إضاءات على أصول الاسماء حمص (4) ساعة كرجية حداد (الساعة الجديدة) – الباحث المهندس نهاد سمعان

إضاءات على أصول الاسماء حمص (4)

ساعة كرجية حداد (الساعة الجديدة)

نهاد سمعان

نهاد سمعان

تعد الساعة الجديدة من أهم معالم حمص المميزة وتعتبر مركز المدينة وقد وضعت في الخدمة عام 1961 لكنها دشنت رسمياً عندما حضرت السيدة كرجية إلى سوريا عام1964.

وفي عام 1951تبرعت السيدة كرجية بمبلغ 30000 ل.س عام لإقامة ساعة في مركز المدينة أمام السرايا فقامت بلدية حمص بالدراسات اللازمة لهذا الأمر واستصدار الموافقات من الجهات المعنية لمثل هذه الأمور، فوصلت الإضبارة مكتملة مع كل الموافقات إلى ديوان بلدية حمص في أيلول عام 1957 أي بعد ست سنوات من تاريخ التبرع. وبعد إنشاء البرج الذي أصبح ناجزاً بدون جهاز الساعة عام 1959 أبلغوها أن المبلغ لا يكفي لشراء جهاز الساعة فالقيمة الشرائية للنقود قد انخفضت بعد هذه المدة الطويلة فلم تتردد بإرسال 30000 ل.س إضافية لاستكمال العمل.

وفي الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الجمعة في 14 آب 1964 وصل موكب السيدة كرجية إلى الموقع حيث كان هناك بالإضافة إلى رئيس البلدية محافظ حمص وقائد المنطقة الوسطى وقائد الشرطة ورؤساء الطوائف وكبار الموظفين، فعزفت موسيقا كشاف فوج الثانوية الغسانية الأرثوذكسية النشيد الوطني وكان عريف الحفل الرياضي الكبير الأستاذ ساطع الأتاسي وبعد التدشين توجه الموكب إلى نادي الضباط بدعوة من قائد المنطقة الوسطى تكريماً للضيفة الكبيرة.

وفي ذلك الوقت لم يكن على جدار الساعة تلك اللوحة البرونزية التي تحمل صورة واسم السيدة كرجية، لكن بعد ثلاثين عاماً أي في الثمانينات ولما عرفَ المسؤولون في بلدية حمص أن هناك وفداً قادماً من البرازيل (مكان هجرة السيدة كرجية حداد) سارعوا إلى وضع اللوحة البرونزية التي تحمل اسم وصورة السيدة كرجية على الجدار الجنوبي للساعة كما هي حتى الآن.

مركز مدينة حمص قبل انشاء الساعة

مركز مدينة حمص قبل انشاء الساعة

أما عن صاحبة الاسم (كرجية حداد) فهي زوجة المغترب أسعد عبد الله حداد ابن مدينة حمص (سمي أحد شوارع حمص باسمه كما سنرى في مقال قادم). وهي كريمة إبراهيم حداد ومريم صباغ وهما من مدينة حمص.
وصلت السيدة كرجية إلى سان باولو عام 1902 حيث كان أخوها ناجي بانتظارها فتعرف عليها شريكُه في التجارة أسعد عبد الله الحداد، ولم تمضِ فترة وجيزة حتى عقد خطبته عليها ثم تزوجا عام 1903 فأنجبا عشرة أولاد ثلاثة ذكور وسبع إناث.

كانت السيدة كرجية شريكة زوجها بكل ما في الكلمة من معنى ومن أفضل ما قيل عنها في جريدة حمص في عدد 14 تموز عام 1951 بمناسبة زيارتها إلى سوريا: (السيدة كرجية وهي ضيف شرف في سوريا كانت دائماً رفيقة زوجها وشريكته في كل مبرّاته وهِباته. بَلى.. وكانت نورَه الهادي ووحيه النيّر وأغنيته العلوية. فكان الدماغ دماغه والقلب قلبها. وكانت اليد يده والإلهام إلهامها. وكان الصوت صوته واللحن لحنها. وكانت الورود وروده والشذا شذاها. كانا المادة والروح، وكان الواحد منهما متمماً للآخر).

وفي ذكرى الأربعين لزوجها صرّحت السيدة كرجية أنها ستتمم جميع ما بدأه زوجها من مشاريع خيرية بل ستقوم بتنفيذ الأعمال التي كان ينوى القيام بها لو لم يقف الموت حائلاً أمامه.
وصلت السيدة كرجية إلى سوريا عام 1951 مع ابنتها نبيهة وصهرها أسطفان شحفة وابنها وجيه وزوجته ليا شويري مع وفد سوري برئاسة الوزير المفوض في البرازيل الشاعر عمر أبو ريشة فذهب لاستقبالهم في مطار بيروت وفد حمصي برئاسة رئيس البلدية مكرم الأتاسي.

احتفلت حمص كبيرها وصغيرها بهذا الوفد من المغتربين واستضافتهم بكامل الحفاوة والإكرام ولما اختتمت الزيارة كان مجموع التبرعات التي تبرعت بها السيدة كرجية لمؤسسات مدينتها 70000 ل س موزعة لمشروع الساعة وللميتم الأرثوذكسي ولجمعية الطالبات القديمات وللمدارس وللهلال الأحمر ولجمعيات عديدة.

وكانت السيدة كرجية قد تبرعت في دمشق بمئة وخمسين ألف ليرة سورية لبناء معهد القبالة والتمريض في الجامعة السورية (وكان هذا المبلغ يكفي لبناء مبنى من ثلاثة طوابق) بالإضافة إلى تبرعات لجهات مختلفة في المحافظات التي زارتها فكان إجمالي تبارعاتها في زيارتها الأولى ربعَ مليون ليرة سورية.

لبت السيدة كرجية حداد دعوة الحكومة السورية عام 1954 لتدشين مدرسة التمريض والقبالة في الجامعة السورية التي تبرعت بإنشائها، وفي حفل التدشين تبرعت بمبلغ 50000 ل.س إضافية لبناء طابق رابع للمدرسة بعد أن لاحظت لزوم الأمر.

وفي هذه الزيارة الثانية أضافت أيضاً مبلغ 20000 ل.س للميتم الأرثوذكسي في حمص لإكمال تبرعها السابق وإقامة جناح للإناث فيه.

ومن مغتربها في البرازيل كانت السيدة كرجية لا تردُّ لأحد من وطنها الأم طلباً، فلما حضر لزيارتها وفد من حمص بقصد جمع التبرعات لمأوى العجزة في حمص تبرعت لهم بمبلغ 30000 ل.س. وعند قيام حملة التبرعات لتسليح وتقوية الجيش العربي السوري عام 1955 تبرعت دون تردد بمبلغ 25000 ل.س. ومن جملة نشاطاتها الوطنية الملفته للنظر أنها أرسلت دعوات خاصة إلى عدد كبير من الأدباء ليزوروا العالم الجديد ليطلعوا على مآثر المغتربين السوريين هناك.

والجدير بالذكر أن السيدة كرجية حداد قد قدمت الكثير الكثير لمنفعة الجالية السورية في المغترب.

 مركز مدينة حمص في 2018

مركز مدينة حمص في 2018

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: