أغنيةٌ صغيرةٌ – عامر الطيب (العراق)

عامر الطيب

نفخَ شهريار على الرَّماد ليستلذّ بوَهجٍ ما، إذ لا عمل في الليالي الطَّويلة غير مواجهة الطَّبيعة بالألوان..
لقد بقيَ الرَّجل الوحيد الَّذي لمْ تستخدمْه شهرزاد 
أنّه الآن بطلُ الحكايةِ، وعليه أنْ يخترعَ القصص لينجو !

في الليلة الأولى سأؤلّف قصّةً
وفي الليلة الثَّانية سأفتح منها قصّةً، وفي الليالي الأخرى سآخذ قصصاً قديمةً وأغيّرها..
صباحاً سأتوقّف عن الكلام المباح، صباحاً سأقود خطواتي خطوةً إلى اللغة،
وخطوة الى النَّوم!

بدأ شهريار ليلته العاشرة بقصّةٍ ما كانتْ تبدو مُقنعةً لولا أنَّ شهرزاد أدمنتْ متابعة الحكاية/
مولاتي..
وعندما نامَ الفارسُ نسيَ إحدى عينيه مفتوحةً، رأى شكلَ فرسه، ورأى مياه غزيرةً تنزل من السَّماء بهيبةٍ، ورأى الأرض وهي تنشغلُ قليلاً عن النِّطق فتكوّنت الكلمات..

لدى الفارس الكلمات في قرى غير قادرة ٍعلى فهمها
وإذا هاجرَ إلى قرىً أبعد فقد اخترعَ في الطَّريق الطَّويل اسماً لحصانه 
وهناك قال لوجوهٍ غريبةٍ سألته:
هذه الكلمة السَّريعة 
أمَّا حصاني فقد تركتُه في القرى الأخرى!

وفي الليلة المئة أكملَ شهريار/
بعد أنْ وجدَ الفارس طريقاً قصيراً إلى الغابة ملأ يده بالأسماء
أطلقَ على الشَّجرة اسماً
على الذِّئب اسماً، على الفهد اسماً، على النَّملة اسماً وعلى الهواء اسماً 
على الوردة الصَّغيرة اسماً وعلى الوردة الذَّابلة اسماً 
بقي بإصبعهِ اسمٌ صغير 
أطلقهُ على الغابة كلّها!

في الليلة المئة والعشرين 
وصلَ شهريار إلى لحظة محاولة الفارس اكتشاف الشّعر 
فقال أنَّ الشَّاعر ذهبَ إلى حكماء قدامى يسألهم عن شكلٍ ما يكتبُ به الكلمةَ خلافاً لشكلها الأصليّ!

قالتْ شهرزاد ما شكلها الأصليّ؟
– صورتها على المرايا
وشكلها الشّعريّ؟
صورتها على الرَّمل!

في الليلة العاشرة بعد المئتين ظنَّت شهرزاد أنَّ خللاً مثل الحُبِّ لمْ يكن موجوداً بهذا الزَّخم كما هو الآن 
قال شهريار/
تمَّ العثور على الحُبِّ بالسّرعة الَّتي تمَّ به اختيار اسمٍ له 
في البداية سمّوه وحشاً 
ثم َّسمّوه جنيّاً 
ثم َّسمّوه إلهاً 
ثمَّ اختاروا له الاسم المعاصر للوحوش والجِّن والآلهة!

في إحدى الليالي القَريبة من الألف صارَ شهريار شيخاً بالكاد يتذكّر اسمه، وجفَّ الحليب بثدييَّ شهرزاد، وقد وجدتها فرصةً لتكشف عن دليلٍ صغيرٍ عن الحُبِّ/
لا يوجد حليبٌ بثدييَّ 
يوجد دمٌ وهواء 
لا توجد ساعاتٌ حولي
توجد كلماتٌ فقط!

في الليلة الألف طلبتْ شهرزاد من شَهريار أنْ يقولَ لها كلاماً جديداً عن الحُبِّ أو عن النَّوم أو عن وحدتهما في العمل، وفي الباص وفي بلادهما الخاملة ثمَّ طلبتْ منه أنْ يجدَ لها طريقاً واضحاً إلى الله..

قال شهريار:
أحبُّ جثتك بعد لحظاتٍ من موتكِ عاريةً وصافيةً ومنتهبةً لحضوري 
هذا كلامٌ جديدٌ عن الحُبِّ
وعن الأسف الشَّديد في بلادنا الممنوعة من التَّجوّل ليلاً
ثمَّ أخرج صورةً لزوجين منفصلين يطعمان طفلين وكلباً
وقال هذا طَريقٌ واضحٌ إلى الله!

في الليلة الأخيرة
ناما معاً بعد أنْ كتبا أغنيةً صغيرةً/
“تقولُ الأغنيةُ شكل الأرض دائريّ فقط ولكي أهرب بجسم حبيبي علي أنْ أغيّر شكل الأغنية أو أغيّر شكل الأرض!”

صباحاً بعد ألف سنةٍ عُثرَ على جثّتيهما يابستين تماماً 
والرَّاديو في غرفة النَّوم يصدحُ/
“تقول ُالأغنيةُ شكل الأرض دائريّ فقط ولكي أهرب بجسم حبيبي عليَّ أن ْأغيّرَ شكل الأغنية أو أغيّر شكل الأرض!”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: