أخوية اليقظانين La Confrerie Des Eveilles- جاك أتلي Jacque Attali – يونس سلامة

يونس سلامة

يونس سلامة

يقول المعرّي: “اثنان أهل الأرض ذو عقلٍ بلا دينٍ، وآخر دَيِّنٌ لا عقل له”، على الرّغم من أنّ المعرّي لا يمتّ بصلةٍ إلى هذه الرّواية، ولكنّ عبارته هذه تلخّصها بطريقةٍ أو بأخرى.

إنّ الصّراع المستمرّ بين العقل والدّين دائم الظّهور في كلّ الحضارات وكلّ الأديان، ولكنّه أكثر ما يبدو جليّاً في العصور الحديثة نسبيّاً من التّاريخ البشريّ، العصور الّتي بدأ فيها الدّين يتمأسس ويتسيّس، وبالتّالي صارت له أذرعٌ وأدواتٌ تمكّنه من ممارسة اضطهاده لأصحاب العقول النّيّرة والتّفكير الحرّ، مستخدماً وسيلته الأساسيّة في ذلك وهي التّكفير.

هذه روايةٌ تاريخيّةٌ في النّسق العام لكنّ الكاتب الفرنسيّ “جاك أتلي” يلعب بشخصيّاتها بحريّةٍ مطلقةٍ، مدخلاً تلك الشّخصيّات المعروفة ضمن مغامراتٍ عدّة وحواراتٍ فكريّةٍ تزيد وتؤكّد من استقلاليّة التّفكير عندها، ممّا يثبت السّمعة الّتي نسجت عن هؤلاء المفكّرين عبر التّاريخ.

الشّخصيّتان الأساسيّتان في الرّواية هما “موسى بن ميمون” المفكّر اليهودي و”ابن رشد” الفيلسوف المسلم، ومسرح الأحداث يتنقّل بين الأندلس والمغرب العربيّ.
الشّخصيّة الأساسيّة الأخرى في الرّواية والحاضرة دائماً هي شخصيّة الفيلسوف الإغريقيّ “أرسطو”، حيث تدور الأحداث كلّها حول البحث عن كتابٍ يدعى “الأبديّة المطلقة”، من المفترض أنّ أرسطو قد قام بتأليفه ووضع فيه كلّ القوانين النّاظمة للكون مع شرحٍ مفصّلٍ عن كيفيّة ولادة الكون وصيرورته، وبالتّالي هذا الكتاب يثبت بطلان كلّ ما جاءت به الأديان من أساطير الخلق.

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

وعلى الرّغم من أنّ أرسطو قد ألّف هذا الكتاب منذ زمنٍ طويلٍ، لكنّه لم يصل إلى يد عموم الشّعب أبداً، وذلك ظنّاً منه أنّ النّاس لم تصل بعد إلى مرحلةٍ من الوعي الفكريّ اللّازم لتقبّل هذه الحقيقة، وبناءً على ذلك تمّ تأسيس جمعيّة تدعى “أخويّة اليقظانين” لأجل حماية نسخ هذا الكتاب والمحافظة عليها جيلاً بعد جيلٍ، إلى أن يحين الوقت المناسب لنشرها علناً.

تبدأ رحلة البحث عن هذا الكتاب من قرطبة الّتي كانت فيما سبق منارةً فكريّةً، بينما الآن وبعد أن سقطت بيد المرابطين القادمين من المغرب بدأت تخبو شيئاً فشيئأ، وبعد أن كانت مثالاً للتّسامح الدّينيّ يعيش فيها المسلم والمسيحيّ واليهوديّ على حدٍّ سواء، باتت الآن بصبغةٍ مسلمةٍ متعصّبةٍ وأخذت تضيّق الخنّاق على باقي الدّيانات.
ينطلق موسى بن ميمون وابن رشد كلّ منهما في رحلته الخاصّة بحثاً عن الكتاب، دون أن يعرف أحدهما بالآخر، تنتقل بهما الأحداث إلى طليطلة ومرّاكش وناربون وسبتة، إلى أن ينتهي كلاهما في مدينة فاس المغربيّة، حيث كان من المفترض أن يجدا نسخةً من هذا الكتاب العجيب عند تاجرٍ يهوديٍّ يدّعي الإسلام، لكنّ قوات المرابطين وبتحريضٍ من الوزير الأعلى والفيلسوف أيضاً “ابن طُفيل” تعتقل هذا التّاجر مع عددٍ من أفراد أخويّة اليقظانين قبل أن يسلّمهم الكتاب.

“ابن طُفيل” الفيلسوف المعروف ومؤلّف كتاب “حيّ بن يقظان”، الّذي يتبيّن أنّه قد ألّف هذا الكتاب بقصد إيقاع الأخويّة الّتي كان قد سمع عنها ولم يتأكّد من وجودها، كان بدوره يحاول الحصول على كتاب “الأبديّة المطلقة” بغية إخفائه، حيث كان يعتقد بأنّه سيكون ضرراً على دولة المرابطين الّتي كانت تعاني ما يكفيها من الأعداء المحيطين بها.

تنتهي الرّواية بوداع ثلاثة يقظانيّين لبعضهم البعض، وهم ابن رشد وموسى بن ميمون وزوجته الّتي ورثت المهمّة عن أبيها التّاجر، حيث يتوجّه ابن رشد إلى إشبيلية، بينما يسافر ابن ميمون وزوجته إلى القدس حيث يعتقدان بوجود نسخةٍ أخرى من الكتاب. لا يلتقي الصّديقان مرّةً أخرى ولا نعرف إن كان موسى قد حصل على الكتاب أم لا، هذا إن كان موجوداً أصلاً، لكن ربّما الحصول على الكتاب أو تبيان وجوده من عدمه ليس مهمّاً في آخر الأمر بقدر أهميّة عدم التّوقّف عن البحث عنه مطلقاً.

جاك أتلي

جاك أتلي

تصوّر هذه الرّواية فترةً ذهبيّةً للفكر، تركّزت أثناء الحضارة العربيّة في الأندلس، حيث كانت الدّيانات السّماويّة الثّلاث تعيش مع بعضها بسلامٍ، إلى جانب الفلسفة الّتي كانت تملك حريّة محاورتها في شتّى المجالات. وتطرح الرّواية فكرة مدى القدرة على التّوفيق بين المحاكمة العقليّة المنطقيّة من جهةٍ، وبين الأفكار الدّينيّة المفروضة من جهةٍ أخرى، حيث نسمع على لسان موسى بن ميمون وابن رشد كذلك كثيراً من التّفسيرات المنطقيّة السّلسة لأفكارٍ ومعتقداتٍ دينيّةٍ قد تبدو للقارئ منافيةً لأيّ منطقٍ، أو أنّ العلم قد أثبت بما لا يدع مجالاً للشّكّ بطلانها.

وأظنّ أنّ الفكرة الرّئيسيّة الّتي أراد الكاتب أن يوصلها هي أنّ الدّين، أيّ دينٍ، لا يمكن أن يدّعي امتلاكه للحقيقة المطلقة، وبالتّالي يجب أن يدع الباب مفتوحاً لمفكّريه وفلاسفته ليجتهدوا وبكلّ حرّيةٍ في مناقشة أفكاره ومقدّساته، وإلّا تحوّل إلى مجموعةٍ من الأفكار غير المنطقية، والّتي عاجلاً أم آجلاً سيكون محكوماً عليها بالتّلاشي.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: