الإدمان – د. جورج نادر

د. جورج نادر

الإدمان… بين نمطيّة الصّورة العامّة… أوهام الميديا… والحقيقة.

الإدمان… بين سياط المجتمع والدّين… ظلم القانون… والعدالة الحقّة.

الإدمان… أبعد من مجرّد سلوكٍ خاطئ، أو بحثٍ عن متعةٍ آنيّةٍ وملذّةٍ غير بريئة.

الإدمان… كمرضٍ فعليٍّ… كأزمةٍ متعدّدة الأركان… لا كارتكاب معصيّةٍ أخلاقيّةٍ أو خطيئة.

 الإدمان Addiction

تمهيد:

في إحدى حلقات السّلسلة التلفزيونيّة الشّهيرة “د. هاوس”، وكانت تدور حول حالة فتاةٍ في العقد الثّالث من عمرها، من جذورٍ صينيّةٍ، متبنّاةٍ من قبل عائلةٍ أمريكيّةٍ بيضاء، تمّ إدخالها إلى المستشفى بعد أن فقدت وعيها بينما كانت تحاول رفع تمثالٍ معدنيٍّ لبوذا (نتبيّن لاحقاً أنّه كان مجهّزاً بمغناطيسٍ كهربائيٍّ قويٍّ يتمّ التحكّم بتشغيله عن بعد، وذلك عندما يُراد لمن يحاول رفعه أن يفشل بذلك، حسب مقتضى لعبة الدّجل المألوف الّذي يمارسه الكثير ممّن يتعاطون شؤون الأديان المختلفة). كان معروفاً عن تلك الفتاة أنّها مدمنة كحولٍ ومخدّرات، وكانت قد خيّبت آمال أهلها بالتبنّي مراراً على هذا الصّعيد. بعد الحبكة الدراميّة والكثير من التّفاصيل المشوّقة، نكتشف في آخر الحلقة أنّ والديها البيولوجيّين قد قاما بإدخال دبابيس طويلةٍ في جمجمتها ورمياها بعيداً، مباشرةً إبّان ولادتها، في محاولةٍ منهما لقتلها، وذلك بعد أن تمّ تطبيق سياسة الطّفل الواحد لكلّ عائلةٍ في الصّين. لكنّ تلك الطّفلة نجت من الموت ووصلت لاحقاً (أو بيعت) للعائلة الأمريكيّة، وكانت تلك الدّبابيس المغروزة في جمجمتها هي ما تسبّبت في فقدانها للوعي ودخولها المستشفى، وذلك عندما تحرّكت بفعل المغناطيس الكهربائيّ القويّ الموجود في قاعدة التّمثال.

غير أنّ الأمر لم يقتصر على ذلك -وهذا هو الدّافع الّذي حدا بي لإيراد هذه القصّة هنا- فكانت المفاجأة أنّ أحد تلك الدّبابيس قد استقرّ في مركزٍ دماغيٍّ له وثيق الصّلة بالإدمان.

هي إذاً ليست بتلك الفتاة السطحيّة المستهترة الّتي لا تبحث سوى عن الملذّات. هي ضحيّة.

لقد تحوّلت رغماً عنها إلى مدمنة. دماغها هو من يأمر جسدها بالبحث عن تلك الملذّات. لكنّ دماغها بدوره ضحيّةٌ لجريمة والديها البيولوجيّين. ووالداها البيولوجيّان كذلك ضحيّتان للقانون وسياسة الدّولة. وهذان الأخيران بدورهما ضحيّتان للتضخّم اللّامعقول في عدد السكّان.

هي إذاً سلسلةٌ لا متناهية من الظّلم، والحلقة الأضعف في هذه السّلسلة كان جسد تلك الفتاة.

قد تكون هذه السّلسلة التلفزيونيّة من بين قلّةٍ قليلةٍ جدّاً من المحاولات التلفزيونيّة والإعلاميّة والأدبيّة الّتي تصدّت للتّعاطي مع موضوع الإدمان بشكلٍ موضوعيٍّ علميٍّ بعيداً عن الإسفاف والابتذال والكليشهات المألوفة في تسطيح شخصيّة المدمن وكيفيّة الوقوع في براثن الإدمان.

لكن لماذا الآن الحديث عن الإدمان؟

لطالما كانت المآسي الشخصيّة والعائليّة المرتبطة بالإدمان تفطر القلوب. الأمر ليس بجديدٍ أو بطارئٍ.

غير أنّ الطّارئ في الأمر هو أنّ الإدمان بصدد التحوّل إلى وباء. أتحدّث هنا، على الأخصّ، عن مجتمعي- المجتمع السّوري، لكن دون أن يمنع ذلك من الإقرار بأنّ الكثير من المجتمعات الأخرى تعاني من نفس الأمر، بل وربّما على نحوٍ أكثر.

 لا يخفى على أحدٍ كمّ الدّمار الّذي خلّفته الحرب اللّعينة في سوريا. وفي الحروب تزدهر الأوبئة. هذا ما لا يحتاج إلى شرح.  

إنّما الوباء الّذي أنا بصدده اليوم هو نوعٌ مختلفٌ عن الأوبئة الّتي تسببها الفيروسات والجراثيم وسواها من الأحياء الدّقيقة، والّتي تملأ الدّنيا بصخبها وضجيجها.  

الإدمان وباءٌ صامتٌ. وباءٌ متخفٍّ خلف الأبواب المغلقة.

من هنا توجّب عليّ محاولة الإضاءة عليه ومحاولة تصحيح المفاهيم العامّة المرتبطة به، والّتي أعلم يقيناً أنّ الكثير منها مغلوطةٌ أو ناقصة.

وفرويد من وراء القصد….

مقدّمة:

يعود أوّل استعمالٍ أمكن تقفّي أثره لكلمة “إدمان” إلى القرن السّابع عشر. حينذاك تمّ تعريف الإدمان على أنه فعلٌ ينطوي على القيام ببعض العادات السيّئة بصورةٍ متكرّرةٍ قهريّة. وكان يُطلق على مدمني المخدرات لقب “آكلي الأفيون أو آكلي المورفين”، بينما أُطلق على مدمني تعاطي الكحول اللّقب الّذي لا يزال شائعاً إلى يومنا هذا، وأعني لقب “السكّيرين “.

غير أنّ أوّل استعمالٍ لتسمية “إدمان” في الأدب الطبّي المكتوب يعود إلى ثمانينيّات القرن التّاسع عشر.

في ذلك الوقت، وأثناء عمله في مستشفى فيينا العامّ، كان سيغموند فرويد يجري أبحاثه حول مراجعيه الّذين يستعملون الكوكايين، ولم يكن تأثير الكوكايين المسبّب للإدمان معروفاً بعد، ولمّا تعرّف عن كثب على خصائص الكوكايين المسكّنة للألم، بدأ هو نفسه يستعمله لعلاج صداع الشّقيقة الّذي كان يعاوده بين الفينة والأخرى، وهكذا حوّل فرويد نفسه من دون قصد إلى فأر تجاربٍ، إنّما لتجاربه نفسه- أعني: من كيسه لا من كيس أيّ أحدٍ آخر.

انضمّ لفرويد في أبحاثه لاحقاً طبيبٌ آخر هو الجرّاح الشّهير ويليام هالستيد، وكان لمساهمتهما معاً شأنٌ عظيمٌ في هذا الحقل الهامّ الّذي كان حتّى تلك السّاعة من المجاهيل. وبالمناسبة، كان هالستيد هو أوّل من وصف طريقة استعمال الكوكايين كمخدّرٍ موضعيّ قبل التّداخل الجراحي، وهذا يُضاف إلى إسهاماته الكبرى في تقنيّات الجراحة العامّة، وكذلك في طرق التّعقيم، ولا ريب لديّ في أنّ معظم الأطبّاء حتّى اليوم يعرفونه على الأقلّ من خلال أطلسه الجراحيّ الشّهير الّذي لا تزال تُعاد طباعته حتّى اليوم.

وبالطّبع إنّ الدّكتور فرويد غنيٌّ عن التّعريف.

لاحظ فرويد وهالستيد أنّ جرعة الكوكايين اللّازمة لتسكين نفس الألم تزداد بشكلٍ مضطّردٍ مع تكرار الاستعمال، كما أنّ المدّة الزمنيّة الّتي يدومها تسكين الألم بالكوكايين تتناقص بشكلٍ مضطّردٍ في الوقت نفسه مع تكرار الاستعمال، وهكذا توصّلا إلى الخلاصة الحزينة: لا يختلف الكوكايين عن الأفيون والمورفين، المعروف عنهما مسبقاً أنّهما يسبّبان الإدمان، فالكوكايين أيضاً يسبّب الإدمان.

حتّى ذلك الوقت، لم تكن نتائج أبحاث فرويد وهالستيد قد وصلت للجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، وتحديداً للعالم الجديد المتمثّل بأمريكا (رغم أنّ هالستيد أمريكيٌّ إلّا أنّه كان في ذلك الوقت يواصل دراسته وعمله في أوروبّا)، أو ربّما لم يكن يُراد لتلك النّتائج أن تصل… لغايةٍ في نفس يعقوب.

 كلّ ما وصل من أنباء آنذاك هو أنّ مسكّناً خارقاً للألم قد اكتُشف لتوّه، واسمه كوكايين.

بلخ الحماس بطبيبٍ أمريكيّ يُدعى “بنتلي” حدّاً جعله يصف الكوكايين للتخلّص من آثار المورفين والأفيون والكحول الإدمانيّة، وكذلك للمرضى الّذين يعانون من آلامٍ حادّةٍ أو مزمنة لا تجدي معها نفعاً المسكّنات التقليديّة البسيطة المعروفة، بل وقد نشر مقالةً علميّةً تحدّث فيها عن الآثار العظيمة لهذا الدّواء الإعجازيّ. أي أنّ كلّ ما فعله هو استبدال الإدمان بإدمانٍ آخر يفوق سابقه خطورةً. بالمحصّلة، تحوّل الكوكايين قبل انقضاء القرن التّاسع عشر إلى وباءٍ عالميّ، ولم يعد يُستخدم في تسكين الألم فحسب، بل في صناعة التّرفيه أيضاً.

بعد أن تحوّل الأمر إلى وباءٍ منفلتٍ عن أيّ سيطرة، بدأ العلماء والأطبّاء والمهتمّون ببحث أسباب هذه الظّاهرة الّتي انتشرت بشكلٍ أسرع من سرعة النّار في الهشيم، لكنّ أبحاثهم تلك كانت على طريقة النّعامة الّتي تدفن رأسها في الرّمل، فلجؤوا لدراسة شخصيّة أشهر مدمني الكوكايين المعروفين، وأعني الدّكتور فرويد، وخلصوا بنتيجة تحليلهم ذاك إلى صياغة مصطلح “الشخصيّة الإدمانيّة” الّتي تتّصف بثلاث مواصفاتٍ مستخلصةٍ من مواصفات فرويد بحسب ذلك التّحليل: الجرأة والإقدام غير المحسوب على المخاطر (تلطيفٌ لفظيّ لكلمة “تهوّر”)، النّدبات العاطفيّة، وعدم الاستقرار النّفسي.

وهنا أرى أنّهم وقعوا في خطأٍ فاحشٍ من خلال هذا الاختزال السّاذج ومن ثمّ التّعميم الأبله، لكنّني أوردتّه هنا من مقتضى الأمانة العلميّة فقط.

أحدث العلم الحديث ثورةً حقيقيّةً في مجال فهم الإدمان.

حتّى نهاية القرن الماضي، كانت الأساطير السّائدة حول الإدمان تتعامل معه على كونه خللاً أخلاقيّاً لا مشكلةً صحيّة، الأمر الّذي حدا بالمجتمعات للتّشديد على معاقبة المدمنين بدلاً من البحث عن علاجٍ وأساليب وقاية. كان على العلم أن يجاهد حثيثاً في هذا المضمار لتغيير تلك المفاهيم الخاطئة ووضع الأسس الّتي تمكّن من الاستجابة الفعّالة لتلك المشكلة الهائلة.

بعد هذه المقدّمة الطّويلة، أنتقل للحديث عن الإدمان في ضوء علم النّفس الحديث والطبّ العصبيّ.

ما هو الإدمان؟

يعرّف الإدمان بحسب علم النّفس اليوم على أنّه وضعٌ أو حالةٌ يجد الشّخص فيهما نفسه متورّطاً باستخدام مادّةٍ ما أو بسلوكٍ ما، بحيث أنّ المتعة أو الرّاحة (النفسيّة أو الجسديّة أو كليهما)، اللتين يوفّرهما له ذلك الاستخدام أو ذلك السّلوك، تشكّلان حافزاً قهريّاً لإعادة الاستخدام أو ممارسة نفس السّلوك بشكلٍ متكرّرٍ دون الالتفات للنّتائج المؤذية المترتّبة عنه.

الكلمة المفتاح في هذا التّعريف هي كلمة “قهريّ”، فالمدمن يجد نفسه مرغماً على تعاطي نفس المادّة أو نفس السّلوك رغم علمه بالعواقب الضارّة، بل والمدمرّة، لهذا التّعاطي. وهذا السّلوك القهريّ لا يحدث إلّا بعد استمرار التّعاطي مدّةً طويلةً، وعندها فقط يصبح المتعاطي مدمناً بشكلٍ رسميّ.

قد ينطوي الإدمان على استخدام موادٍ مثل الكحول، مواد الاستنشاق، الأفيونات، الكوكايين، النّيكوتين، الكافئين وغيرها، أو على سلوكيّاتٍ مثل ألعاب القمار والمراهنات أو التسوّق والإنفاق المفرط أو حتّى السّرقة وممارسة الجنس أو ما شابه ذلك.

تجدر الإشارة إلى أنّ تعاطي المواد المعروف عنها إمكانيّة تسبّبها بالإدمان لا يجعل من المتعاطي مدمناً بشكلٍ أوتوماتيكيّ على الهيئة الّتي دأبنا على مشاهدتها في غالبيّة الأفلام والمسلسلات، الّتي اختارت التعرّض لمشكلة الإدمان بشكلٍ مبتذلٍ وسطحيٍّ بعيدٍ أيّما بعدٍ عن الدقّة العلميّة. وخير دليلٍ على هذا الأمر هو الكحول، فالملايين، أو قل عشرات الملايين، من النّاس يتعاطون الكحول بصورةٍ دوريّة، وأكثر منهم أولئك الّذين يتعاطونه في المناسبات الاجتماعيّة فقط، لكنّ قلّةً بينهم هم الّذين يتحوّلون إلى مدمنين. وما ينطبق على الكحول ينطبق على غيره من المواد الإدمانيّة، مع اختلافٍ بسيطٍ ربّما فقط بالمدّة الزمنيّة الّتي يستغرقها التحوّل نحو الإدمان، وكذلك بآليّة وشدّة التّأثير على الخلايا والوظائف الدماغيّة.

أمّا الجمعيّة الأمريكيّة لطبّ الإدمان فتعرّفه على أنّه مرضٌ بدئيٌّ مزمنٌ ومترقٍّ في المسارات الدماغيّة المتعلّقة بالمكافأة أو التّحفيز الدّماغي، وكذلك بالذّاكرة والتعلّم والدّارات ذات الصّلة، ويتّصف بعدم القدرة على التحكّم بالسّلوك، كما أنّه يخلق استجابةً عاطفيّةً وظيفيّةً غير سويّةٍ.

يمثّل هذا التّعريف نقلةً نوعيّةً في طرق التّعامل مع المدمنين.

فلطالما كان يتمّ النّظر للمدمنين عامّةً بطريقةٍ دونيّة تحتمل الكثير من الاتّهامات على الأصعدة القيَميّة والأخلاقيّة. أمّا الآن، ومع تصنيف الإدمان كمرضٍ وفق هذا التّعريف، فإنّ النّظرة العامّة قد تغيّرت. 

بإيجازٍ شديد في هذا السّياق أقول: إنّ الإدمان مرضٌ اختياريّ، أو بمعنىً آخر هو اضطّرابٌ في المناطق الدماغيّة المسؤولة عن اتّخاذ القرارات الصّحيحة. ومن البديهيّ اليوم القول بأنّ التّركيب الجينيّ، أيّ العامل الوراثيّ، له دورٌ كبير في هذا المرض تكاد تصل نسبته لحدود النّصف تقريباً.

بيولوجيا الإدمان:

يتأثّر الإدمان بعوامل بيولوجيّة، نفسيّة، اجتماعيّة وبيئيّة تسهم في حدوثه واستمراريّته.

هنالك أدلّةٌ علميّةٌ على أنّ المواد والسلوكيّات المسبّبة للإدمان تشترك في ميزةٍ رئيسيّةٍ، ألا وأنّها تحفّز بشكلٍ مكثّفٍ مساراتٍ دماغيّةً تقود إلى الإحساس بالمتعة أو الرّاحة (بمعنىً أدقّ: الحصول على مكافأة حسيّة)، وكثيرٌ من هذه المسارات ينطوي على النّاقل العصبيّ المعروف الدوبّامين، وكذلك الإندورفينات، وهي أيضاً من النّواقل العصبيّة المهمّة.

كما أنّ الأدلّة كثيرةٌ على أنّ معظم حالات الإدمان، سواءٌ على العقاقير أو الكحول أو على السلوكيّات الضارّة كالمقامرة، تكون مصحوبةً باضطّراباتٍ نفسيّةٍ كالاكتئاب والقلق أو ما شابه ذلك، إنّما أترك الحديث عن هذه النّقطة إلى الفصل الخاصّ بسيكيلوجيا الإدمان.

النّواقل العصبيّة هي الوسائط الّتي تنقل الأوامر الدماغيّة للاعضاء المختلفة، وهي أيضاً الّتي تنقل الإشارات الحسيّة بالاتّجاه المعاكس أيضاً.

سبق لي وأن تحدّثت عن النّواقل العصبيّة، ولاسيّما الإندورفينات والدوبّامين، في مقالةٍ سابقة بعنوان “الحياة، الموت، وما بينهما… نظرةٌ مختلسةٌ إلى الضفّة الأخرى” ، ولا أجد لزوماً لإعادة الحديث عنها هنا، لكن يمكن لمن أراد الرّجوع إليها، حيث هي متوفّرة على موقع المجلّة، وسأسعى لتوفير رابطٍ لها في هامش صفحة هذه المقالة.

لكن بإيجازٍشديد أقول: لهذه الزّمرة من النّواقل العصبيّة  خصائص مسكّنةٌ للألم بشكلٍ رئيسيّ، ومخفّفةٌ لتأثيرات الإجهاد كذلك، تضاف إلى خصائصها المحسّنة للمزاج والمحدثة لتأثير النشوة والسّعادة بشكلٍ ثانويّ. تعتمد المواد والسلوكيّات الإدمانيّة في آليّة عملها على حثّ الدّماغ على تحرير المزيد من هذه النّواقل العصبيّة، والفارق بينها لا يتعدّى كونه الفارق في كميّة النّواقل المتحرّرة.

هذا وإنّ المواد الإدمانيّة بحدّ ذاتها، وعدا عن تأثيرها على الوظائف الدماغيّة المختلفة، تؤثّر على المراكز الدماغيّة المثبطة للسّلوك، بمعنى أنّها تعمل على فتح البوّابات الدماغيّة نحو مزيدٍ من التّعاطي وتدمّر ما تبقّى من مقاومة دماغية نحو تكرار نفس السّلوك. هذه ما تسمّى بالدّارة المعيبة.

المناطق الدماغيّة الأكثر عرضةً لتأثيرات الإدمان هي القشرة الجبهيّة والجهاز الحوفي (يعرف أيضاً باللّمبي) الواقع تحت القشرة الدماغيّة.

ومن المفيد هنا الإشارة إلى أنّ مصطلحي “اعتماد” و”إدمان” هما مصطلحٌ واحدٌ، ولا أتّفق بتاتاً مع المدارس الّتي تحاول عبثاً البحث عن فوارق غير موجودةٍ بينهما، اللهمّ باستثناء الفارق في طبيعة المادّة، بمعنى أنّ مصطلح “اعتماد” يُستخدم غالباً مع المواد الشرعيّة أيّ غير المحظّر استخدامها، من مثل الكافئين والنّيكوتين والكحول وما شابه ذلك، بينما يُستخدم مصطلح “إدمان” مع المواد غير الشرعيّة كالمخدّرات بأنواعها، أيّ أنّه مجرّد تحايلٌ لغويٌّ، بمعنى أنّه يمسّ الشّكل دون أن يمسّ المضمون.

سيكيولوجيا الإدمان:                                                                                

يعتبر العلماء والأطبّاء النفسيّون أنّ السلوكيّات الّتي تعزّز رفاهيّة الفرد ونوعيّة حياته هي سلوكيّاتٌ تكيفيّة. ووفق نفس المنطق، تُسمّى السلوكيّات الّتي تحدّ من الأداء الوظيفيّ للفرد وتسيء لنوعيّة حياته بسوء التكيّف السّلوكي.

وحيث أنّ المعيارين المذكورين أعلاه ينطبقان على الإدمان، فهو إذاً سوء تكيّفٍ سلوكيّ (أو سوء سلوكٍ تكيّفي، لا فرق)، ومن هنا فإنّ التّحليل النّفسي مفيدٌ للغاية في فهم سبب أو أسباب وقوع الفرد في براثن هذا السّلوك غير الصحيّ، ومن ثمّ لمحاولة استدراك وتلافي ذلك السّبب/ تلك الأسباب.

هذا وإنّه لا يوجد مفهومٌ واضحٌ للشخصيّة الإدمانيّة، لكن توجد بعض الخصائص الّتي يشيع تواجدها لدى المدمنين المحتملين، أو الّتي تشي باحتماليّة وقوع صاحبها في براثن الإدمان، سواءٌ المادّي أو السّلوكي، ومن هذه الخصائص أذكر ما يلي:

– النّزعة نحو الاندفاع في التصرّفات واتّباع سلوكيّاتٍ متهوّرة.

– يجد ذو الشخصيّة الإدمانيّة صعوبةً بالغةً في تأخير الإشباع لديه، فهو يريد ما يريده في التوّ واللّحظة ولا يسعه الانتظار للحصول عليه.

– غالباً ما تكون الشخصيّة الإدمانيّة ذات طبيعةٍ غير ممتثلةٍ للواقع المحيط، وتبدي استياءها من أهداف المجتمع النموذجيّة.

– كثيراً ما يتملّك الشخصيّة الإدمانيّة إحساسٌ قويٌّ بالغربة عن المجتمع، بل وحتّى عن العائلة.

– غالباً ما تشعر الشخصيّة الإدمانيّة بأنّها تعيش تحت ضغطٍ عالٍ مستمرٍّ، حتّى في الوقت الّذي لا يبدي الآخرون الّذين يعيشون ضمن نفس الظّروف ما يشير إلى وجود تلك السويّة من الضّغط أو الشدّة. بمعنىً آخر، تميل الشخصيّة الإدمانيّة للمبالغة المفرطة في التّفاعل مع الضّغوطات.

أمّا عن العوامل الّتي قد تؤهّب للتحوّل نحو الشخصيّة الإدمانيّة، فتشمل: العنف أو الاعتداء أو الاضطّهاد الجسدي أو الجنسي في مرحلة الطّفولة، نقص تقدير الذّات، والحياة العائليّة أو المنزليّة الفوضويّة.

الخيط الّذي يجمع العوامل المذكورة سابقاً هو الإحساس بالعجز.

تقريباً كلّ حالات الإدمان تسبقها حالةٌ من الإحساس باليأس أو العجز، والّتي تقود بشكلٍ آليٍّ للإحساس بالغضب، وهذا الغضب هو الّذي يقود لاحقاً للسّلوك الإدمانيّ.

فالأطفال المعتدى عليهم أو المضطّهدون، وأولئك الّذين يعانون من نقص تقدير الذات، كما أولئك الّذين تعمّ الفوضى حياتهم الأسريّة، معظم هؤلاء يشعرون بالعجز.

هنا يصبح التحوّل نحو التّدخين أو المخدّرات أو الكحول أو السلوكيّات القهريّة بأنواعها آليّةً ديناميكيّةً نفسيّةً لتحقيق شكلٍ ما من أشكال السّيطرة على الموقف. في تلك الحالات، حتّى التحكّم السّلبي مثل الانغماس المادّي أو السّلوكي الإدماني يسهم في خلق حدودٍ حول الموقف، ويوهم الشّخص المعنيّ بأنّ الموقف بات بهذا الشّكل تحت سيطرته.

المواد والسلوكيّات الإدمانيّة:

بالطّبع غالباً ما يرتبط مفهوم الإدمان في أذهان معظم النّاس بالمخدّرات والكحول وتدخين التّبغ أو حشيشة الكيف والماريجوانا على وجه الخصوص، أو ربّما الحصريّة، إلّا أنّ هنالك مواداً إدمانيّةً أخرى لا تقلّ خطورةً عن المواد سابقة الذّكر، وسأستعرض بعضها الأكثر أهميةً فيما يأتي، بينما سأهمل الحديث عن المواد والسلوكيّات الشّائعة سابقة الذّكر، نظراً لكونها معروفةً من قبل غالبيّة أو حتّى جميع النّاس…

الستيروئيدات:

معظم النّاس يعرفون مصطلح “الستيروئيدات” عبر الكلمة البديلة “الكورتيزون.”

الستيروئيدات أو ما يُعرف بالكورتيزون هي موادٌ دوائيّةٌ صنعيّةٌ مشابهةٌ في تركيبها لهرمونات حيويّة تُفرز من قشر الغدّة الكظريّة داخل الجسم.

وبالرّغم من الرّهبة والسّمعة السيّئة الّتي تطفو في الأذهان بمجرّد سماع كلمة “كورتيزون”، إلّا أنّه ربّما يكون من أهمّ الاكتشافات الدوائيّة في القرن العشرين، إن لم يكن أهمّها على الإطلاق، ويستوي في أهميته مع البنسلين (يُنسب اكتشاف البنسلين إلى ألكسندر فلمنغ، كما يُنسب اكتشاف الستيروئيدات إلى إدوارد كندال، وكلاهما حصل على جائزة نوبل في الطبّ عاميّ 1945 و1950 على التّوالي).

تلك السّمعة السيّئة المرتبطة بالكورتيزون تعود إلى تأثيراته الجانبيّة الّتي تتفاوت في شدّتها وخطورتها، لكنّ غالبيّة تلك التّأثيرات الجانبيّة تعود للاستعمال العشوائي وغير المنضبط، بينما إن تمّ استعماله بحكمةٍ وحذر لا تظهر معظم تلك التّأثيرات الجانبيّة.

تسبّب الستيروئيدات اعتياداً عندما تُستعمل لفترةٍ طويلة، حتّى وإن تمّ استعمالها فقط بالطّريق الموضعي للعين أو الأنف أو الجلد، وهذه حقيقةٌ بات يعرفها عامّة النّاس لا العاملين في الحقل الطبّي فقط، وهذا الاعتياد هو ما يوجب وضع خطّةٍ علاجيّةٍ محكمة عند وجود نيّةٍ بإيقافه بعد استعمالٍ مديد، تقتضي تلك الخطّة تخفيفه بشكلٍ تدريجيٍّ بطيء حتّى الإيقاف التامّ إن أمكن.

أخطر أنواع الستيروئيدات هي الستيروئيدات الابتنائيّة الّتي تصنّف من ضمن المنشّطات المحظّر استعمالها من قبل الهيئات والاتّحادات الرياضيّة الدوليّة.

يشبه هذا النّوع من الستيروئيدات، من حيث التّركيب، هرمون التّستستيرون وهي تحرّض على نموّ العضلات الهيكليّة، ومن هنا يأتي حظر استعمالها لكونها تضرّ بمبدأ التّنافس الشّريف في المسابقات الرياضيّة، ومن هنا أيضاً يأتي الإقبال على استعمالها رغم الحظر بهدف الغشّ. غير أنّ حظرها لم يأتِ عبثاً، وليس بداعي الحفاظ على تكافؤ الفرص والتّنافس الشّريف فحسب، بل بسبب التّأثيرات الجانبيّة الخطيرة المترتّبة على استعمالها، والّتي تتفاوت في خطورتها من العدّ الجلدي (حبّ الشّباب) والشعرانيّة وحتّى تدمير الكبد وقصور القلب والعقم وحتّى الموت.

وبالطّبع استعمال الستيروئيدات الابتنائيّة يترافق مع الإدمان أيضاً، فمتى ما تمّ الاعتياد على تناولها يصبح الإقلاع عنها صعباً ويحتاج لخطّةٍ علاجيّةٍ ودعمٍ طويليّ الأمد.

من هنا وجب التزام جانب الحيطة والحذر من استعمال الأدوية الّتي توصف على عواهله من قبل من يُطلق عليهم ألقاب “مدرّبين أو معدّين بدنيّين” في الأندية الرياضيّة المتكاثرة كالفطور هذه الأيّام بداعي تضخيم العضلات وما شابه ذلك، فبعض تلك الأدوية تحتوي حكماً على ستيروئيدات في تركيبها.

التّمارين الرياضيّة:

هل هي حقّاً ممارسة منتظمة أم أنّها تحوّلت إلى وسواس قهري أو إدمان؟

يلعب النّشاط البدني المنتظم، من دون أدنى شكّ، دوراً حاسماً في صيانة الصحّة والوقاية من الأمراض. غير أنّ الإفراط في التّمارين قد يكون السّبب في حدوث تأثيراتٍ ضارّةٍ على الصحّة البدنيّة والعقليّة على حدٍّ سواء. فكيف يمكننا أن نتعرّف على أعراض إدمان التّمارين اليوميّة؟ وبمجرّد أن نفعل، ما الّذي يمكننا فعله حيال ذلك؟

يُعرّف الإدمان على ممارسة التّمارين الرياضيّة على أنّه نمطٌ من النّشاط البدنيّ يتجاوز ما يعتبره معظم الأطبّاء وكذلك العاملين في حقل اللّياقة البدنيّة “طبيعيّاً”، ويسبّب معاناةً أو كرباً نفسيّاً هائلاً إضافةً للقلق والاكتئاب، سواءٌ أثناء ممارسة التّمارين أو بعدها أو حتّى خلال فترة الترقّب قبل بدئها، كما يؤثّر على حياة المدمن الشخصيّة والمهنيّة والاجتماعيّة، مع الإشارة إلى صعوبة التحكّم بها أو حتّى خفض وتيرتها، حتّى في حالة المرض أو الإصابة أو الإرهاق الشّديد، وحتّى إذا ما قاد هذا الأمر لانهيار حياته المهنيّة ولاتّساع عزلته الاجتماعيّة، وهذا كثيراً ما يحدث في هذه الحالات.

عادةً ما تكون المفاصل والعضلات أولى ضحايا الإدمان على التّمارين. تحدث الالتواءات المفصليّة والتمزّقات العضليّة بمعدّلٍ أعلى بكثير لدى مدمني هذا النّمط من السّلوك.

العظام هي الضحيّة التّالية، حيث يزداد خطر الإصابة بالكسور أو هشاشة العظام أو تليّنها إبّان نهاية التّمرين لدى هؤلاء الّذين يرفضون الرّاحة الّتي من شأنها أن تسمح للجسم بالاستشفاء وتعويض العناصر الأساسيّة النّاقصة فيه.

إضافةً لما سبق، يحدث فتق النّواة اللبيّة، أو ما يُعرف عامّةً بالدّيسك، وكذلك التهاب الأوتار واللّفافات بشكلٍ أكثر شيوعاً لدى هؤلاء مقارنةً ببقيّة الأفراد.

تالياً يأتي دور الأعضاء والأحشاء. قد يبدو الأمر صادماً للكثيرين، لكنّ الدّراسات والأبحاث الحديثة قد أثبتت بما لا يؤول إليه الشكّ أنّ معدّل حدوث أمراض القلب والأوعية الدمويّة، ولا سيّما الشّرايين الإكليليّة المسؤولة عن تروية عضلة القلب، لدى مدمني التّمارين الرياضيّة أكثر بكثير منه لدى الأفراد الّذين يمارسون الأنشطة البدنيّة باعتدال، لا بل إنّ هذا المعدّل يكاد يكون مساوياً لنظيره لدى هؤلاء الّذين لا يمارسون أدنى نشاطٍ بدنيّ، أو ربّما أقلّ بنسبةٍ لا تُذكر.

الأمر المثير للاهتمام أيضاً هو أنّ الإكراه الجسدي على ممارسة التّمارين الرياضيّة بشكلٍ مفرطٍ يحرّض مراكز التحكّم الهرموني في الدّماغ لإرسال أوامر “إغلاق أو إيقاف نشاط” إلى الأعضاء التناسليّة، سواءٌ الذكريّة أوالأنثويّة، بغية الحفاظ على احتياطي الطّاقة القليل المتبقّي، بعدما تمّ استنزاف معظمه عبر ممارسة التّمارين.

يُضاف ما سبق إلى الحقيقة المعروفة منذ أمدٍ بعيد وهي أنّ الإجهاد المزمن يترافق مع انخفاضٍ هامّ في منظومة المناعة في الجسم.

الآن كيف نعرف أنّ شخصاً ما قد بات مدمناً على التّمارين ولم يعد مجرّد متمرّنٍ مجتهد؟ تظهر على الشّخص المعنيّ نفس أعراض الإدمان العامّة مثل التحمّل Tolerance، أيّ أنّ الشّخص المعنيّ يحتاج لزيادة الوقت المخصّص للتّمرين و/أو زيادة شدّة التّمرين بصورةٍ مترقّيةٍ من أجل تحقيق التّأثير المطلوب -مزاجٌ أفضل، على سبيل المثال- أمّا المدّة الأصليّة للتّمرين، أيّ حسبما كانت مقرّرةً من قبل، فلم تعد تحقّق هذا التّأثير. وكذلك تظهر عليه أعراض متلازمة السّحب Withdrawal syndrome، فإذا لم يتمكّن الشّخص المعنيّ من القيام بتمرينه المعتاد لسببٍ من الأسباب، فإنّ المزاج السّلبي كالقلق والاكتئاب أو حتّى الإحباط يتسلّل إليه ويسيطر عليه. إضافةً لماسبق يفقد السّيطرة على ذاته، فحتّى إذا بلغ الإرهاق منه مبلغاً، أو حتّى لو تورّمت ركبته أو التوى كاحله، تجده يغالب ألمه للتمكّن من إنهاء التّمرين، وكذلك الأمر عندما يكون لا يريد فعل أيّ شيءٍ آخر باستثناء الذّهاب للمنزل والاسترخاء على الأريكة أو تناول وجبة طعام مع عائلته أو أصدقائه، تجده غير قادرٍ على القيام بذلك. إرادته مستلبةٌ بالكامل.

الجدير بالذّكر أنّ الإدمان على التّمارين، وخلافاً لما قد يعتقده البعض، لا يبدأ من منطلق تخفيض الوزن أو المحافظة عليه، بل يبدأ في غالبيّة الحالات انطلاقاً من عدم الرّضى عن الهيئة الجسديّة للشّخص فيسعى بكلّ ثقله لبناء عضلات جسده على هيئةٍ أفضل وأكثر جمالاً في نظره، ومع الوقت يتحوّل الأمر إلى إدمان.

تُعرف هذه الحالة على نطاقٍ واسعٍ اليوم باسم “عقدة أدونيس”، وهذا الاسم مستمدٌّ من الميثولوجيا الإغريقيّة، فقد تمّ تصوير أدونيس على هيئة نصف رجل ونصف إله، كما كان المثال الأبرز للجمال الذّكوري من حيث وسامة الوجه وتطوّر عضلات الجسم، وهذا ما حدا بأفروديت- آلهة الجمال والخصب وسيّدة جميع الآلهة، لأن تقع في حبّه، ودائماً وفق الميثولوجيا الإغريقيّة نفسها. 

ومن البديهيّ أنّ هذه الحالة تختصّ بالذّكور غالباً. لا أقول أنّها حكرٌ عليهم، لكنّ حدوثها لدى الذّكور يزيد بأضعافٍ مضاعفة عن معدّل حدوثها بين الإناث.

الأطعمة قليلة السّعرات الحراريّة أو المعروفة على نطاقٍ واسع تحت مسمّى الأطعمة الصحيّة:

من البديهيّ أنّ النّظام الغذائي قليل السّعرات الحراريّة أمرٌ هامٌّ وضروريٌّ لغالبيّة البالغين من النّاس، وتزداد أهميته لدى أولئك الّذين يعانون من البدانة أو الدّاء السكّري أو الأمراض المتعلّقة بارتفاع نسبة الدّهون في الدمّ… إلخ، وفي هذه الحالات يوصي الأطبّاء أو أخصائيّو التّغذية بالتّقليل من السّعرات الحراريّة المستمدّة من الكاربوهيدرات أو من الدّهون أو من جميعها في الوارد الغذائي، وذلك بحسب الحالة.

غير أنّه عندما يتعلّق الأمر بشخصٍ لا يعاني من أيّ من تلك الحالات أو الأمراض، ومع ذلك لا يقبل إلّا بتناول تلك الأصناف من الأطعمة، فنحن لسنا هنا أمام نمطٍ صحيٍّ من الحياة بل نحن أمام نوعٍ آخر من الإدمان.

تمّ وصف هذه الحالة لأوّل مرّة من قبل الدّكتور ستيفن براتمان في أمريكا عام 1997 وأطلق عليها تسمية orthorexia nervosa  (لا توجد لها ترجمةٌ عربيّة، لكن يمكن لي أن أترجمها على النّحو الآتي: “القمه القويم العصبي” تمييزاً له عن القمه أو فقدان الشهيّة العصبي المألوف، فهذا النّوع- بخلاف القمه المألوف- تكون الشهيّة فيه موجودةٌ تجاه الأطعمة قليلة السّعرات الحراريّة فقط لا تجاه الأطعمة الشّائعة في المجتمع أو المحيط الشّخصي)، لكنّها باتت اليوم منتشرةً في غالبيّة البلدان مع سطوة الميديا ووسائل التّواصل الاجتماعي الّتي أسهمت في تعميم نظريّات “هيلثي لايف ستايل” و فلسفات “الماكروبيوتيك”، الّتي تفتقر في نسبةٍ كبيرةٍ منها لأدنى مصداقيّةٍ علميّة.

هذا الهوس بالتزام القيود الغذائيّة الصّارمة هو بكلّ تأكيد نوعٌ من أنواع الإدمان، وتنطبق عليه كلّ أعراض الإدمان سابقة الذّكر، ومع مرور الوقت يقود أيضاً إلى العزلة الاجتماعيّة والاضطّرابات النفسيّة كالقلق والاكتئاب، وكثيراً ما يؤدّي لسوء تغذية حادّ مع ما يرافق سوء التّغذية من أعراض، بل إنّه قد يودي إلى الموت.

علاج الإدمان:

للإدمان أبعادٌ عدّةٌ تمتلك القدرة على التسبّب بإحداث الفوضى في مختلف جوانب حياة المدمن. وليس لبرامج علاج الإدمان شكلٌ أو نهجٌ واحدٌ يناسب جميع الحالات، إنّما تختلف طرائق أو مستويات الرّعاية من حالةٍ لأخرى. تتضمّن برامج العلاج الفعّالة العديد من المكوّنات الصّالحة لمعالجة كلّ بعدٍ على حدى.

إنّ مساعدة المدمن على التوقّف عن تعاطي المواد الإدمانيّة أو السّلوك الإدماني ليست كافيةً، بل يجب أن يركّز العلاج على الحفاظ على أسلوب حياةٍ خالٍ من تلك المواد أو السلوكيّات، وكذلك على تحقيق الأداء المنتج الفعّال في الأسرة والعمل والمجتمع. وبما أنّ الإدمان، كمرضٍ، يغيّر من بنية الدّماغ ووظيفته، فقد تستغرق دارات الدّماغ شهوراً أو حتّى سنواتٍ من أجل التّعافي بعد الإقلاع عن الإدمان.

قد يفسر هذا الأمر سبب تعرّض المدمنين لخطر النّكس والنّكوص حتّى بعد فتراتٍ طويلةٍ من الإقلاع.

أظهرت أبحاث الإدمان أنّ معظم المدمنين يحتاجون فترة ثلاثة أشهرٍ كحدٍّ أدنى من العلاج قبل إمكانيّة التوقّف عن التّعاطي، إلّا أنّ العلاج لفترةٍ تزيد عن ثلاثة أشهرٍ له معدّل نجاحٍ أكبر.

بالمحصّلة، الشّفاء من الإدمان هو عمليّةٌ طويلة الأجل.

الخطوة الأولى في علاج الإدمان، أيّاً تكن طبيعة المادّة الإدمانيّة، هي إزالة السميّة detoxification أيّ مساعدة الجسد على التخلّص من كلّ سموم المادّة/المواد وتأثيراتها، مع مراقبة أعراض متلازمة السّحب withdrawal syndrome أيّ الأعراض النّاتجة عن وقف تعاطي تلك المادّة/المواد الّتي اعتاد الجسد على تلقّيها، هذه الأعراض الّتي دائماً ما تكون قاسية، بل أحياناً قد تكون مميتة إذا تمّ الأمر من دون إشراف طبّي، وتدبير تلك الأعراض بالشّكل الملائم حينما يلزم الأمر. في معظم الأحيان لا يكون من الجائز إيقاف المادّة/المواد الإدمانيّة دفعةً واحدة، بل يتمّ الأمر بطريقةٍ تدريجيّة عبر إعطاء جرعاتٍ مخفّفةٍ تقلّل بشكلٍ تدريجيّ حتّى توقف تماماً، وغالباً ما يلزم الأمر أيضاً إعطاء أدويةٍ تساعد على التغلّب على آثار متلازمة السّحب.

الخطوة الثّانية، والّتي لا تقلّ أهميةً عن سابقتها، هي إعادة تأهيل المريض وتخليصه من أنماط السّلوك المدمّر الّتي أسهمت في وقوعه في براثن الإدمان في المقام الأوّل، وتشجيعه على تبنّي أنماطٍ إيجابيّةٍ من السّلوك الشّخصي والعائلي والاجتماعي والمهني.

من الأفضل أن يتمّ العلاج في مصحّةٍ متخصّصة إن كان ذلك ممكناً، لكن يمكن أن يتمّ في عيادةٍ خارجيّةٍ إن لم يكن خيار المصحّة متاحاً، وهنا على الأخصّ يكون للدّعم الآتي من الأهل والأصدقاء المقرّبين دورٌ حيويٌّ.

ترتكز الآليّة المفصليّة في المعالجة السلوكيّة للمدمنين على كسر سيكيولوجيا الشخصيّة الإدمانيّة، وذلك من خلال تدريب المريض على مواجهة المواقف السيّئة بدلاً من تجنّبها أو الالتفاف حولها، وكذلك على إحلال السلوكيّات الإيجابيّة بدلاً من السلوكيّات القهريّة المدمّرة. الأمر بالطّبع ليس بالسّهولة الّتي يبدو عليها، ويحتاج متابعةً حثيثةً ومثابرة.

دور المعالجة الدوائيّة في حالات الإدمان محدودٌ غالباً، ويكاد يقتصر على تدبير أعراض متلازمة السّحب، أو على استبدال مسكّنات الألم (لدى مدمني المسكّنات الأفيونيّة) بمسكّنات ألمٍ آمنةٍ نسبيّاً. غير أنّه تتوافر في وقتنا الحاليّ ثلاثة أدويةٍ حصلت على موافقة هيئة الدّواء والغذاء الأمريكيّة للعلاج من الإدمان الكحوليّ: الدّواء الأقدم بين تلك الثّلاثة هو Disulfiram والدّواءان الآخران أحدث نسبيّاً ويفيدان في الوقاية من النّكس (يعملان على مراكز المكافأة في الدّماغ) وهما: Naltrexone و Acamprosate.

ورغم أنّه ليس موضوعنا هنا، لكن لا مانع من الحديث ببضعة أسطرٍ عن الأعراض الآنيّة المصاحبة للإفراط في استهلاك الكحول، والّتي تظهر لدى الاستيقاظ من النّوم في اليوم التّالي وتُعرف بمصطلح hangover نظراً لشيوعها الكبير. هذه الأعراض هي طريقة الجسم لتحذيرنا عندما نشرب أكثر من اللّازم. الإفراط في تناول الكحول يثبط آنيّاً الغدّة النخاميّة في الدّماغ (بمعنىً آخر، يخدّرها) فيتوقّف مؤقّتاً تحريرها للهرمونات. الهرمون الأهمّ الّذي يتوقّف تحريره هنا هو الهرمون المضاد للإدرار، وهذا الأمر يدعو الكلية لأن ترسل الماء مباشرةً للمثانة ليتمّ إفراغه بدلاً من تصفيته وإعادته إلى الدّوران. ولتعويض فقدان الماء من الأنسجة والأعضاء يتمّ سحبه من الخلايا الدماغيّة نفسها، الأمر الّذي يؤدّي لتجفافها، وهذا هو سبب الصّداع الرّهيب الّذي يحدث في اليوم التّالي.

الأمر الآخر الّذي يحدث في هذه الحالة، إنّما في عضوٍ آخر، هو إحراق الكحول الّذي دخل إلى الجسم، شأنه في ذلك شأن أيّ واردٍ غذائيّ، وهذا الأمر يتمّ في الكبد عبر تحويله إلى سكّر، الأمر الّذي قد يرفع سكّر الدمّ بشكلٍ هائل عند المصابين بالدّاء السكّري من جهة، ومن جهةٍ أخرى يرهق الخلايا الكبديّة لأنّ هذه العمليّة تستهلك قسماً كبيراً من الغليكوجين الكبدي لتوفير الطّاقة اللّازمة.

من هنا ألفت إلى نقطةٍ غايةً في الأهمية، وتغيب عن أذهان الكثيرين غالباً، ألا وهي: لا القهوة ولا الشّاي ولا المشروبات الغازيّة تفيد في معالجة آثار الكحول، بل على النّقيض من ذلك، هذه المشروبات تزيد الإدرار وبالتّالي تزيد التّجفاف الموجود أصلاً، هذا عدا عن كونها تزيد في إرهاق الكبد المرهق أصلاً من معالجة الكحول المستهلك. الماء ثمّ الماء ثمّ المزيد من الماء، هذا ما يُنصح به للتخلّص من آثار الكحول. كما يُنصح بتعويض النّقص المرافق في الشّوارد، ولا سيّما البوتاسيوم والمغنزيوم. الموز مفيدٌ في هذا السّياق. وإذا تطلّب الأمر تناول مسكّنٍ للصّداع المرافق، يُنصح بتجنّب استعمال الباراسيتامول (البانادول وما شابهه) والكودئين وغيرها من المسكّنات لكونها تزيد في إرهاق الكبد. بدلاً من ذلك يمكن استعمال الأسبرين وما شابهه لأنّ تصفيته تتمّ عبر الكلية لا الكبد.

كما أنّ تناول بعض البيض مفيدٌ في معالجة آثار الكحول لكونه يحتوي على الحمض الأميني “السيستين” وهذا الحمض يُبطل بعض السّموم الّتي تنتج عن معالجة الكحول.   

خاتمة:

غالباً ما يكون الإدمان مخرّباً للعلاقات الاجتماعيّة والكفاءة بالعمل كما بالدّراسة.

فلكون الإدمان يؤثّر على وظائف الدّماغ، لا يدرك المدمنون في كثيرٍ من الأحيان أنّ سلوكهم يسبّب مشكلاتٍ لهم وللآخرين في محيطهم. وبمرور الوقت، قد يسود السّعي وراء الآثار الممتعة للمادّة الإدمانيّة أو السّلوك الإدماني على أنشطة المدمن ويطبعه بطابعه.

وعلى الرّغم من أنّ معظم أنواع الإدمان، ولاسيّما إدمان الكحول والمخدّرات، يحمل إمكانيّة التسبّب بشعور اليأس والفشل فضلاً عن الإحساس بالعار والذّنب، فإنّ غالبيّة الأبحاث تؤكّد على أنّ الشّفاء من الإدمان هو القاعدة وليس الاستثناء، وبالطّبع هنالك طرقٌ متعدّدةٌ للعلاج والتّعافي، سواءٌ طرقٌ ذاتيّة أو طرقٌ تعتمد على تلقّي الدّعم الطبّي والنّفسي والاجتماعي من قبل المؤسّسات أو المصحّات المختصّة.

غير أنّ الطّريق نحو التّعافي قلّما يكون مستقيماً، بل على الأغلب يشهد فتراتٍ من النّكس أو النّكوص، إلّا أنّ الضّوء في نهاية النّفق موجودٌ حتماً، وهو ليس ضوءاً شحيحاً بكل تأكيد.

معظم المدمنين ضحايا لأوضاعٍ اجتماعيّة أو أسريّة أو بيئيّة أو بيولوجيّة أو سواها. نعم هذا صحيح. غير أنّ اتّخاذ القرار بالتّعافي من الإدمان هو مسؤوليّتهم الشخصيّة فحسب. ليسوا مطالبين بأكثر من اتّخاذ هذا القرار السّهل والواضح. إبداء الرّغبة الصّادقة بالتّعافي. وكلّ ما تبقّى هو من مسؤوليّة المجتمع والمؤسّسات المختصّة. أو، لكي لا أفرط بالتّفاؤل السّاذج، فلأقل: هذا ما يجب أن يكون..

رابط مقال الحياة، الموت، وما بينهما.. نظرة مختلسة إلى الضفة الأخرى – د. جورج نادر – مجلة مدى الثقافية – العدد الثاني
الحياة، الموت، وما بينهما… نظرةٌ مختلسةٌ إلى الضفّة الأخرى. د. جورج نادر

3 thoughts on “الإدمان – د. جورج نادر

  • تنبيه: الفهرس - مدى
  • انا شخصيا أنتظر دائماً من حضرتك موضوعا متكاملا و مفيدا و رصينا و عمومياً لدرجة لا نجدها اينما كان، شكرا على الجهد المبذول و العصارات و الخلاصات المقدمة، و كل رجائي ان تلقى من يتلقفها و يفكر بها و ياخذ ما يقنعه منها.

  • الصديق العزيز جمال سامي عواد: أشكرك على تعليقك وإطرائك. في الحقيقة كثيرا ما ينتابني التردد بشأن جدوى المتابعة في هذا المشروع الفكري، فمن جهة يقتضي مني إعداد كل مقالة من هذه المقالات التي أنشرها في مجلة مدى جهداً ووقتاً كبيرين لكي أتمكن من الاطلاع على مراجع علمية رصينة قبل المباشرة بكتابة المقالة لكي تكون دقيقة ومسندة من مصادر ذات مصداقية عالية، ومن جهة ثانية أعلم يقيناً أن الغالبية العظمى من الجمهور لا تستهويها قراءة المواد التي يتجاوز طولها بضعة أسطر، فما بالك بالمقالات الطويلة كهذه؟ لكن القلة القليلة التي يتملكها شغف القراءة والمعرفة، مع علمي أنها لا تتجاوز عتبة 5% من المجموع إذا كانت متفائلاً، من مثلك مع آخرين من الأصدقاء وغير الأصدقاء، تستحق مني أن أحسم ترددي وأمضي قدماً… أشكرك مجدداً…. محبتي…

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: