إضاءات على أصول الاسماء حمص (5) شارع أسعد عبد الله حداد – الباحث المهندس نهاد سمعان

إضاءات على أصول الاسماء حمص (5)

شارع أسعد عبد الله حداد

نهاد سمعان

نهاد سمعان

ولد أسعد حداد في حمص المدينة في 26 آذار 1870 من أبوين حمصيين هما عبد الله حداد وزهرة سالم وكلاهما. ترعرع أسعد في كنف والديه لكنه لم ينلْ من العلوم شيئاً يذكر إذ لم يكن في حمص في ذلك الزمان سوى الكتاتيب أو ما شابه لتلقي العلوم، فالمدارس التي تسير وفق برنامج تعليمي تربوي بالمعنى الحقيقي للكلمة نشأت بعد قدوم مطران حمص المتنور أثناسيوس عطا الله عام 1886.

إن ضيق الأحوال المادية لأهل أسعد في ذلك الوقت دفعه للعمل عندما كان في الثانية عشرة من عمره، فكان يساعد عائلته بتلك المبالغ البسيطة التي كان يجنيها من تعبه، فظهرت مواهبه وبراعته بما كان يقوم به وشهد له مَنْ حوله بكفاءته وذكائه. وعندما بلغ أسعد الخامسة والعشرين تشجع والتزم من البلدية رصف وتبليط بعض شوارع حمص وأزقتها. والمرجح أنه هو من باشر بتبليط شارع السرايا كما كان يسمى آنذاك حيث أقامت زوجته برج الساعة بعد وفاته.

في ذلك الوقت أي في عام 1895 كان داء الهجرة قد بدأ يستشري بسرعة بين أبناء الطوائف المسيحية، حتى صار السفر هدفاً بل هوساً عند أغلب شباب المدينة، وكانت الأمراض التي ابتليت بها أمتنا آنذاك كالتعصب الديني والاضطهاد الطبقي والتناحر الطائفي تزكي نار هذا الهوس وتأججه في النفوس.

ومن خلال تنفيذ أسعد لالتزامه أعمال الرصف والتبليط في المدينة كان مضطراً للاحتكاك مع الناس بأطيافهم كافةً، فأصيب بصدمة نفسية ومعنوية في بداية عمله جعلته يتخذ قراره التاريخي بالهجرة، فترك التزامه مع البلدية وتوجه إلى الساحل ليبحر إلى العالم الجديد، ولما أرسل رئيس البلدية في أثره مَنْ يحول دون سفره استطاع أن يفلت من مطارديه بالطريقة الحمصية الشائعة، إذ لما سئل عن وجهة سفره قال: إلى مصر لبعض الوقت، فلما اتهموه بأنه لا يقول الحقيقة وإنه ذاهب إلى أمريكا قال: وأين هي أمريكا هذه؟ هل هي على طريق مصر أم بعدها؟ فتركوه لاقتناعهم بغبائه.

وصل أسعد إلى سان باولو في البرازيل عام 1895، وعمل في بداية الأمر كأغلب أبناء بلده تاجراً متجولاً يحمل (الكشة) ويدور بها بين القرى ليكسب قوته من ذلك الربح المتواضع، وبعد فترة وجيزة ولما تجمع بين يديه قليل من المال شارك ابنَ خاله نجيب سالم وناجي الحداد شقيق زوجته كرجية فيما بعد وسليم سلمون وافتتحوا محلين تجاريين في أطراف المدينة، أصبحا بعد فترة قصيرة في قلب الأسواق التجارية للمدينة التي كانت تتوسع بسرعة فائقة. وفي عام 1902 انحلت الشركة وتفرق الشركاء، لكن أسعد بقي مع نسيبه نجيب سالم وابتدأت مسيرتهما التجارية أول الأمر في تجارة العقارات. فابتاعا منطقة من الضواحي مساحتها مليون متر مربع أصبحت بهمة أسعد حداد من أجمل أحياء المدينة بعد أن قسَّمها إلى مقاسمَ وشقَّ فيها الطرق ومدَّ لها الكهرباء والماء وأطلق على الشارع الرئيسي فيها اسم (شارع سوريا)، وخلال فترة قصيرة أصبح أسعد من أغنياء المهجر فابتاع عام 1936 معملاً للغزل في مدينة سالتودي إيتو وفي 1940 أسس في سان باولو معامل كبرى للغزل ثم في 1946 معامل أخرى للغزل والنسيج في ريو دي جنيرو.

تزوج السيد أسعد عام 1903 من السيدة كرجية حداد التي أنجبت له عشرة أولاد: ثلاثة ذكور وسبع إناث ربّاهم جميعاً على محبة أعمال الخير ومحبة الوطن فتزوجوا جميعاً من أبناء وطنهم ولم يتركوا فرصة إلا واستغلوها في زيارة سوريا مسقط رأس أبيهم.

عاد أسعد حداد إلى سوريا بقصد الزيارة ليمتع ناظريه بربوع بلده الجميل بعد خمس وثلاثين سنة من هجرته وكان ذلك العام 1930 فشاهد بأمِّ العين ذلك المخاض العنيف الذي كان يحصل في ظل الانتداب الفرنسي لولادة الدستور الذي ستتحدد بموجبه ملامح سورية الحالية التي نعيش فيها.

كان أسعد كريماً معطاءً لا يتردد في عمل الخير فكانت الجالية السورية والحمصية تحديداً في البرازيل تعتمد عليه في مشاريعها الكبيرة والكثيرة التي جعلت منها هناك جالية مميزة لها شخصيتها وأهميتها التي يحسب لها حساب حتى هذه الساعة.

ويمكن أن نعدد على سبيل المثال لا الحصر مساهماته في المغترب على الشكل التالي:
* مساهمته في بناء كنيسة السيدة الأرثوذكسية في سان باولو.
* مساهمته في بناء كاتدرائية القديس بولس الأرثوذكسية بمبلغ يعادل 150000 $ آنذاك (عام 1943) وهي من أكبر الكنائس الأرثوذكسية في العالم وقد بنيت على الطراز البيزنطي فبلغ ارتفاعها 46 م وطولها 58 م وعرضها 32 م، لها سبعة أجراس تعمل بالكهرباء وزنها 7500 كغ وقد تبرعت السيدة كرجية فيما بعد بصلبانها الضخمة المذهبة، ونجلها السيد وجيه بالأجراس، ونجلها الأصغر بالساعة المثبتة في واجهتها. ولا شك أن هذه الكنائس في العالم الجديد ساعدت كثيراً في الحفاظ على تمايز الشخصية السورية في هذا البحر اللاتيني.
* مساهمته في بناء المصحّ السوري في كومبوس وهو مصح متخصص في أمراض الصدر، وقد بني في منطقة ترتفع 1750 م عن سطح البحر ووضع في خدمة الجمهور على أن يستقبل الفقراء السوريين واللبنانيين مجاناً وقد كانت مساهمة السيد أسعد بـ 300000 كروزيرو.
* مساهمته في تأسيس النادي الحمصي وهو من أكبر النوادي في العالم الجديد فافتتح الاكتتاب عليه في قصره بمبلغ 100 كونت وتبرع بالعام 1934 بمكتبته ثم استكملت زوجته السيدة كرجية تبرعاته للنادي ببناء صالة المسبح الضخمة فيه.
* مساهمته في بناء أبنية الميتم السوري فقد قام عام 1929 بتشييد ثلاثة منازل للإيجار لتكون مورداً ثابتاً للميتم، وفي 1935 شيد البناية المركزية القائمة في وسط ساحات الميتم البالغة 25000 م2 وهي من طابقين وفيها قاعات للتدريس وقاعة احتفالات تتسع لـ 500 شخص مع مسرح. وفي عام 1948 شيد بناء ضخم من طابقين لتكون فيه قاعات تدريس وغرف نوم، فتم بوجود هذا المبنى فصل الإناث عن الذكور وأصبح هذا المبنى خاصاً بالبنات.
والجدير بالذكر أن الميتم السوري كان قد تأسس هناك عام 1908 ومن جملة المتبرعين الرئيسيين فيه السيد بشارة محرداوي الذي تبرع بمطبعة جريدة حمص عام 1909 وقد تبرع ببناء ضخم فيه تم تدشينه عام 1925.

أما في وطنه الأم سوريا فقد عاجلته المنيّة قبل أن يتمتع بمشاهدة تنفيذ ما وعد به من تبرعات ما عدا جناحاً خاصاً في مستشفى العيادات التابع للجامعة السورية تم تنفيذه قبيل وفاته عام 1949، وقيمة بناء تم شراؤه ليضاف إلى المدارس الأرثوذكسية في حمص.

توفي السيد أسعد عبد الله حداد في 22 نيسان 1950 وأكملت زوجته السيدة كرجية حداد مسيرته الخيرية في الوطن وبرّت بما كان قد وعد به قبل مماته.

كرّمت سوريا ابنها البار أسعد بمنحه وسام الاستحقاق السوري المذهب اعترافاً بأياديه البيضاء وخدماته لأبناء الجالية في المغترب ولأبناء وطنه الأم سوريا، وقلدته أيضاً بطريركية الروم الأرثوذكس وسام القبر المقدس من رتبة كومندادور، لكنَّ هذين الوسامين وصلا متأخرين فوضعا على نعشه قبيل انطلاق جنازته.

كما اتخِذ قرارٌ بعد وفاته بتسمية الشارع الواصل بين شارع الحميدية وحمّام الباشا باسم (شارع أسعد عبد الله حداد)، وفي دمشق صدرالقرار رقم 1147 تاريخ 7 / آب / 1957 بتسمية مدرسة تجهيز البنين الثانية باسم (ثانوية أسعد عبد الله حداد)

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: