التلقائية في أعمال خوان ميرو السوريالية المطبوعة – لبانة ربيع

لبانة ربيع
لبانة ربيع

يعتبر البحث في سيرة “خوان ميرو” التشكيلية واسعاََ وعميقاََ جداََ لما قدمه من تجارب هامة ومتنوعة، في شتى أنواع الفنون من تصوير ونحت وغرافيك وخزف.. وكان لتجربته السوريالية في فن الحفر المطبوع PRINTMAKING خصوصيتها الهائلة التي أضافت سمات هامة في الفن الحديث.

ولد خوان ميرو في برشلونة منطقة كاتالونيا الإسبانية 1893 وارتبط عاطفياََ بقرية مالوركا حيث منزل والدته وبقي هذا الانتماء العاطفي والوطني مرافقاََ له مدى حياته. وكان للفن الإسباني الشعبي تأثيراََ كبيراََ في نفسه وكان يقول عنه: “كان يسحرني على الدوام، إذ لا توجد فيه المساحيق التجميلية ولا الخداع والرياء والانفعال المزيف، إنه يتوجه مباشرةََ نحو القلب وبمحبة كبيرة”.

إن هذا الميل إلى الفطرة والتبسيط كان ميزةََ خاصةََ في أعمال ميرو ويمكن ملاحظة تأثره بالفن الفطري في لوحته المزرعة التي رسم فيها مزرعته في إسبانيا وعبر عن تفاصيلها.

تأثر ميرو في بداياته بالحركة التكعيبية بشكل خاص ورسم العديد من الأعمال الزيتية، أما تحوله الى السريالية فقد بدأ في عشرينات القرن. ولقد عزز ذلك لقاءاته مع عدد من فناني السوريالية أمثال أندريه ماسون وايف تانغي وسلفادور دالي وأندريه بريتون (André Breton) الذي يعد المنظر الأساسي للسورياليين والذي حدد مبادئ السوريالية انطلاقاََ من التلقائية. ففي الرسم التلقائي يسمح لليدين بالتحرك عشوائياََ على الورق ويكون الرسم محرراََ من السيطرة العقلانية ويعزى الفن إلى العقل الباطن فالتلقائية automatism مصطلح يشير إلى “خلق الفن من دون تفكير واع، والوصول إلى المادة من اللاوعي كجزء من العملية الإبداعية”.

وإن أهم ما يميز أعمال ميرو هو التلقائية الحقيقية في خلق أعماله الفنية. إلا أن ما يميز ميرو في سرياليته أنه كان مستقلاََ وحراََ في أسلوبه الفني بمعنى أنه لم يهدف مسبقاََ إلى تبني الطريقة السوريالية وإنما ساقه صدقه وتلقائيته إلى التعبير الفني بأسلوب سوريالي. كما أنه لم يلتزم بجميع المبادئ التي حددتها السوريالية، حيث جنح بالتبسيط إلى حد بعيد إضافةََ إلى تخليه عن المنظور وخط الأفق والمساحات المبنية الهندسية بل حولها إلى فضاء مسطح. لذا فالمتأمل في أعمال خوان ميرو لا يجد نقطةََ مركزيةََ في العمل بل ينساق إلى الفضاء الكلي. أما الفنانين السوريالين الآخرين فقد كان تركيزهم كبيراََ على المنظور والفراغ كما في أعمال دالي وماكس أرنست وسواهم.

إن تلقائية خوان ميرو هي ما ميزت تجربته السريالية وصنفته من أهم فنانيها حيث يقول أندريه بريتون: “ميرو أهم سوريالي بيننا جميعاََ وأعماله عبرت بشكل مخلص عن واقع الرؤية السوريالية”.

شغف ميرو بفن الحفر المطبوع منذ عشرينات القرن الماضي، ونفذ تجاربه في تلك الفترة بتقانة الإبرة الجافة DRY POINT. وعام 1938 نفذ السلسلة الحمراء والسوداء، وبتأمل أعمال هذه السلسلة نلاحظ تلقائيته في رسم الأشكال والخطوط، وتعبيره الصادق واللاواعي عن مأساته الداخلية العميقة من جراء الحرب الإسبانية الأهلية التي كانت تدور رحاها في تلك الفترة. ويعبر عن نفسه في تلك الفترة: “من الصعب أن أتحدث عن لوحتي، لأنها ولدت تماماََ في حالة من الهذيان، إنني غير مسؤول عنها كلياََ”.

يلاحظ في أعمال هذه السلسلة تفاعله الحقيقي مع تقانته، لقد عبر بالإبرة عن انفعاله خلال الحفر على المعدن، ورسم شخوصه بفطرية وطلاقة تشبه خربشات طفل مذعور. لقد كان ميرو يصب هواجسه حفراََ على المعدن منطلقاََ من حدسه الخاص، قبل أن يدرك حتى، أنه يعبر عن الحرب. ولقد قال لاحقاََ عن أعماله: “لم أكن أعرف ما هي، لقد كانت الحرب الأهلية الإسبانية والحرب العالمية”.

وتبدو الصور في هذه السلسلة مزعجةََ، تعكس رؤية الفنان الشخصية، من خلال الخط الحاد والحفر الحاد والخربشة العصبية وتقطيع الخط وانحرافاته على لوحات صغيرة الحجم مما ينتج عنه درجةََ عاليةََ من الشدة. لقد تخلى ميرو عن أي نية في بناء عمل منمق أو جميل، واستسلم لهذيانه أن يوجه يديه في الحفر لتعبر عن دواخله. فالفنان لم يكن يهدف إلى اكتشاف تقاني أو شكلاني بحت، بقدر ما كان يبحث عن صيغة تبرز أقصى قيمة تعبيرية تترجم تصوراته الداخلية، فلاختياره للونين الأحمر الناري والأسود دلالات سوداوية وقلقة. ولقد توصل إلى تقديم مطبوعاته الأخيرة بتكريس اللون الأحمر في المساحة العظمى من العمل معبراََ عن شحنة داخلية صارخة وقلقة، لقد كان ميرو يعبر عن هواجس الرعب ويرسم عائلته في مزرعته في إسبانيا وهي تواجه الخطر.

في فترة الحرب أنجز أيضاََ ميرو سلسلة برشلونة، والتي بلغ فيها ذروة التعبير التلقائي عن هواجس الحرب، وهذا ما كان سبباََ أن هذه السلسة لم تطبع حتى أربعينات القرن1944 لأنها حملت دلالات سياسية رغم أن ميرو نفى ذلك. واستخدم فيها تقانة الليتوغراف، ويلاحظ في أعمال هذه السلسة اختلافاََ عن السلسة الحمراء والسوداء، في إيقاعات الخط المحفور ، ففي تقانة الطباعة الغائرة انساق ميرو إلى حفر الخطوط العنيفة على سطح المعدن تعبيراََ عن انفعالية تساعد عليه طبيعة المعدن أما في الطباعة الحجرية اعتمد على رسم الاشكال وتوزيعها في الفراغ، ويظهر في الرسوم رمز العين المفتوحة الى أقصاها والتي تشبه الرمز الهيروغليفي المعروف للعين إلا أنها هنا دلالة رمزية تتضمن الذهول والذعر وكأنها شاهد على الأحداث المرعبة. ويذكر أن الشخصيات المخيفة والشيطانية في هذه السلسلة والسلسلة الحمراء والسوداء تعزى إلى تأثر ميرو بمسرحيات الكاتب ألفريد جيري Alfred Jerry الذي خلق شخصية (ubo) الملك القبيح والمثير للإشمئزاز، وقد أسقط ميرو تخيله لهذه الشخصية على الشخصيات المخيفة في أعماله، وكان سابقاََ قد شارك فنانين آخرين مثل إيف تانغي وبيكاسو ومان راي في رسم شخوص مسرحية جيري عن الملك أوبو.

كما يبدو دوماََ في أعمال ميرو عدة رموز تتكرر باستمرار هي النجم والقمر والدائرة، ويعزو ميرو ذلك إلى تأثره بمعلمه الأول في الرسم أورجيل Urgell رغم الإختلاف الكلي بين أسلوبيهما، ويقول: “إن ثلاثة أشكال أصبحت هاجساََ بالنسبة لي وشكلت بصمة أورجيل في أعمالي، دائرة حمراء والقمر والنجم، إنها تستمر بالعودة وفي كل مرة تختلف قليلاََ”.

كما يبدو دوماََ في أعمال ميرو عدة رموز تتكرر باستمرار هي النجم والقمر والدائرة، ويعزو ميرو ذلك إلى تأثره بمعلمه الأول في الرسم أورجيل Urgell رغم الإختلاف الكلي بين أسلوبيهما، ويقول: “إن ثلاثة أشكال أصبحت هاجساََ بالنسبة لي وشكلت بصمة أورجيل في أعمالي، دائرة حمراء والقمر والنجم، إنها تستمر بالعودة وفي كل مرة تختلف قليلاََ”.

وبملاحظة الفرق الواضح بين أسلوب ميرو وأورجيل يمكن استشفاف الطريقة التي يرى بها ميرو عالمه الذاتي وكيف حول ميرو تلك الأشكال في لوحاته إلى رموز سريالية بسيطة منبثقة من اللاوعي.

المرحلة اللاحقة الهامة في فن ميرو المطبوع كانت في 1947 عندما سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحضر ورشة عمل ستانلي دبليو هايتر في المرسم 17، حيث تعمق في تقانات الحفر الغائر والليتوغراف والطباعة البارزة. ويلاحظ في أعماله استمراريته في استخدام الرموز التي رسمها في مجموعة برشلونة كالعيون المحدقة والقمر والنجوم والدوائر، إلا أن الشخصيات المرعبة أو المتوحشة خف ظهورها، وهذا يدل أيضا على صدق ميرو وتلقائيته، فوحش الحرب وهواجس الخوف كانت قد تراجعت في عقل ميرو ولذا بدت لوحاته أكثر هدوءاََ.

لقد حفزت تجربة ميرو في المرسم 17 طاقات إبداعية مضت به إلى التفكير في جماليات العمل الغرافيكي وقدم بعدها تجارب مختلفة في الليتوغراف والطباعة الغائرة وتصميم أغلفة كتب والكتب الشعرية المصورة لشعراء مختلفين مثل أندريه بروتون وتريستان تيزارا. وقدم في مسيرته اللاحقة أكثر من 2000 عمل ليتوغراف.

إلا أنه من الآن فصاعداََ يمكن ملاحظة سمة جديدة في بعض أعمال ميرو، وهي التدخل العقلاني في صنع اللوحة، فلم تعد التلقائية وحدها هي من يحكم نتيجة العمل، لقد امتلك ميرو من خبراته السابقة زمام التحكم بشخوصه وتكويناته لينطلق الى تطوير تقاناته وإخضاع لوحاته تقانياََ للكشف عن جماليات جديدة، ولقد عبر ميرو عن ذلك حقاََ في رسالة بعثها الى (جونسن سويني James Johnson Sweeny (1900-1986) أمين أمريكي لمتحف الفن الحديث، وكاتب عن الفن الحديث: “في أيامنا هذه نادراََ ما أبدأ صورة بالهذيان كما فعلت في العشرينات” والحقيقة أن التداخل بين العقلاني والتلقائي هو سمة طالما استخدمها فنانو السوريالية وهو ما يعترف به أندريه بروتون بقوله: “السورياليون غالباََ لم يستخدموا التلقائية بالكامل، بل اشتملت على نوع من التدخل الواعي لجعل الصورة مقبولةََ بشكل علني أو مفهومه”. كما أن ماسون اعترف أن الصور التلقائية تنطوي على عملية ذات شقين واعي ولا واعي”.

وفي العمل (على أربع جدران) الذي نفذه ميرو 1951، يمكن ملاحظة تلقائية ميرو في رسم شخوصه وتكويناته، إلا أن التدخل العقلاني يبدأ في عملية التفكير بالبناء اللوني والظل والنور. لقد أعاد ميرو التعديل على هذا العمل بعد سنة من إنجازه ليضيف احساسات جديدة بالضوء والظل.

في عام 1952-1953 قدّم ميرو مجموعة من الأعمال المحفورة ضمن سلسة العائلة، والتي عززت طريقة اعتماده على الألوان في بناء تكويناته. وقام أيضاً بطباعة رواسم الحجر مع تبديل الألوان في كل طبعة للحصول على نتائج جديدة.

في فترة الستينات تطورت مهارة ميرو التقانية بشكل ملحوظ وهذا ما ساعده في الحفر التلقائي والتفاعل بشكل أكبر مع التقانات، لذا بدت تكويناته أكثر غنىََ وحريةََ وجنحت تكويناته إلى التجريد أحياناََ دون أن يغفل رموزه الأثيرة المعروفة وعالمه اللوني الخاص الذي شكل بصمةََ خاصةََ به، إن امتلاك ميرو لأدواته وتقاناته أعاده إلى حرية الحفر بتلقائية مع تدخلات واعية في مراحل فرز الألوان وطباعتها ويذكر أن ميرو في تلك الفترة كان قد زار اليابان واستلهم من فنانيها الخطوط السوداء الثقيلة والمكتوبة، ولقد ظهر هذا التأثير في العديد من مطبوعاته ومنها الاعتدال “1967Equinox” الذي ضمنه إشارات ترمز إلى الفصول وعلاقة الإنسان بالقوى الإلهية الخفية. كما أنه تعلم طريقة استخدام الكاربوراندوم carborundum والأصباغ الإصطناعية، واستخدم هذه التقانات في أعمال عديدة.

لقد أعجب ميرو بالتقانات الحديثة في الحفر لما منحته من حرية أكبر، ويقول: “لقد عبرت عن نفسي بحرية دون عوائق قد تسببها تقانة قديمة قد تخاطر بتشويه حرية التعبير والنقاء ووضوح التجربة النهائية”.

إن هذه الحرية منحت ميرو تلقائيةََ أكبر في صب شعوره في العمل الفني، ويبدو في أعماله في الستينات والسبعينات تجديدات هامة في الخطوط والألوان والخطوط القوية ورشرشة الحبر وجماليات الأثر الغرافيكي، سواء في الطباعة الغائر أو الليتوغراف.

إذاََ يمكن القول أن جميع مراحل ميرو في فن الغرافيك تميزت بالتلقائية، التي تدخل فيها الوعي أحياناََ بشكل ثانوي ومكمل للرؤية المبدئية التي عبر بها ميرو عن ذاته بصدق تبعاََ لحالته النفسية، لقد مضى ميرو إلى تلقائيته غير عابئ بردود الفعل المحتملة على غرابة أسلوبه الفني والعنف الذي صبغ أعماله في فترات الحرب.

ويذكر أن ميرو لم يعترف به كفنان دولي حتى عام 1956، ليصبح اسمه من أهم أسماء مؤسسي الفن الحديث. واسماََ لامعاََ في المدرسة السوريالية.

توفي ميرو في إسبانيا، في 25 كانون الأول عام 1983، عن عمر ناهز التسعين عاماََ.

المراجع:

1- فرج, عبد الكريم. (2018). تحولات فن التشكيل في أوروبا نحو الحداثة (ط 1). دمشق: دار نينوى.

2- فرج.عبد الكريم، (2008). فن الحفر والطباعة في أوروبا في القرن العشرين. دمشق: نينوى.

3- فيرنا, جوزيه ماريا. (آذار, 2004). عالم ميرو. ترجمة: بطرس خازم. الحياة التشكيلية، دمشق. وزارة الثقافة. الصفحات 92-110.

4- Museum of Modern Art (New York, N.Y.). (3-Joan Miro. Fifty recent

1969) . Prints

5- Soby, james thrall; joan miro. (1959). (3- The meuseum of modern art)

6- The museum of modern art. (1998). 4- Joan miro,black and red series,a new aquisition in contrext. new york.

7- The surrealists revolutionaries in art and writing 191901935-Montangu Jemma.page 15

– هذا المقال مقتطفات من محاضرة سيمينار ألقيت في كلية الفنون الجميلة – قسم الغرافيك – 2018

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: