الأخلاق بين الوهم والحقيقة – نداء صالح

الأخلاق بين الوهم والحقيقة – نداء صالح

نداء صالح

نداء صالح

الأخلاق بوصلة الرّوح، بدونها قد تضيع أرواحنا في متاهة الوجود الإنسانيّ وعبثيّته الّتي لا حدود لها.

لكن ما هي الأخلاق؟ ما حدودها؟ وهل الأحاسيس الأخلاقيّة وليدة المجتمع؟ هل يوجد قانونٌ أخلاقيٌّ ثابتٌ لكلّ الأزمنة والعصور؟ ما الّذي يحدّد ضميرنا الأخلاقيّ؟ هل هو الدّين، أم المعرفة، أم القوّة، أم تطوّر المجتمع والتّكنولوجيا؟ وما مدى التزامنا الأخلاقيّ ككائناتٍ حرّةٍ بعيداً عن الخوف من العقاب؟ وهل نتجرّأ في عالمٍ يخلو من التّهديد بالعقاب على خرق القوانين الأخلاقيّة، أم أنّ الأخلاق أعمق فينا من مجرّد عقابٍ يفرضه المجتمع أو تفرضه السّماء؟

ربّما لا توجد قضيّةٌ أكثر تعقيداً من الأخلاق، فهذا التّناقض بين الخير والشّرّ، والإثم والفضيلة يخلق كثافةً في الوجود الإنسانيّ، وصراعاً لا ينتهي على القيم، نلمسه بدءاً من صباحاتنا العاديّة ومروراً بتفاصيل عيشنا وانتهاءً بطقوس ليلنا.
لا نملّ الحديث عن القيم وعن فساد القيم، عن لصوصيّة البعض ووصوليّتهم، عن نفاق المؤسّسات الاجتماعيّة وغير الاجتماعيّة، فكم من يدٍ شاهدناها تلوّحُ بالأخلاق كقيمةٍ لا تنازعها أيّ قيمةٍ أخرى، ونحن نعرف مسبقاً كيف أنّ هذه اليد ذاتها قد ارتشت، أو قست، أو سرقت؟

كم من أفواهٍ ردّدت أمامنا الأخلاق ثمّ الأخلاق ثمّ الأخلاق، وهي ذات الأفواه الّتي تناولت صديقاً بالنّميمة، وتناولت آخر بالتّشويه، وتناولت على مآدب النفاق مبرّراتها اللّا أخلاقيّة؟
وكيف نعلّم أولادنا الأخلاق إن لم نكن نتعاطاها إلّا بأحاديث عابرةٍ وصوليّةٍ كأصحابها؟
هل هناك ترتيبٌ للقيم؟ فهل يأتي الإخلاص قبل الحبّ؟ وهل تأتي الواجبات قبل الحقوق؟ وهل تأتي القناعة قبل الطّموح؟
هل الأنا هي القيمة العليا في مجتمعنا “أنا وبعدي الطّوفان”، أم أخلاق القطيع “بين العميان حطّ إيدك على عينك وامش”؟
هل هذه أخلاق العموم، وليست أخلاق السّادة كما أعلن نيتشه؟

لقد ذهب نيتشه بعيداً وأعلن موت الإله “لقد مات الإله ونحن من قتلناه”. لقد كان هذا بيان زرادشت الأوّل معلناً موت القيم والمبادئ الأرضيّة، مؤسّساً للعدميّة، لقد أراد نيتشه أنْ يضع حلّاً للفراغ الأخلاقيّ بإعلانه الإنسان المتفوّق، القادر على التّأثير في الآخرين، وبالتّالي وضع أسسٍ أخلاقيّةٍ جديدةٍ، مختلفةٍ عن الأوهام الأخلاقيّة السّائدة (الشّفقة، احتقار الجسد، حبّ القريب)، والّتي اعتبرها نيتشة أخلاق الضّعفاء، ولا تعبّر عن الإنسان وفطرته، إنّما تعبّر عن مرحلةٍ تاريخيّةٍ لابدّ أن تنتهي.
فهل حقّاً تقع مسؤوليّة تحديد القيم على عاتق النّخبة؟

من أجل ذلك قامت الحروب، حيث يبدو أنّنا لا نستطيع إرساء قيمةٍ إلّا بهدم مقابلتها، ولا بدّ أن يخرج لك المئات محاولين نهيك أو ذمّك أو حتّى قتلك في سبيل الحفاظ على سلامة معتقداتهم.
ألا يبدو غريباً أن نستخدم الجريمة كي نثبّت قيمة؟

يسخر نيتشة ويقول أنّ دانتي كان عليه أن يكتب على باب جحيمه: “أنا أيضاً أوجدتني الكراهيّة الأبديّة”.. بدلاً من “أنا أيضاً أوجدتني المحبّة الأبديّة”، ويستشهد بأقوالٍ لآباء مسيحيّين يتشفّون برؤية الكافرين في الجحيم.

إنّ المواجهة الرّوحيّة الأزليّة بين الخير والشّرّ- الرّبّ والشّيطان، بدأت مع وجود الإنسان في هذا الكون، حيث قلوب البشر ساحةٌ يتعارك فيها التّناقض الوجوديّ بين الإثم والفضيلة، والخير والشّرّ، لذلك كانت القيم الأخلاقيّة قلقاً دائماً للفلاسفة ومعياراً للمجتمعات وللحضارات، وملهمةً للأدباء، على مدى الحياة.
لقد قدّم لنا الأدب نماذج رائعةً عن شخصيّاتٍ عانت من مشاكل أخلاقيّةٍ وجوديّةٍ، حيث نجد مثقّفاً دوستوفسكي في الجريمة والعقاب يبرّر جريمته الأخلاقيّة بإرثٍ فلسفيٍّ عن العظمة والانتخاب.

الفنان اسماعيل نصرة

الفنان اسماعيل نصرة

ربّما كانت أجمل هذه النّماذج شخصيّة راسكولنيكوف في الجريمة والعقاب لديستوفسكي كشخصيّةٍ عدميّةٍ وعدميّته ليست سياسيّةً ولا ثقافيّةً ولا اجتماعيّةً بل هي عدميّةٌ أخلاقيّةٌ، حيث يرى أنّ باستطاعته الدّوس على القيم الإنسانيّة كي يصبح إنساناً أقوى فأقدم على قتل المرابية العجوز. ولكن رغم غطرسته اللّامتناهية، يقع في فخّ الرّعب، وتسحقه المعايير الأخلاقيّة، يرزح تحت عبء تبكيت الضّمير، والحاجة إلى الاعتراف، فلم تنقذه عدميّته، ولا إحساسه بوجوده المتفوّق، ولا بأنّه قد أراح الحياة من شخصيّةٍ طفيليّةٍ أساساً يشكّل وجودها سحقاً لوجود الآخرين.
“هل إذا تمنّى المرء موت أبيه ثمّ قُتِل أبوه يكون مشاركاً في الجريمة؟”
هذا هو السّؤال المفصليّ في شخصيّة إيڤان (رواية الإخوة كارامازوف- دستوفسكي)، وقد أوصله عذاب الضّمير إلى لوثةٍ عقليّةٍ وصلت إلى قمّتها عندما اعترف له سمردياكوڤ بأنّه لم يقتل الأب إلّا بإيعازٍ من فلسفته هو.
كما ورد في الرّواية أنّه لا إله ويفسّر فطرته بأنّها ليست أكثر من صنيعة المجتمع وتراكماته ويجاهد نفسه ليتحرّر من كلّ هذه الضّغوط الأخلاقيّة الّتي كانت تُفرَض على الإنسان العبد على حدّ تعبير الرّواية، وبما أنّه لا إله بالتّالي فإنّ البشريّ وقدرته هو الإله، وأيّ مكانٍ هو مكانه وأيّ فعلٍ يفعله هو الخير المطلق بطبيعة الحال. ولكن هل يبقى حينها لمسميّاتٍ مثل الخير أو الشّرّ من معنىً؟
إنّ التّاريخ والمجتمع عبارةٌ عن سلسلةٍ من التّناقضات الأخلاقيّة الغريبة الّتي نعيشها دون أن نفكّر بماهيّتها خاصّةً عندما تصدر عن سلطةٍ أقوى كالسّلطات الرّوحيّة أو سلطة الدّولة.

يقول تولستوي: “أيّ مأساةٍ تُمثَّل على مسرح الحياة؟ إنّنا جميعاً ننشر القانون المسيحيّ بالصّفح عن الإساءات وحبّ الغير، وتنفيذاً لهذا القانون أقمنا في موسكو أربعين كنيسةٍ، ومع ذلك، بالأمس فقط، حكمنا على جنديٍّ تعسٍ فارٍّ من الخدمة بالجلد حتّى الموت، فجاء القسّ، وزير هذا القانون القاضي بالحبّ والصّفح، وقدّم الصّليب لهذا الرّجل ليقبّله قبل الموت!”.

لقد فصلت الحداثة الأخلاق عن الدّين، والعلم عن الدّين، وفصلت السّياسة عن الأخلاق، فهل هناك أخلاقيّاتٌ بلا ألوهيّةٍ، وروحانيّاتٌ بلا دينٍ؟
أليست أخلاق الحرب تختلف عنها في أيّام السّلم، ألا نقبل القتل كحالةٍ من الدّفاع عن النّفس في الحروب، في حين تشمئزّ نفوسنا منها في حالة السّلم.
إنّ الدّماء تسيل وتصبغ الأخلاق بلونٍ آخر لا يشبهها، ونكاد نجنّ من تصريحات رجال السّياسة إذ لا نعرف أين ندرجها، والغريب ليس تصريحاتهم إنّما هو العنف المنتشر من حولنا بحيث تبدو السّرقة والنّميمة والوصوليّة وغيرها مجرّد هلوساتٍ إنسانيّةٍ في زمن الضّجر.

إنّ انقلاب القيم في حالة الحرب تجعلك تتشبّث بوجودك ككائنٍ متناقضٍ، يبحث فقط عن أناه المتعالية، وماذا يبقى لنا في النّهاية؟ هل تبقى الحقيقة كقيمةٍ؟ هل تفقد جماليّتها وسط عالمٍ يضجّ بالنّفاق والمكر؟ ماذا عن العيش بعفّة الزّهد الّذي قد يفقدك ذاتك وسط عالمٍ من الإنفاق المبتذل؟ إنّ غواية اللّذّة تتغلّب على أخلاق الزّهد.
يقول دوستوفسكي: “إنّنا نستطيع عند اللّزوم أن نخنق حتّى إحساسنا الأخلاقيّ، إنّنا نستطيع عند اللّزوم أن نحمل إلى السّوق كلّ شيءٍ، فنبيعه فيها، الحرّيّة، الطّمأنينة، وحتّى راحة الضّمير”.

لابدّ أن تكون الأخلاق تأكيداً على إنسانيّة الإنسان، ووجوده ككائنٍ حرٍّ يقف أمام الحياة
يقول أريك فروم: “لا يوجد خيرٌ أو شرٌّ بدون حريّة المعصية”.
ولابدّ أن نصرخ مع كامو: “نحن لا ننشد عالماً لا يُقتَل فيه أحد، لكنّنا ننشد عالماً لا يُبرَّر فيه القتل”.

ولابدّ أن أقول بأنّني لا أؤمن بالفقر كقيمةٍ، ولا أؤمن بالغنى كقيمةٍ مقابلةٍ، لكنّني أؤمن بالعمل كقيمةٍ، وأؤمن بالحياة قبل كلّ شيءٍ وبالسّعادة وبالجمال وبالمعرفة وبالفنّ والإبداع كطريقٍ للخلاص، فهل يكفي ذلك كي نعلّمه لطفلٍ يُعَدّ القيمة الأخلاقيّة الّتي تتجاوز كلّ القيم؟

وحتّى لا نبدو كمن أمسك بقطعةٍ من النّسيم تمرّ به، وخبّأها دون أن ينظر إليها في آنيةٍ، ولم يعد إليها أبداً كي لا يفاجأ بأنّه لم يخبّئ إلّا الوهم… سنردّد على الدّوام قطعةً أخلاقيّةً جديدةً كسمفونيّةٍ حتّى تكتمل الحياة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: