ارقص معي – نجيب الغزفوري – المغرب

هو اليوم متيقن تمام اليقين أن قدره هو من رسم خط حياته، ووضع بعناية كل حرف من حروف قصته. كل يوم، كل ساعة وكل دقيقة تنهار قواه أمام سؤال يعذب خاطره ويقلق فكره:
أهو مذنب؟ أم مجرد ضحية؟ رغم أن المنطق والعدل لا يجعل منه أبداً مذنباً إلا أنه يحتفظ لنفسه بشيءٍ من اللوم والعتاب. خصلة شعر بيضاء قابلته في المرآة لأول مرة بعد طول انتظار، صار يتوقع حضورها في أي لحظة منذ أن حل ضيفاً على عقده الخامس، إلا أنها تأخرت بعض الشيء.

والده في سنه هذا كان أبيض الشعر بامتياز، في شقته بحي المحنش، يجلس وحيداً، لم يكن على موعد مع طلبته هذا الصباح، كل ما يملأ جدوله هو عرض مسرحي ينوي تقديمه مساءً في “مسرح سينما اسبانيول” حين لمح خصلة الشعر تلك، ابتسم، تأمل ملياً وأطال النظر في كل ما يؤثث وجهه من ملامح وبوادر تجاعيد.

للحظةٍ، خيل إليه أنه بصدد إجراء واحد من التمارين التي تعود القيام بها أيام المعهد. في غالب الأحيان يكون الهدف المنشود هو اسقاط دمعة، ها هي الدمعة تسقط وينجح التمرين، شتان بين دموع المعهد الذي كان بارعاً في اسقاطها وبين هذه الدمعة! أحس وكأن خطراً ما يهدد سكينته التي تمكن من تحقيقها بعد مشقة.

بسرعةٍ أخفى أي أثر للدمعة ، لم يرد أن تجلب صديقاتها إلى نزهة أحزان تزيد الجراح عمقاً والعمق ظلاماً وعتمة، حاول الاستنجاد بأي قشة تقيه من الغرق في تلك اللحظات، أطلق العنان لموسيقا صاخبة -على غير عادته- وشرع يرقص بكل ما أوتي من قوة، يود أن يفقد الوعي يرغب في السفر بعيداً عن كآبة تتحرش به بجدية هذه المرة. في مشهد ميلودرامي، سقط أرضاً، بكى وبكى بحرقة جعلت صوت بكائه ذو حضور أعظم من صوت الموسيقا.

كيف!؟ الله وحده عليم بأنه في تلك اللحظات ولج دهليز حياته. مر بها محطة تلو محطة، هو لا يخاف مواجهة جراحه التي ترك مهمة تضميدها للزمن والأيام، بل يخاف السقوط! في كل مرة يخشى أن تكون السقطة سقطة أخيرة. سقطاته في الزمن الغابر، عندما كان شاباً عشرينياً، كانت بسبب عراكه مع القدر، أيقن بعدها أنه لا هروب مما كتب، نملك نحن ربما القدرة على التحكم في أسلوب القراءة لكن ما كتب قد كتب! أما سقطته هذه فهي سقطة ضعف ومذلة. مذلة رجل خمسيني شارف على حمل لقب عجوز وجد نفسه وحيداً بين كتبه هاته المصفوفة بعناية. أضحت عبارة “الكتاب خير ونيس” تثير لديه الرغبة في الضحك، لم ينكر قط فضلها، بل مل أنسها، في غرفة خصصها لكل ما يتعلق بنشاطه المسرحي، يقطن كرسي متحرك. استعان به قبل شهور لأداء دو، في إحدى حصص التدريب أو “البروفات” -كما يسميها هو- غاب تركيزه وشرد الفكر. ظهرت صورته جلية أمام عينيه وهو مقعد، عاجز ووحيد بعد سنوات كان يخبر جيداً أنها على الأرجح لن تكون بالعديدة، وحده الله من يحدد الآجال لكن حتماً ما تبقى من العمر أقل بكثير مما عبر.

اقشعر بدنه من هول المنظر، فك قيد شروده بعنوة وعاد أدراجه باحثاً عن “الرابط” الذي أضاعه في حوار المسرحية، كم تمنى سماع كلمة بابا، كم تمنى ذلك الطفل! كان يرغب بمعانقته صباح مساء، بمناسبة وبدون مناسبة، عناق يروي به عطش سنين الماضي ويسد به ديونه. بكل سهولة، كان بإمكانه تحقيق وجود لذلك الطفل ولعائلة صغيرة، كما فعل الكثيرون، كما فعل والده… لكن لم يكن ولن يكون يوماً أنانياً. هو لا يقف على أرضية صلبة تمكنه من تشييد المشروع. كوابيس عديدة، طرزت لياليه رعباً في الفترة الأخيرة، في مرات ليست بالقليلة كان يحلم أنه طريح فراش يرغب في كوب ماء لا يجد من يناوله إياه. فكرة مستهلكة في الأفلام المغربية لطالما انتقدها وسخر منها، لتسخر منه هي في الخاتمة والعبرة بالخواتم! كابوس مماثل كفيل بأن يولد لديه أرقاً يصاحبه لأيام. أرق يستشفه طلبته من الهالات السوداء التي اختارت مؤانسة بوادر التجاعيد في وجهه الباسم المكلوم. رحل المقربون من جيل السلف. لم يجد القدر بنظائرهم في جيل خلف على عكس المتوقع، كان يقف باسلاً قوياً لحظات الفراق، لحظات انطفاء آخر الشمعات التي أنارت ظلام وحدته الحالك أثناء الجنائز ومراسيم الدفن، كان كالذي يقف فوق جبهة قتال. يصرخ في وجه الحياة بكل شراسة ويقول: ضرباتك المتلاحقة لا تزيدني إلا صلابة. كمن ولى لديه زمن الضعف وهب عصر القوة!!!! هيهات، لم يكن ضعفه بالزائل المنمحي بل كان مؤجلاً للحظات بعينها كالتي يمر بها للتو. لا يريد الخوض في بداية حكايته مع الزمان وتطوراتها الدرامية. سامح الجميع. سامح الحياة نفسها. لم يعد يشغل باله سوى نهاية تبصرها قبل ثلاثة عقود من الزمن.

الساعة تشير إلى الخامسة مساءً. بعد أقل من ساعة يجب أن يكون فوق خشبة المسرح. نهض، انتصب، هب واقفاً. عاشماً أن يرحل به كأس نبيذه لدنيا غير الدنيا! لعالم بعيد عن الأسى الذي انبثق من خصلة الشعر البيضاء صبيحة هذا اليوم. نبيذه هو مسرحه بكل تفاصيله ومراحله بداية من أول كلمة يحفظها في حوار المسرحية وصولاً إلى آخر قطعة ديكور يساعد في لمها بعد انتهاء العرض. مسرحه وفي، لم يأخذ منه يوماً ضريبة… رغم قدرته العالية في تقمص الأدوار المركبة والصعبة، لم يفكر الممثل البارع أو “الجن -كما كان يسميه زملاؤه في الفرقة- أن يطرق باب السينما أيام الصبا. السينما شهرة. والشهرة تعري. آخر ما كان ينقصه هو تعرية روحه المنقوشة بالجراح وببقايا حروب ونكسات كان في غالب الأحيان الطرف المنهزم فيها. لا أحد يهزم الزمن.. فوق الركح غنى ورقص. أخطأ فتدارك. أطنب وجوّد في حواراته. هو الذي عرف بالتزامه ووفاءه لكل كلمة تؤثث نص الحوار، كان يود تمطيط تلك اللحظات والاستمتاع بها قدر ما أمكن. إنتشى بكل تفصيلة، بكل تصفيقة، الباردة منها قبل الحارة. كل كلمة، كل تعبير وكل حركة كانت نابعة من أعماقه بصدق جعل العرض ناجحاً بامتياز .فالصدق حصان رابح لدى الفنان. هذا ما أطلعته عليه ممثلة أحبها كانت بقدرها راضية.

في نهاية العرض، لمح فتاة تصفق بشدة. اتخذت وسط الصف الاوسط في الصالة موقعاً لها. كأنه يعرف ذلك الوجه. كأن تقاسيمه مألوفة لديه. هو الذي يقف في أشد البقع إضاءة في المكان، لمح في وجهها نوراً ساحراً. بحث عنها بعد ذلك. انصرفت. مثلما انصرف الجميع وظل هو يسرق لحظات متعة أخيرة قبل أن يجبره موظف الأمن على المغادرة بلطف.

غادر المكان والسرور يغازل فؤاده بقصيدة مبهجة زادته بهجة فوق بهجة… رغب في التمشي. لطالما أحب التنزه ليلاً. لم ينل الزمن من تطوان -كما نال منه- ما زالت تحتفظ بالكثير من رونقها. فاتنة هي، بكرة وأصيلة. لكن لليل سحره. سحر يزيدها بهاءً وفروهة. خلال هذه النزهة .سمع صوت نداء من الداخل يقول: ياعزيزي الحياة لم تظلمك. أنت من كنت ظالماً في حقها صباح اليوم. بدون مناسبة وبدون مقدمات، وجد نفسه يتذكر النشوة العارمة التي تغمر كيانه عند كل تصفيقة ومع كل كلمة إطراء ينطقها لسان متفرج. تذكر الرضا الذي يكتسح فؤاده العليل عند كل نظرة تقدير ومحبة يبصرها في عيون طلبته. رضا يحول العرق المتصبب من الجبين إلى عنبر خالد يعطر روحه بكل فخر! تذكر عامل النظافة البشوش الذي يقابله كل صبيحة وهو في الطريق إلى عمله. تذكر بائعة الورد اللطيفة التي تحف كل زهرة من أزهارها بأسطول من الكلمات العسلية المختارة بعناية. كلمات نطقت بحب. تذكر طفلة طبعت على خده يومأ قبلة صادقة بعد نهاية عرض مسرحي. تذكر أفراد أسرته فرداً فرداً. أحبهم بصدق! تذكر صديقة له أيام الدراسة الجامعية -اسمها يحمل أحد معاني العدل- كانت تخبره أن “غداً سيكون أجمل بإذن الله”. غدا الغد غدأ بسرعة. تمنى لو يجدها أمامه في تلك اللحظة ليقول لها: أصبت. تذكر البحر والسماء. تذكر فيروز وعبد الحليم. تذكر هاني وهند والأفلام. تذكر شيرين و”حلاوة الدنيا”. تذكر أن الحياة جميلة تستحق أن تعاش. تذكر يوماً دعا فيه ربه: “ربي إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه”. استجاب العاطي الكريم. لم تسلب منه الحياة كل شيء. أعطته ما أعطته وأخذت ما أخدت. هذا ببساطة هو”التوازن الكيميائي” الذي يمضي ساعات في شرحه وتبسيطه لطلبته في الجامعة.

في هذه الأثناء، كان قد وصل إلى ساحة فسيحة. سميت قبل عقود ب “الفدان الجديد”. لم يعد جديداً. لكن ما زال براقاً بديعاً… السماء تمطر. رفع عينيه إليها، صرخ، بكى وسأل الله الغفران. سأله اللطف وحسن الخاتمة. ما يبقيه صامداً هو يقينه القلبي بأن الله معه. معه في كل لحظة!

من بعيد، لمح شخصاً قادماً نحو نفس المكان. فتاة مليحة أسدلت شعرها الأسود الطويل بنعومة على فستانها الناصع البياض. لحظة! إنها هي! نعم هي! هي المصفقة التي ركض باحثاً عن طيفها قبل ساعات بعد انتهاء العرض!! موسيقا جميلة يجهل مصدرها ملأت المكان. اقتربت منه. وقصا شريط رقصة دامت مدة من الزمن. راقصة بارعة هي، بالكاد يجاري إيقاعها وسرعة خطواتها. رقص. رقص بفرح. كالذي ينهض فجأة من حلم جميل. أوقف الرقصة. جلس، رفع عينيه إليها، تأمل ملياً في ذلك الوجه المنير الذي لفت نظره وقت التصفيق قبل أن يسألها: من أنت؟ هل أعرفك؟ وجهك مألوف وغير مألوف… بسمة غمرت محياها قبل أن تجيب برقة: أنا من كرهت بشدة سواد شعرها صباح اليوم. أنا من عشقت بياض فستانها للتو. أنا المتعة والشقاء. أنا البراءة والخبث. أنا المد والجزر. أنا من أقف في وسط الوسط أصفق بحرارة عند نهاية كل عرض مسرحي. هذه أنا واسمي حياة. كفاك حيرة اليوم، وهيا قم مجدداً.. ارقص معي.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: