أنثويّات – فعل “المُقاومة” – رفيف المهنا

د. رفيف المهنا
د. رفيف المهنا

(١)
ليس عبثاً أنْ تحتفي اللّغاتُ ب “المقاومة” و تعتبرها فعلاً أنثويّاً، ليس غريباً أنْ تنضمّ “المُقاومةُ” بتأنيثها إلى قائمة الأفعال الإنسانيّة العليا وخاصّةً فعل الأمومة. إنّ “المقاومة” هي التّفسيرُ العقليُّ الذّكوريُّ لمعنى الأمومة الأنثويّ. هي نجاح الذّكورة في مهمّة الأنوثة. هي الانتقالُ الحنونُ السّلسُ من الخصوبةِ كاسمٍ إلى الخصوبة كفعلٍ.
إنّ “المقاومة” هي الوجهُ الخفيُّ للخلق، إنّها مخزنُ موادِّه الأوّليّة.
بمجرّد أنْ نحيا فنحنُ نقاوم.

(٢)
المقاومةُ: هي فعلٌ خارجَ حساباتِ المنطقِ..
لا منطقَ في أنْ تقفَ ورقةٌ ناعمةٌ من ورقاتِ شقائقَ النّعمان في وجه الرّيح العاتية، لا منطقَ في أنْ تتمزّقَ، لا منطقَ في أنْ تفترقَ أجزاؤها الخفيفةُ إلى أصقاع الكون، ولا منطقَ في أنْ نعودَ ونراها في نفس المكان بعد دورة عامٍ.
المقاومةُ هي منطقُ الحياةِ لا منطقُ العقلِ، ما يبقى من قوّة المنطقِ بعد أنْ يظنّ العقلُ أنّهُ استهلكهُ عن آخره.
إنّها عقلُ القلب؛ القلبُ الأوّلُ.

(٣)
“المقاومة”، وإنْ مَنعَتْ، تُفرِّعُ أغصانَ الشّجرِ بشرعيّة الموتِ والحياة، تأخذُ ماءَ النّهر إلى أوسع بقعةٍ من الأرض، تنقلُ الريّح من مكانٍ لآخر برحابة صدر.
يقاومُ الحبلُ الصّوتيّ للعصفور ذاته فيغنّي، فتَأنسُ الكائناتُ بعضها بعضاً وتنامُ وتستيقظُ على إيقاع “مقاومات” كلّ عنصرٍ مع أوهامه.
النّاي، صار ناياً لأنّه يقاوم.
حتّى الصّمت، مقاومة.
إنّ المقاومةَ هي أداةُ الغناءِ والرّقصِ والتّعبِ الجميلِ في عرس الحياةِ اليوميّ.

(٤)
الصّبرُ يُعرف به صاحبُه.
المقاومة لا يعرف بها حاملُها.
الصّبرُ مُؤلمٌ.
المقاومةُ مُفرحةٌ.
الصّبرُ خيارٌ.
المقاومةُ منبعُ الخياراتِ.
الصّبرُ خائفٌ.
المقاومة لا تخاف.
الصّبرُ يتحمّل.
المقاومة تتجلّى.
الصّبرُ يتذكّر.
المقاومة بلا ذاكرةٍ.

(٥)
لا فرق بينهما
المقاومةُ فعلُ جمالٍ
الجمالُ فعلُ مقاومةٍ.
وبينما يبدو الجمال هو شبكةُ الإنقاذ الأخيرة، فإنّ المقاومةَ هي التّربة الّتي تُفسحُ للجمال أنْ يتنفّس.
يأسرُ الجمالُ وحشيّةَ البشاعةِ بلا مرئيّةِ المقاومة، بأسوارها الخياليّة، فيموتُ الوحشُ من وحشيّته لا من تأثّره بسحر الجمال.
المقاومةُ هي تلك الذّراعُ الممدودةُ دوماً من نور الجمال إلى ظُلمة البشاعة، لا تُعادي أحداً بدافع العداوة، إنّها محاولةٌ لإنقاذ البشاعةِ من بشاعتها.
تنقذُ المقاومةُ الجمالَ بإنقاذ البشعِ من بشاعته.

(٦)
المقاومةُ هي “المرض” الّذي يكونُ فيه الضّوءُ والموسيقا والجمال والحياة… إلخ أهمّ أعراضهِ الأساسيّة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: