الأنتروبي والعشوائية البشرية – د. رندة مارديني

رندة مارديني
رندة مارديني

لماذا نحن هنا؟ وما هو معنى وجودنا في هذا الكون؟

تساؤلٌ قد يطرحه البعض منّا في لحظةٍ عابرة، ولكنّه لدى البعض الآخر سؤالٌ وجوديٌّ حياتيّ لا ينفصم عن وعيهم..

إنّ وجودنا في الحقيقة أعظم من سبب وجودنا، إنّه يعبّر عن كمال القدرة الخلّاقة الّتي تجلّت في لحظة ما، إنّه الوعي الحيّ في قيمته العليا..

والحضارات كانت ولا تزال على علاقةٍ وثيقةٍ بالقيم، ومن علامات انهيار الحضارات ابتعاد فطرة الجماعة أو الوعي الجمعيّ عن القيم العليا من إبداعٍ ونظامٍ وحقٍّ وخير..

خلال مسيرة تطوّره، عمل الإنسان على دراسة التّاريخ وحركيّته، وحاول إيجاد القوانين الّتي تحكم هذه الحركيّة، لتفسير الواقع أوّلاً، ثمّ العمل على تغييره عن طريق فهم الاحتمالات المتعدّدة الّتي سيحملها المستقبل انطلاقاً من الأحداث الّتي حصلت في الماضي، ثمّ اختيار تلك الاحتمالات التي تقود إلى تطوّر المنظومة الحيّة وتفتّحها، قبل أن تقودنا الكوارث والفوضى والحروب إلى الفناء والإبادة..

أستعير هنا مصطلحاً فيزيائياً هو الأنتروبي، والأنتروبي في أدبيّات العلم يعني الفوضى، والأنتروبي مفهومٌ عميقٌ شامل يحدث في الطّبيعة والكون، وهو المقدار الّذي يعبّر عن عشوائيّة أيّ نظامٍ عندما ينتقل من حالة الانتظام إلى حالة الفوضى…

ينصّ القانون الثاني من التّرموديناميك أو الدّيناميك الحراريّ على أن الأنتروبي إمّا أن تزيد أو تبقى ثابتة في أيّ نظامٍ مغلق، لكنّها لا تنقص دون تدخّلٍ خارجيٍّ، ومثالُها مكعّب الثّلج ذو الأنتروبي المنخفض ولكنّه عندما يذوب تزيد أنتروبيته، وذلك بسبب انتقال الحرارة من خارج النظام، وزيادة التحوّل نحو حالةٍ أكثر فوضويّةٍ على المستوى الجزيئيّ بسبب زيادة حريّة الحركة والانتشار للذرّات والجزيئات عند التّحوّل من الحالة الصّلبة إلى الحالة السائلة.. والكون تتزايد أنتروبيته بشكلٍ مضّطرد، فعندما حدث الانفجار العظيم كان الكون ذو أنتروبية منخفضة، ومنذ ذلك الوقت والكون في حالة توسّع ونموّ، ممّا يؤدي الى زيادة الأنتروبي، وهذا يدعو الى الإفتراض بأن الحياة ستعود يوماً إلى حالة الشواش (حالة اللاتعيّن) التي خرجت منها في بداية لحظة الانفجار العظيم، ولكن هناك من يفترض أنّ الكون يتّجه نحو التّرتيب وسنشرح ذلك بعد قليل..

والأنتروبي قانونٌ كونيّ، وهو مفهوم يُنظر إليه من خلال عدة علوم، وهو كقيمة يدلّ على القدرة الضّائعة، والسّبب في ذلك يعود إلى أنّ كلّ فعلٍ كونيّ لا يُنجَز إلا بتحوّل كميّةٍ من الطّاقة من شكلٍ لآخر، ولكنّ هذا التحوّل ليس متوازناً دوماً، إذ يتبدّد فيه جزءٌ من الطّاقة، فالأنتروبي إذاً يدلّ على مقدار القدرة أو الطّاقة الضّائعة التي لا يمكن استخدامها في إنتاج عمل..

يتعارض الأنتروبي مع الحياة التي تتسّم بالنّظام والاتسّاق، هذا الانتظام الّذي لا يترك مجالاً للاعتقاد بدور الصّدفة في هذا التّناسق، وهذا لا يتناقض مع طبيعة الأشياء، فالعشوائية التي تخرج بنتائج منظمة هي لغة أمّنا الطبيعة.. تخبرنا الفيزياء والبيولوجيا أنّ الحياة قد ظهرت وتطوّرت من خلال تعاقب الاضطرابات والفوضى التي تحكم نظاماً ما في كلّ مرة، وذلك من خلال اختيار الكون وفي كلّ مرة لاحتمال تشكّلٍ من بين كلّ الاحتمالات والتي تقود النّظام إلى الاتّزان..

الأنتروبي هنا تمثّل مقدار التّقدّم نحو التّوازن الذي يبدّد الفوضى في النّظام، وهي مقياسٌ لعدم الانتظام (توازن الحرارة والضّغط والكثافة والمكوّنات الكيميائية داخل النّظام) وليست مقياساً للانتظام، فالانتظام هنا يتناسب عكسيًاً مع الأنتروبي، فكلّما قلّ الأنتروبي اتجّه الأمر نحو المثاليّة أكثر، إذاً الأنتروبي على المستوى العميق هو قياس كلّ الاحتمالات الممكنة الّتي تمكّن أيّ نظامٍ من أن يتّزن، أي كلّما زادت احتمالات ترتيب مادةٍ أو نظامٍ ما تزيد الأنتروبي الخاصّة به.. إذاً زيادة الأنتروبي تعبّر عن الاتّجاه إلى التّناغم الدّاخلي والانتظام الذّاتي وهذا هو البعد الجديد في مفهوم الأنتروبي..

في أحدث الدّراسات التي أجريت على الدّماغ البشريّ قارن العلماء حالة النّظام في الدّماغ البشريّ أثناء الوعي مع حالته في الدّماغ أثناء فقدان الوعي من خلال مراقبة مدى تفاعل وارتباط الخلايا العصبيّة ببعضها، ووجدوا أنّ حالة الاستيقاظ والتّنبّه الطّبيعيّة تتمتّع بأكبر عدد تشكيلاتٍ ممكن من التّفاعلات في الشّبكة العصبيّة ممّا يشير إلى قيمةٍ مرتفعةٍ للأنتروبي، ممّا دفع الباحثين إلى القول بأنّ الوعي قد يكون نتيجةً ثانويّةً لنظامٍ يسعى إلى زيادة تبادل المعلومات، أي بعبارةٍ أخرى ينشأ الوعي البشريّ بسبب زيادة الأنتروبي، وهذا المفهوم مماثل لمفهوم الأنتروبي في نظرية المعلومات والتي تعتبر وباختصار شديد أنّه كلما زادت الأنتروبي زادت كمية المعلومات في رسالة ما، والحياة تتّجه نحو المزيد من المعلومات والمزيد من التفاعلات والتشابكات والمزيد من الأنتروبي..

ما ينطبق على البنى الفيزيائية والرياضية والبيولوجية ينطبق أيضاً على البنى البشرية والاجتماعية، الأنتروبي في عالم الإدراك والمعرفة يعني تفتّحاً وازدياداً للوعي شرط أن لا تستعبد المادة هذا الوعي، وأن لا تجرّده من القيم الأخلاقيّة والجماليّة، والإنسان الواعي هو ذلك الإنسان الذي يملك وعياً يمكنّه من الارتباط بالأنتروبي بحيث يمكن له كمراقبٍ ومؤثّر أن يرى كلّ الاحتمالات الممكنة ثم يختار بحدسه وخبرته أحد تلك الاحتمالات التي تنحو نحو مزيد من المعرفة الواعية المعاكسة للتيّار الكونيّ الذي ينحو نحو الفوضى..

لنا أصدقائي أن نتوقّف عن الفعل، أو نعتمد على الفعل الخالي من المعنى، لنا أن نعيش بفرديّتنا وانفصالنا عن العالم، ولكن لنا أيضاً أن نحقّق انتظامنا الذاتيّ، ونبحث عن الجمال وسط الفوضى، وننغمس في روح الكلّ، ونشارك في إضافة وعينا إلى الوعي الإنسانيّ لتجميعه والارتقاء به والوصول به إلى الوعي الإنساني في صورته الأعلى، من أجل عالمٍ أكثر سلاماً و تسامحاً..

لنا الاختيار، وفي هذا الاختيار تكمن الإجابة عن سرّ وجودنا..

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: