدة (من المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ لا علاقة للّوزة الدماغيّة المذكورة هنا باللّوزتين الّتين تصابان بشكلٍ شائعٍ بالالتهاب، ولا سيّما عند الأطفال).

سلّطت دراسةٌ حديثةٌ أخرى أجريت في جامعة كاليفورنيا في بيركلي الضّوء على العلاقة المقترحة بين أحلامنا وعواطفنا، ووجدت تلك الدّراسة أنّ الحدّ من طور نوم الرّيم (بالتّالي أحلام أقلّ) يؤثّر على قدرتنا على فهم العواطف المعقّدة في حياتنا اليوميّة، هذه القدرة الّتي تعدّ سمةً أساسيّةً من سمات الأداء الاجتماعيّ البشريّ. هذا وإنّ حالةً سريريّةً نادرةً جدّاً، تُعرف باسم متلازمة شاركو-ويلبراند Charcot-Wilbrand Syndrome، وهي حالةٌ تتلو الأذيّات الدماغيّة الموضّعة، تسبّب (من بين أعراضها العصبيّة الأخرى كالعمه البصري visual agnosia) فقدان القدرة على الحلم. تضاف إلى هذه الحالة حالةٌ أخرى جرى توثيقها قبل عدّة سنوات، وفيها فقدت مريضةٌ قدرتها على الحلم من دون أن تعاني من أيّة أعراضٍ عصبيّةٍ أخرى. تبيّن من خلال الفحوصات المجراة لها أنّها أصيبت بأذيّةٍ في جزءٍ من الدّماغ يُعرف باسم التّلفيف اللّساني lingual gyrus السّفلي الأيمن (يوجد في القشر البصري). بناءً على ما تقدّم، نحن نعلم الآن أنّ الأحلام تولد في، أو تنتقل عبر، هذه المنطقة الدماغيّة، والّتي ترتبط بالمعالجة البصريّة، والعاطفة والذّاكرة البصريّة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الأحلام ترتبط بالذّاكرة والخبرات المختزنة، بالتّالي فإنّ حتّى الطّفل الرّضيع قادرٌ على الحلم، لكن بحكم كون خبرته لا تتجاوز مسألتين اثنتين: الأولى تتعلّق بمصدر غذائه، أي ثدي والدته أو زجاجة الحليب، والثّانية تتعلّق بتغيير “الحفّوضة”، فلكم أن تتخيّلوا متى يكون حلمه هانئاً وترونه يبتسم في نومه، ومتى يكون حلمه مزعجاً (وربّما كابوساً) وترون ملامح الانزعاج على وجهه في نومه.

سأحاول فيما يأتي سرد مجمل النظريّات الحديثة حول السّبب الّذي يدفع أدمغتنا لحياكة تلك القصص الغريبة، الّتي تشبه كثيراً القصص الأدبيّة، أثناء النّوم، وبإيجازٍ قدر الإمكان.

النظريّات العصريّة السّائدة حول الغرض من الأحلام:

النظريّة الأولى: نحن نحلم للتدرّب حول طرق الاستجابة لحالات التّهديد

ألم تلاحظوا أنّ الكثير من الأحلام تكون ذات إلحاحٍ عاصفٍ؟ كثيراً ما نجد أنفسنا، في الأحلام، عاريين أمام الملأ، أو ملاحَقين أو محارَبين من قبل عدوٍّ ما، أو نستميت لئلّا نغرق في بحرٍ من الرّمال المتحرّكة أو لئلّا نسقط من علوٍّ شاهق. وقد بيّن “أنتي ريفونسو” وهو عالمٌ معرفيٌّ فنلنديّ، أنّ اللّوزة Amygdala  (جزء القتال أو الهروب في الدماغ) تكون مستنفرةً أكثر من المعتاد في مرحلة نوم الرّيم، وهذه الدّرجة من الاستنفار تعادل تلك المشاهدة في الواقع عند من يواجه تهديداً للحياة. إضافةً إلى ذلك، تعمل الأجزاء الدماغيّة المسؤولة عن النّشاط الحركي (كالرّكض وتوجيه اللّكمات) على نحوٍ متزايدٍ أثناء مرحلة نوم الرّيم، على الرّغم من أنّ الأطراف تكون ساكنةً. بعبارةٍ أخرى، نحن نتدرّب فعليّاً، في الأحلام، على القتال أو الهروب من الخطر، على الرّغم من أنّ السّاقين والذّراعين لا يتحرّكان. الأحلام هي شكل من أشكال التكيّف التطوّري، فنحن نحلم من أجل التدرّب على سلوكيّات الدّفاع عن النّفس في سلامة العزلة ليلاً، وهذا يضمن، في المقابل، التحسّن في آليّات القتال أو الهروب في العالم الحقيقي.

النظريّة الثّانية: الأحلام تخلق الحكمة

إذا حصل وتذكّرنا كلّ صورة من صور حياتنا، فإنّ هذه الصّور بمجملها ستشغل كلّ الحيّز المتوفّر في أدمغتنا، وتفيض عنه. لذلك فإنّ الأحلام تقوم بعمليّة فرزٍ لتلك الذّكريات، وتحدّد أيّاً منها للاحتفاظ في “الأرشيف”، الّذي سيُعرف لاحقاً باسم الذّاكرة البعيدة، وأيّاً منها الّذي سيرمى في سلّة المهملات. يقوم النّوم بتحويل سيل المعلومات اليوميّة إلى ما نطلق عليه تعبير “الحكمة”، وهي ذلك الأمر الّذي يجعلنا أذكياء عندما نتعامل مع القرارات المستقبليّة.

النظريّة الثّالثة: الحلم هو (بحسب التّعبير المتداول في عالم المعلوماتيّة) بمثابة إلغاء تجزئة القرص الصّلب خاصّتك

طرح “فرانسيس كريك” (الّذي شارك في اكتشاف تركيب ال  DNA) و”غرايم ميتشيسون” عام 1983 نظريّةً مثيرةً للجدل، فحواها: «نحلم لكي ننسى»، وهي تعني أنّ الدماغ يقوم بربط بياناته بطرقٍ معيّنة تختلف بحسب أساليب وآليّات التّفكير، وأنّ مسارات الّتفكير هذه قد لا تكون الأكثر فائدةً بالنّسبة لنا. ولكن، عندما ننام، يعمل الدّماغ بشكلٍ  أكثر عشوائيّةً  بكثير، ويقوم بمسحٍ عشوائيّ للاتّصالات الجديدة الّتي تسمح لنا بالتخلّي عن مساراتٍ معيّنة وخلق مساراتٍ جديدة، يمكن أن تكون مفيدةً، مع خلطها مع الاتّصالات القديمة الّتي تسمح لنا بالحفاظ على اتّصالاتٍ هامّة ومحو الرّوابط غير الفعّالة. وهنالك تشبيهٌ جيّدٌ هنا هو إلغاء تجزئة القرص الصلب للكمبيوتر، أو بالأحرى، يمكن القول أنّ مفاهيم عالم المعلوماتيّة قد استُمدّت من أسلوب عمل النّظام الدّماغي البشري، ومنها هذا المفهوم.  الأحلام هي إعادة ترتيب الاتّصالات لتبسيط النّظام وجعله أكثر انسيابيّةً.

النظريّة الرّابعة: الأحلام مثل العلاج النّفسي

ولكن ماذا عن العاطفة في الأحلام؟ أليست الأحلام، من حيث المبدأ، هي المكان لمواجهة المشاعر الصّعبة والمفاجئة والتّعامل معها بطريقةٍ جديدة؟ يركّز الدّكتور “إرنست هارتمان” على التعلّم العاطفي الّذي يحدث في الأحلام، وقد طوّر نظريّةً مفادها أنّ الحلم يضع مشاعرنا الصّعبة في صور. نحن نتعامل في الحلم مع محتوىً عاطفيٍّ في مكانٍ آمن، مشكّلين بذلك اتّصالاتٍ لا يكون بمقدورنا تشكيلها فيما لو غادر هذا المحتوى إلى أجزاء أخرى أكثر حساسيّةً ودفاعيّةً في الدّماغ. بهذا المعنى، الحلم هو مثل الجلوس على الأريكة في غرفة المعالجة، فنحن نفكّر من خلال الأمور العاطفية في إطارٍ أقلّ عقلانيّةً ودفاعيّةً. من خلال تلك العمليّة، نتوصّل إلى قبول حقائق قد نقمعها في ظروفٍ أخرى. الأحلام هي العلاج النّفسي أثناء النّوم، تعطينا تلميحاتٍ قيّمةً حول كيفيّة تحسين حياتنا، وربّما حتّى أنّها تحمينا من حماقة تدميرنا لذاتنا...

النظريّة الخامسة: غياب النظريّة

بطبيعة الحال، يجادل البعض الآخر بأنّ الأحلام ليس لها معنىً على الإطلاق، وبأنّها لا تتعدّى كونها عملاًعشوائيّاً من قبل الدّماغ، الّذي يصادف أنّه ليس واعياً في ذلك الوقت. يزعم هؤلاء بأنّ الأحلام ليست أكثر من صورٍ ناتجةٍ عن النّشاط الكهربائيّ العشوائيّ للدّماغ لأنّه ينظّف نفسه بنفسه أثناء النّوم. الدّماغ لا يزال يعمل بقدر ما هو ينتج الصّور، ولكن ليس هنالك إحساسٌ واعٍ وراء الفيلم. ربّما هو الوعي نفسه الّذي يريد أن يرى معنىً عميقاً في أدمغتنا في جميع الأوقات.

فيما يتعلّق بي، أرى أنّ كلّاً من النظريّات الأربع الأولى فيها بعض الصحّة، وإذا أمكن دمجها في نظريّةٍ واحدةٍ فإنّها تغطّي ما قد تصل نسبته إلى 60- 70% من الأحلام، وإذا أضيفت لها النظريّة الفرويديّة المتعلّقة بالرّغبات المكبوتة الّتي يحرّرها اللّاوعي، فقد تصل النّسبة إلى نحو 99% أو حتّى أكثر. وبالطّبع أرفض جملةً وتفصيلاً النظريّة الخامسة حول “اللاسببيّة أو العشوائيّة”، وقمت بعرضها هنا فقط من باب الأمانة الفكريّة.

إنّ الطّبيعة الغريبة والمشوّشة للكثير من الأحلام، تدفعني للاعتقاد بكون الكثير من الأحلام وسيلةً يتخلّص عبرها الدّماغ من المعلومات غير الضروريّة أو الخاطئة الّتي وصلته أثناء اليقظة. الأحلام، بهذا المعنى، هي عمليّةٌ عكسيّةٌ أو نقيضةٌ للتعلّم، أو بالأحرى- هكذا أفضّل شخصيّاً أن أصفها- عمليّةٌ متمّمةٌ للتعلّم عبر تشذيبه وصقله. وهذا ما يفسّر سبب كون طور نوم الرّيم أكثر طولاً لدى الأطفال، الّذين يكون إيقاع التعلّم لديهم مكثّفاً، منها لدى البالغين.

يحتاج الإنسان إلى نسيان العديد من الاستنتاجات والرّوابط الخاطئة أو الّتي لا معنى لها والّتي تشكّلت أثناء تعلّمه في وقت اليقظة، وتخزين المعلومات والرّوابط والاستنتاجات الصّحيحة والهامّة فقط. إنّ القشرة المخيّة الجديدة، وهي شبكةٌ معقّدة من الرّوابط العصبيّة، قد تصبح مثقلةً بكميّاتٍ كبيرةٍ من المعلومات الواصلة إليها، وفي هذه الحالة قد تستجيب لهذا الحمل الزّائد بأن تطوّر أفكاراً كاذبةً أو “طفيليّةً”، الأمر الّذي من شأنه أن يضرّ بالتّخزين الحقيقيّ والمنظّم للذّاكرة.

في الواقع، هنالك دلائل تدعم صحّة هذا الافتراض، فعلى سبيل المثال، من المثبت بأنّ الطلّاب الّذين يحصلون على قدرٍ كافٍ من النّوم ليلة الامتحان يجيبون على الأسئلة الامتحانيّة بكفاءةٍ أعلى من أقرانهم الّذين يمضون اللّيل بطوله ساهرين مستغرقين بالدّراسة. المنطق يقول بأنّ هؤلاء، من الصّنف الثّاني، قد حصلوا على معلوماتٍ أكثر مقارنةً مع أقرانهم في الصّنف الأوّل، استناداً إلى عدد ساعات الدّراسة الأكثر الّتي أمضوها، لكنّ الواقع يقول العكس، وهذا أمرٌ صحيح، فالنّوم، وتحديداً نوم الرّيم، أساسيٌّ لمعالجة المعلومات المتعلَّمة وتخزين المهمّ منها في الذّاكرة وإهمال الباقي، كما أسلفت، وعدم الحصول على النّوم يجعل الطّالب عرضةً لنسيان الأفكار المهمّة، إضافةً لاحتماليّة أن تطفو الأوهام أو الأفكار الكاذبة، وهذا ما يقوده لتقديم إجاباتٍ خاطئة في الامتحان.

ويبدو أنّ الأحلام تساعدنا على معالجة المشاعر من خلال ترميز وبناء ذكرياتنا عنها. ما نراه ونختبره في أحلامنا قد لا يكون بالضرورة حقيقيّاً، بيد أنّ العواطف المتعلّقة بتلك الرّؤى والخبرات هي كذلك بكلّ تأكيد. تسعى قصص أحلامنا أساساً لتعرية العاطفة الكامنة في تجربة معيّنة من خلال خلق ذاكرةٍ عنها. وبهذه الطّريقة، فإنّ العاطفة نفسها لم تعد نشطةً. هذه الآليّة تؤدّي دوراً هامّاً لأنّنا عندما لا نقوم بمعالجة مشاعرنا، وخاصّة السلبيّة منها، فإنّ ذلك يزيد من انزعاجنا الشخصيّ وقلقنا. في الواقع، إنّ الحرمان الشّديد من مرحلة نوم الرّيم يرتبط بشكلٍ متزايدٍ مع ظهور الاضطّرابات العقليّة والذهنيّة.

باختصار، تساعد الأحلام على تنظيم حركة المرور فوق ذلك الجسر الهشّ الّذي يربط تجاربنا وخبراتنا مع مشاعرنا وذاكرتنا.

 

 

ترجمة (لا أستسيغ كلمة “تفسير”) أو تحليل الأحلام…

تقتضي الإشارة في البدء إلى أنّه بالرّغم من وجود معانٍ عالميّةٍ موحّدةٍ لبعض الرّموز الّتي تتوارد في الأحلام، إلّا أنّه يقع على عاتق الحالم نفسه ربط العناصر ببعضها لمعرفة ما يعنيه الحلم بالنّسبة له.

النّقطة الهامّة هي أنّ الأحلام دائماً ما تكون حقيقيّةً.

ما معنى هذا الكلام؟ هو لا يعني بالطّبع أنّك إن حلمت بكونك على هيئة وحش أنّك فعلاً كذلك.

الأحلام تأتي في غالبيّة الحالات على هيئة رموزٍ واستعارات، وقلّما تأتي بشكلٍ حرفيّ.

لذلك سأعيد صياغة العبارة السّابقة: الأحلام دائماً ما تكون حقيقيّةً، لكنّ معاني تلك الأحلام تبقى غامضةً على مداركنا في كثيرٍ من الأحيان. فعلى سبيل المثال، إذا حلمت زوجةٌ بأنّ زوجها يخونها، سيكون من الخطأ الذّريع أن تستنتج من ذلك أنّه فعلاً يخونها وتبني على مقتضى ذلك الاستنتاج. لكن في الوقت عينه أقول بأنّ حلمها حقيقيّاً، بمعنى أنّ عليها أن تفتّش في لاوعيها عن السّبب الّذي يجعلها تشعر بالخيانة أو تتوقّعها، وعندئذٍ تستطيع أن تصلح من تلك الأسباب.

والأحلام غالباً ما تعني نقيض ما يبدو أنّها تعنيه. إنّ التّفسير التّقني والتّحليلي النّفسي لهذا الأمر معقّدٌ، ولكنّه يتعلّق بحقيقة أنّنا كثيراً ما نرى رغباتنا الخاصّة منعكسةً من خلال الآخرين، تماماً كالمرآة. على سبيل المثال، إذا حلمت بأنّك عارٍ أمام الملأ، فهذا لا يعني أنّك في لا وعيك ترغب بالتعرّي، بل على العكس، هذا يعني أنّك ترغب بالإبقاء على جوانب معيّنة في حياتك خفيّةً عن الآخرين، وتخشى أن تُكتشف.

والصّور ذات الطّابع الجنسي نادراً ما تشير للحبّ، أو يمكن القول بأنّها لا تشير للحبّ أبداً. النّشاط الجنسي هو، ببساطة، جانبٌ من جوانب عمليّة التّكاثر البيولوجيّة، وفي اللّاوعي والأحلام تشير الصّور ذات الطّابع الجنسي إلى حاجةٍ نرجسيّة لتعزيز (أو إعادة انتاج أو تكاثر) مشاعر حبّ الظّهور ولفت الانتباه، كوسيلةٍ معاوضةٍ للخوف من التعرّض للإهمال أو الهجران.

سأقوم فيما يأتي بسرد أمثلةٍ يشيع تواردها في الأحلام، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أنّ هنالك ترجماتٍ على درجةٍ من التنوّع لكلّ حلمٍ من هذه الأحلام. فمثلاً، هل يعني حلم فقدان الأسنان أنّنا قلقون جدّاً من إمكانيّة فقداننا لجاذبيّتنا الجسديّة؟ أو ربّما يمثّل إشارةً لسلطةٍ فقدناها؟ أو لإدراكنا بأنّنا تقدّمنا في العمر؟ أو أنّنا منزعجون لأنّ آراءنا لا تُسمع ودائماً ما يتمّ تجاهلنا؟ أو لعلّ الأسنان تمثّل أسلحةً فمويّةً، وهي تتساقط لكوننا تفوّهنا بأكاذيب حول أناسٍ آخرين؟ كلّها تفسيراتٌ مقبولةٌ ومحتملةٌ. لا بل قد يربط بعض من يتنطّع لترجمة الأحلام، ولا سيّما ممّن يرتكزون على خلفيّةٍ فولوكلوريّة لا علميّة، أمر الأسنان بالمال، وبأنّ “جنيّة الأسنان السّاحرة” ستهب الحالم الكثير من المال لقاء كلّ سنٍّ فقده في الحلم…

أمّا بشأن تفسير حلم العريّ أمام الملأ، وهو بالمناسبة من أشيع الأحلام قاطبةً، وأكاد أجزم بأنّ كلّ إنسانٍ على وجه الأرض قد شاهد مثل هذا الحلم مرّةً على الأقلّ، فقد يشير لعدم حصانتنا أو قابليّتنا للعطب، إضافةً لخشيتنا من الخزي والعار. ربّما نحتفظ بمعلوماتٍ أو أسرارٍ لا يعرفها أحدٌ عنّا، أو نخوض غمار علاقةٍ سريّة ونخشى أن تُفضح، أو ربّما قمنا بأمرٍ لم يكن ينبغي علينا القيام به ونشعر بالذّنب جرّائه، أو أنّنا نخشى، إن افتُضح أمرنا، بأن نوصم بارتكاب فعلٍ مشين ويلحق بنا العار. وقد يكون الأمر بسيطاً للغاية، لدينا استحقاقٌ أو امتحانٌ قادم ونشعر أنّنا غير مستعدّين له. والأمر المثير للدّهشة، هو أنّه في كثيرٍ من الأحيان نرى أنفسنا في الحلم عاريين، ونكون مدركين تماماً لواقع عريّنا، لكن لا أحد على الإطلاق من المارّة أو ممّن نصادفهم في الحلم يلتفت لهذا الأمر. الأرجح أنّ مردّ ذلك إلى أنّ قلقنا أو مخاوفنا لا مبرّر عقلانيّ لها، لكون ما نخفيه طيّ أنفسنا لا يعني أحداً سوانا.

ومن الأحلام الشّائعة رؤية أفعى أو ثعبان في الحلم. رأى فرويد في الأفعى أو الثّعبان رمزاً للعضو الذّكري، وتالياً فإنّ هذا الحلم يرمز لشخصيّةٍ ذكوريّة تتمتّع بالجاذبيّة الجنسيّة أو تمثّل مصدر تهديد، وذلك اعتماداً على ماهيّة المشاعر المرافقة أثناء الحلم، وكذلك على الميول الجنسيّة للحالم/ الحالمة.

من جهته، رأى يونغ أنّ حلم الأفعى قد يكون دلالةً على تحوّلٍ حياتيٍّ ما، على اعتبار أنّ الأفعى رمزٌ للتحوّل لكونها تغيّر جلدها.

من ناحيةٍ أخرى، قد يشير حلم التعرّض للدغة أفعى إلى عباراتٍ أو أفعالٍ مسيئةٍ ارتُكبت بحقّك أو من قبلك.

كما قد يشير حلم مطاردة الأفعى لك إلى وجود أمورٍ أو أشخاصٍ تخشى مواجهتهم.

حلم الخيانة أيضاً من أكثر الأحلام شيوعاً، وغالباً له علاقة بانخفاض تقدير الذّات والضّمير المعذَّب.

قد يشير حلم خيانة الشّريك لك إلى مخاوف شخصيّة تتعلّق بعدم الشّعور بالأمان أو عدم الثّقة بالجاذبيّة الشخصيّة، كما قد يشير للشّعور بالإهمال من قبل الشّريك، الأمر الّذي يغذّي مسألة عدم الشّعور بالأمان.

أمّا أن ترى نفسك في الحلم تقوم بالخيانة، فقد يشير إلى رغبةٍ لديك بحصول شيءٍ جديد ومثير في حياتك، أو قد يكون إسقاطاً مباشراً على شعورك بالذّنب أو عدم الإخلاص العاطفي لكونك تشعر بجاذبيّةٍ حيال شخصٍ آخر.

أمّا رؤيتك لنفسك تغشّ في لعبةٍ ما، فقد يشير إلى أنّك لست صادقاً مع نفسك في شأنٍ من شؤون حياتك، أو ربّما تشعر بأنّك قد حصلت على شيءٍ ما تشعر ضمنيّاً بأنّك لا تستحقّه.

قد تشير رؤيتك لنفسك على هيئة رجلٍ (بالنّسبة للمرأة) أو امرأةٍ (بالنّسبة للرّجل) في الحلم إلى الجانب الذّكري لدى الحالمة animus  أو الجانب الأنثوي لدى الحالم anima والّذي يحاول/تحاول قبوله وحبّه ودمجه مع الجانب الآخر.

حلم القتل شائعٌ أيضاً. عندما تحلم بأنّك تقتل شخصاً ما، فذلك يشير غالباً إلى أنّ اللّاوعي الخاصّ بك يفرج عن مشاعر الغضب المكبوت نحو ذلك الشّخص، أو ربّما نحو نفسك بالذّات. ربّما أنت ترغب بوضع حدٍّ لعلاقتك مع ذلك الشّخص الّذي تقتله في الحلم، أو أنّ ذلك الشّخص يمثّل جانباً من شخصيّتك ترغب بالتخلّص منه. أمّا أن تحلم بأنّك تتعرّض للقتل من قبل شخصٍ ما، فقد يكون مؤشّراً إلى كونك تشعر ضمنيّاً بتعرّضك للأذيّة أو الخداع من قبل ذلك الشّخص.

ومن أحلام القتل الشّائعة رؤية الحالم لشخصٍ ما في الحلم يقتل شخصاً آخر، وهذا يشير غالباً إلى أنّه يحمل مشاعر سلبيّةً تجاه الشّخص المقتول ويرغب بالتخلّص من وجوده في حياته، وفي الوقت نفسه يعيش حالةً من الإنكار لتلك المشاعر، لذلك يحمّلها اللّاوعي الخاصّ به على شخصٍ آخر.

الحلم بكونك تستقلّ طائرةً هو حلمٌ شائعٌ إلى حدٍّ ما أيضاً. يشير حلم الطّائرة، كما حلم وسائل النّقل عموماً، إلى المسار الّذي تسلكه في حياتك، مدى سرعته أو بطئه، ومدى إحكامك للسّيطرة عليه. من المهمّ هنا معرفة ما الّذي تفعله الطّائرة في الحلم. فإذا كانت الطّائرة تقوم بإقلاعٍ ناجحٍ، فذلك يشير غالباً إلى وجود مشروعٍ أو خطّةٍ أو علاقةٍ جديدةٍ تنتظر انطلاقتها وتتوقّع لها النّجاح. وعلى النّقيض من ذلك، يشير فشل الإقلاع إلى إجهاض المشروع أو الخطّة أو العلاقة في المهد. المطبّات الجويّة تشير إلى العراقيل والعقبات المنتظرة. وأمّا بحال كانت الطّائرة تطير طوال الوقت من دون أن تصل إلى وجهتها، فذلك يشير إلى المصير المجهول الّذي يكتنف مشروعك أو علاقتك. هبوط الطّائرة يشير غالباً، وضمن نفس السّياق، إلى انتهاء المشروع أو الخطّة أو العلاقة بالفشل.

ومن المهمّ أيضاً معرفة شخصيّتك في الحلم على متن الطّائرة. فإذا حلمت بكونك الكابتن أو الملّاح الجوّي، فهذا يشير إلى كونك تتمتّع بالسّيطرة المطلقة على مسار حياتك. أما إذا حلمت بكونك مضيفاً جويّاً، فذلك يشير إلى كونك تشعر بأنّك تغلّب مصلحة واحتياجات الآخرين على مصلحتك واحتياجاتك الشخصيّة.

أمّا عندما تحلم بكونك راكباً بين حشدٍ من الركّاب، فهذا يشير إلى كونك تشعر بأنّك لا تمسك بزمام مسار حياتك، وبكونك تعتمد على الآخرين لتسيير أمورك. المكان الّذي تجلس فيه بين الركّاب له دلالته أيضاً. فإذا حلمت أنّك تجلس في مقاعد الدّرجة الأولى، فهذا يشير إلى أنّك تعتقد ضمنيّاً بأنّك شخصٌ مختلفٌ عن الآخرين وتستحقّ معاملةً خاصّة، بينما يشير جلوسك في الدّرجة الاقتصاديّة إلى كونك ترى نفسك شخصاً عاديّاً. جلوسك على المقعد المجاور للنّافذة قد يشير لامتلاكك منظوراً أعلى أو لكونك قادراً على رؤية الصّورة الكبيرة للمشهد. جلوسك على المقعد المطلّ على الممرّ يشير غالباً لكونك تنتظر حلولاً سهلةً ويسيرةً للخروج من مأزقٍ ما. وأمّا جلوسك في الوسط فقد يشير إلى شعورك بالاختناق وافتقادك لمساحتك من الحريّة. وعندما تحلم بأنّ الطّائرة قد تحطّمت، فهذا يشير إلى بعض جوانب حياتك الّتي توشك على النّهاية بسرعةٍ غير منتظرة، أو قد يشير إلى كونك تعيش مثلاً عليا غير قابلةٍ للتّطبيق، أو قد يعني أنّك في حالةٍ من عدم الثّقة بإمكانيّاتك والشكّ بقدرتك على تحقيق أهدافك.

وعندما ترى في الحلم أنّك تتعرّض لحادث سير، فقد يشير ذلك إلى أنّك تعاقب نفسك في اللّاوعي على شيءٍ قلته أو فعلته. أمّا رؤيتك لشخصٍ آخر يتعرّض لحادث سير، فقد يشير إلى خطأٍ أو فعلةٍ ما ارتكبها ذلك الشّخص وكنت شاهداً عليها، أو أنّك تحمل مشاعر غضبٍ مكبوتة أو رغبةٍ بالانتقام من ذلك الشّخص.

وعندما تحلم بأنّك تجلس في مؤخّرة سيّارتك الخاصّة، فهذا يشير غالباً إلى شيءٍ أو شخصٍ من الماضي قد عاود الظّهور وبات يؤثّر على حياتك الرّاهنة.

عندما ترى نفسك في الحلم ميّتاً أو متّجهاً نحو الموت، فقد يرمز ذلك لنهاية طورٍ ما أو مرحلةٍ ما من حياتك، أو ربّما يشير لتخلّصك أخيراً من عادةٍ ما أو سلوكٍ ما. والأمر نفسه عندما ترى أشخاصاً في محيطك ميّتين في الحلم، ويعتمد التّفسير هنا على طبيعة علاقتك بذلك الشّخص أو الجوانب المتشابهة بينكما، فمثلاً قد يرمز موت طفلٍ في الحلم إلى أنّك دخلت مؤخّراً طور النّضوج وتخليّت عن أفكارك أو سلوكك الطّفولي.

إذا حلمت بأنّك تحرق مكان عملك بالكامل، فمن المحتمل أنّ هذا يعود لكونك ترغب بأن تهيمن على مكان العمل، لكنّ عقلك الواعي يردعك عن الاعتراف بهذه النّوايا العدائيّة عندما تكون مستيقظاً، وبدلاً من ذلك تسعى لأن تبدي كلّ لطفٍ ممكنٍ للأشخاص الّذين يملكون صلاحيّة منحك علاوةً ربّما.

أكتفي بهذا القدر، لكنّني يجب أن أشدّد هنا على أنّ من أكبر الأساطير حول موضوع تحليل الأحلام، الأسطورة القائلة بوجود مجموعةٍ من القواعد الصّارمة الّتي ينبغي للنّاس اتّباعها ليتمكّنوا من تحليل أحلامهم. حقيقة الأمر هي أنّ كلّ شخصٍ فريدٌ من نوعه، وليس هنالك من صيَغٍ أو وصفاتٍ جاهزة. لا يمكن فهم الأحلام إلّا في السّياق الأوسع للفرد من حيث تكشّفه واكتشافه لذاته، وما أوردتّه فيما سبق لا يتعدّى كونه بعض المبادئ التوجيهيّة الّتي قد تساعد القارئ على الحفر في العمق للوصول إلى معاني أحلامه.

خاتمة:

بالرّغم من كلّ التقدّم العلميّ الّذي حصل، فإنّ بعض الغموض لا يزال يكتنف عالم الأحلام. يمكن للعلم أن يقدّم تفسيراً لكيفيّة ارتباط الأحلام بعمل الدّماغ، ولكنّ فهم اللّاوعي من خلال التّحليل النّفسي أساسيٌّ أيضاً، على اعتبار أنّه وحده ما من شأنه أن يفسّر سبب ظهور حلمٍ ما في وقتٍ ما من حياتك، وكذلك ما قد يعنيه ذلك الحلم.

عندما يفكّر النّاس في تحليل الأحلام، فإنّ أوّل ما يتبادر إلى ذهنهم هو وسيطٌ روحيّ أمامه كراتٌ بلّوريةٌ، أو محلّلٌ نفسيٌّ، يشبه فرويد، يخبرهم بالتّفصيل وبدقّة ماهيّة حلمهم، بينما هم متمدّدين على الأريكة أمامه. واقع الأمر أنّ تحليل الأحلام لا يشبه البتّة أيّاً من هذا.

ويعتقد الكثير من النّاس أنّ للأحلام معانٍ ثابتةً، من قبيل: إذا حلمت بالبرتقال، فهذا يعني أنّك بصحّةٍ جيّدة، أو إذا حلمت بالبصل، فهذا يعني أنّ عملاً شاقّاً ينتظرك، أو إذا حلمت بأفعى فهذا يعني أنّ خيراًبانتظارك، وهلمّ جرّا من نفس التّرجمات الفولوكلوريّة، لا بل حتّى هنالك قواميس جاهزةٌ تدّعي أنّها تحتوي على معاني الأحلام تُباع في المكتبات.

الحلم عبارةٌ عن تواصلٍ بين العقل الواعي والعقل اللّاواعي.

نعم يمكن للأحلام أن تكون محيّرةً وغامضةً، لكن من ناحيةٍ أخرى، يمكن لها أن تكون ملهمةً، فلا يجب أن ننسى أنّ حلماً كان هو ما كشف للعالم عن وجود ذرّات الكربون في التّركيب الجزيئيّ لحلقة البنزين (قيل أنّ العالم الكيميائيّ “أوغست كيكوله”، الّذي كان منكبّاً على محاولة انتاج البنزين كيميائيّاً، قد شاهد في حلمه أفعى تلتف حول نفسها لتأكل ذيلها، فبدا شكلها مثل حرف C الّذي هو رمز ذرّة الكربون) ، ذلك الاكتشاف الّذي يعدّ بحقّ من أهمّ الاكتشافات الثوريّة في التّاريخ الصّناعي.

ختاماً، لا أجد خيراً من هاتين العبارتين لكي أختم بهما:

«الأحلام هي الجسر الّذي يسمح بالحركة ذهاباً وإيّاباً بين ما نعتقد أنّنا نعرفه، وبين ما نعرفه حقّاً» .

«الأحلام هي تلك القصائد الّتي نقولها لأنفسنا في اللّيل من أجل أن نختبر رغباتنا اللّاواعية كما لو أنّها حقائق».

3 thoughts on “أبجدية الأحلام – د. جورج نادر

  • راااائع دكتور جورج…
    شكراً على هالمقالة الممتعة…
    أسعدت جـداً و سرني قرائتها… .
    شكراً مجلة مدى…
    تمنياتي لكم بالتوفيق الدائم

  • ما زلت أرى بصمات فرويد في كل المحاولات التالية،و خصوصا أن فرويد بتقسيماته للنفس البشرية ،مكن من بعده من بناء نظريات أكثر اكتمالا و عمقا،بدعم من التطور الذي قدمه الطب العصبي ،وأرى يونغ قد تقدم خطوات مهمة و واقعية و أكثر قابلية للتكامل مع بقية النظريات.
    ملاحظتي أن الأمثلة التي تفضلت بها كانت عبارة عن احتمالات ترجمية “يونغية” متطورة نوعا ما،ولم ألحظ دعما واضحا من حضرتك لنظرية معينة،و هذا منسجم مع اقتراحك بدمج كل النظريات الأربعة الأولى،مع أني لا أستبعد أبدا انطباق النظرية الخامسة على جزء يسير من الاحلام.
    باختصار شديد،و وأريد هنا ان اختزل رأيي ،إن الأحلام هي عبارة عن ثلاثة فروع :
    – استعادة(ذكريات مواقف وجوه مشاعر) و قد تكون الاستعادة عشوائية و غير متعلقة باهمية الأشياء المستعادة، و ذلك تبعا لحالة الحالم،و هنا قد نجد تطبيقا للنظرية الخامسة التي أشرت انك لم تقتنع بها.
    – تعبير عن مخاوف و تنبؤات “استقرائية” و كانت كلمة استقراء مفردة موفقة جدا من حضرتك في هذا الشأن،لإبعاد الحلم في هذه الحالة عن ما ورائيات الدين و الموروث الشعبي.
    -أ ماني ورغبات و دوافع (شعورية و لاشعورية)و هنا يظهر فرويد كعملاق في هذا النوع من الأحلام.
    و في كل هذه العملية،تستخدم الأحلام لغة و رموز و مشاعر و أنماط مخزون اللاشعور الجمعي و الفردي بكل مستوياتهما حسب عمق الحلم و مدته و ظروف نشوئه (من وقت و راحة و حالة فيزيولوجية).
    و أشكرك على تحريضك لفكرة قدحت شرارتها في ذهني اليوم،ساستفيد منها حتما في مجالي المهني مع الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

  • جهد يستحق الثناء دكتور جورج … ولكنك اغفلت نظرية لايتبناها حاليا العلم وهي ايضا خارج سياق الدين المتعارف عليه الا وهي ان العقل اللاواعي هو جزء من عقل كوني يحوي بداخله كل الأحتمالات الممكن حدوثها وهي حاليا لايتبناها العلم ولكن ربما في المستقبل سيتغير الوضع حين يتم اكتشاف العقل بطريقة مختلفة أو بحياد
    تحياتي لك

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: