التراث المعنوي لمدينة تدمر – اللغة ونظام الكتابة التدمرية وأشكالها – فراس مرش

تمهيد:
عثر في تدمر والمناطق القريبة والتابعة لها على الآلاف من النقوش التدمرية المدوَّنة بالخط الآرامي واللهجة الآرامية التدمرية، بالإضافة إلى عددٍ قليلٍ من النقوش اليونانية التي كتب بها التدمريون خلال عملهم مجندين في الجيوش الرومانية.
يعود تاريخ تلك النقوش التدمرية الآرامية إلى الفترة التاريخية الواقعة بين 44ق.م – 273م؛ أي أنها تشمل أكثر من ثلاثة قرون.
تمثل هذه النقوش الكنز المعرفي الحقيقي الذي يعيدنا إلى المستوى الفكري والحضاري. وسنحاول في القادمات من صفحات هذا البحث أن نلقي الضوء على أهم الملامح الحضارية في ضوء النقوش الكتابية، ومن ثم الحديث عن أهم موضوعات هذه النصوص التي تعين القارئ على العودة بالذاكرة إلى أهم مركز حضاري في الشرق خلال قرونٍ قليلةٍ قبل ميلاد السيد المسيح وبعده. هذا بالإضافة إلى التعريف بجهود الباحثين في فك رموز الكتابة التدمرية وأهم المنشورات والأبحاث اللغوية والتاريخية.

لغة النقوش الآرامية التدمرية:
أ – نظام الكتابة:
مرت الكتابة عبر التاريخ بمراحل عدةٍ حتى وصلت إلى الأبجدية، فقد كانت في البدايات الأولى تصويريةً عند السومريين والمصريين، حيث تعبر عن الأشياء بالصور، ثم ظهرت الرسوم التي بدأت تبتعد تدريجياً عن الصورة الأصلية، بحيث بدأت الأشكال أكثر بساطةً وفقدت صلتها الواضحة بالشكل الأولي المتقن، ثم تطورت الصورة فأصبحت رمزاً يدل على الكلمة نفسها أي من حيث المعنى دون أن تؤدي الأصوات حقها، ولكن ذلك كله لم يكن كافياً للتعبير عن الأفكار والأشياء المعنوية، فصارت الكتابة صوتيةً مقطعيةً صوريةً وذلك عند السومريين، وجاء من بعدهم الأكّاديون الذين اقتبسوا الخط المقطعي المسماري السومري وطوروه بما يتناسب مع حاجاتهم الخاصة ومع طبيعة لغتهم السامية الأم.
ثم جاءت الأبجدية المسمارية الأوغاريتية المؤلفة من ثلاثين شكلاً لثلاثين صوتاً لغوياً لتعلن انطلاقةً تاريخيةً فريدةً في مجال الكتابة؛ فقد اختصرت عدد الإشارات الكتابية التي تجاوزت المئات، وصار بوسع العامة من الشعب القراءة والكتابة بعد أن كانت حكراً على طبقة الكهان وأصحاب السيادة.
ومع ذلك فإن الاختراع الحقيقي للأبجدية كان من قبل الكنعانيين (الفينيقيين)، وهي أبجديةٌ مؤلفةٌ من اثنين وعشرين شكلاً كتابياً مجرداً لعددٍ مقابلٍ من الأصوات اللغوية، وقد مثلت كاملةً في نقوش جبيل (بيبلوس) وخاصةً في نقش أحيرام الذي يعد من أقدم النقوش المعروفة حتى الآن، والرأي السائد أن تاريخه يرجع إلى نهاية القرن الحادي عشر قبل الميلاد.
اتخذت الأبجدية الكتابية طريقتين في الانتشار، طريقٌ سلكه الفينيقيون أنفسهم بحرياً أوصل أبجديتهم إلى الإغريق وغدت أصلاً لأبجديتهم، وطريقٌ تجاريٌّ بريٌّ انتشرت فيه بواسطة الآراميين الذين تبنوها في أقدم كتاباتهم وخلفوا عدداً كبيراً من النقوش والكتابات ذات المواضيع المختلفة التي تمتد تاريخياً بين القرن العاشر حتى نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، حيث حصل انقسامٌ في شكل الكتابة الآرامية، التي كانت تحتفظ من قبل بخطٍّ موحدٍ، إلى خطوطٍ متباينةٍ نتيجةً للتقسيمات السياسية وتعدد حكام المناطق وتوزع الآراميين فيها؛ فظهر الخط الآرامي المربع الذي تميزت به العبرية، كما ظهر الخط النبطي والخط التدمري اللذان خط بهما النبطيون والتدمريون نقوشهم ووثائقهم، بالإضافة إلى ظهور الخط الآرامي السرياني، والخط الذي كتب به المندعيون في جنوب العراق، كما يميل بعضهم إلى اعتبار الكتابة العربية الشمالية ذات أصل آرامي – نبطي بسبب الشبه الكبير بينهما.
تبنى الآراميون في بواكير نقوشهم الخط الكنعاني (الفينيقي) – كما مر بنا – فدونت به نقوش الممالك الآرامية في شمال سوريا ولم يجر عليه الآراميون سوى تعديلاتٍ بسيطةٍ.يقدم نقشٌ مكتشفٌ في تل حلف (القرن العاشر ق.م) نموذجاً لأقدم كتابة آرامية، حيث برزت الخطوط الحادة وسوء تقليد الأشكال الفينيقية، ثمّ وفي القرن التاسع ق.م بدا الخط أكثر رتابةً وأناقةً ولكنه لم يتخلص بعد من التأثير الفينيقي، ويعد الخط المعتمد في نقش بر هدد الذي اكتشف في موقع البريج (حلب) مرحلةً انتقاليةً في مسيرة الخط الآرامي، حيث توضحت فيه الملامح الكتابية الآرامية الخاصة، وعليه يمكن القول أن الطابع العام للكتابة الآرامية لم يترسخ إلا في النصف الأول من القرن الثامن ق.م في نقش ذكير الذي اكتشف في أفيس (غربي حلب)، وفي النقوش المكتشفة في السفيرة التي تحمل نص معاهدةٍ سياسيةٍ، أي أن الخط قد اتسم بخصوصيةٍ آراميةٍ من جهة، مع محافظته على الدقة والأناقة من جهةٍ أخرى وخاصةً فيما يتعلق بالنصوص السياسية التي تخص الملوك (النقوش الملكية).
بدأ هذا الحال يتغير في منتصف القرن الثامن ق.م، فقد برز تحوّلٌ أساسيٌّ في الكتابات الآرامية حيث تحوّل الخط فيها من خطٍّ يتسم بالأناقة والدقة إلى خطٍّ بسيطٍ سلسٍ يقترب من الخط اليدوي. ويظهر هذا جلياً في خط نقوش حماة.


أما في القرن السابع ق.م فقد تفاوتت أشكال الحروف في النقوش التي تعود إلى هذا القرن، إذ بدا الخط في نقشي النيرب أنيقاً واضحاً، وقد حافظ في كثيرٍ من ملامحه على الشكل المعتمد في تدوين نقوش الممالك الآرامية، بخلاف نقوش تل حلف التي تعود إلى النصف الثاني من هذا القرن، حيث بدأت الحروف تأخذ شكلاً أكثر بساطةٍ، وفقدت معظم الحروف أجزاء منها.


ومع ذلك فلا يمكننا اعتبار هذه التغيرات مقياساً عاماً لتطور الخط الآرامي في هذه المرحلة، إذ يمكن أن يكون الكاتب ضعيفاً في الخط لم يستطع نقش الحروف بأمانةٍ ومهارةٍ.يتصف الخط الذي دونت به رسالة آشور (منتصف القرن السابع ق. م) بالسلاسة والعفوية ويعتبر نموذجاً لمرحلةٍ انتقاليةٍ في بنية الخط الآرامي، وهو نفسه المعتمد في نقوش السفيرة (النصف الأول من القرن السادس ق. م) وفي النقوش الآرامية المصرية (عقد مزارعة، رسائل هرموبوليس ..) التي تعود إلى نهاية هذا القرن، وهي مرحلة ما قبل اعتماد الكتابة الآرامية رسمياً في أرجاء الامبراطورية الفارسية (الآرامية الإمبراطورية).
وخلاصة القول: أن الخط الآرامي البسيط (اليدوي) الذي ظهر في نقوش القرن السادس ق.م يعبر عن مرحلة ما قبل انقسامه وتطوره في أشكاله المعتمدة في الخط الآرامي المربع والتدمري والنبطي في القرون التالية.
أمّا الخط التدمري الذي استخدم في أغلب الأنصاب، فيشكل تطوراً واضحاً من الخط الآرامي الدولي الذي كان شائعاً في الإمبراطورية الإخمينية، وكان من الضروري أن يكون هناك تشابهٌ في رسم الحروف، وتبدو أقرب ما تكون من الخط المستخدم في برديات الفيلة. لا يمكننا تتبع مراحل تطور الأشكال الكتابة التدمرية، ولكن يمكن القول إن الطابع الغالب فيها هو التدوير والابتعاد عن الخطوط الحادة ومحاولة الربط بين الحروف وتدويرها. والنقوش التدمرية – شأنها شأن النقوش الآرامية الدولية المتأخرة – منها ما كتب بخطٍ أنيقٍ وجميلٍ، يشير إلى أن صاحبه ممتهنٌ للخط، ومنها ما كتب بخطٍ يدويٍّ بسيطٍ دوّنه أناسٌ عاديون ولا يخلو من التأثير بالخط الرسمي، ويلاحظ أن معظم النقوش المكتشفة خارج تدمر قد حررت به، يتسم بعدم دقة رسم الحروف والوقوع في أخطاء إملائيةٍ ونحويةٍ ومنهجيةٍ كثيرةٍ. ويلاحظ بأن بعض الحروف قد بدأ يتغير رسمه مع الزمن، فمنها ما فقد جزءاً منه ومنها ما تم تعديل رسمه.


ب – تقنية رسم الحروف:
اختلف رسم الحروف في النقوش الآرامية المدروسة من حيث حجمها ووضوحها من نقشٍ إلى آخر، ويمكن أن نعزو هذا الاختلاف إلى عوامل منها ما يتعلق بالناقش ومدى مهارته في الكتابة ومنها ما يعود إلى مكان وتأريخ وموضوع النص المكتوب (المنقوش)؛ فقد بدت النقوش التي تتعلق بالوجهاء والكهنة أنيقةً واضحة الرسم نظراً لعناية الخطاط وتمرسه في فن الكتابة، أما النقوش التي تتعلق بأمورٍ شخصيةٍ محليةٍ فقد ظهر خطها بسيطاً سلساً (يدوياً)، وكان من نتائجه أن تشابهت أحرف كثيرة في الكتابة مما أحدث لبساً في قراءة الكلمات ومن ثم في تفسيرها. ومن جهةٍ أخرى فقد اختلفت النقوش من حيث وجود فواصل أو عدمه بين الكلمات؛ فأغلبها غير مفصولة بعلامةٍ تميز حدود الكلمة الواحدة وهي أكثر النصوص صعوبة في القراءة، ومنها ما فصلت كلماته بمسافات (فراغات) فضلاً عن بعض الأخطاء الكتابية والنحوية التي وقع فيها الكاتب أو الناقش.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: