الجدليّة القائمة بين الغموض والإبهام في التّجريديّ الفنّيّ – شادي نصير

شادي نصير
شادي نصير

يسعى الفنّانون في أعمالهم التّشكيليّة للتّعبير عن الغموض التجريديّ، وعن التّأثيرات النّفسيّة والعاطفيّة الّتي يعيشها الفنّان، حيث يكمن في التّعبير عن الطّبيعة وعن الأشخاص كما عن الموسيقا فيصل للمتلقّي الإحساس بالمتعة.
في معجم المعاني الجامع غَمَضَ، غُمُوضٌ: الإِبْهَام، وعَدَمُ الْوُضُوحِ، يوضِّح غُموضه: يجعله سهلاً؛ والعمل التّشكيليّ الغامض هو العمل الّذي يبحث في ثنايا الحياة وفي خبايا النّفس البشريّة وفي عمق رؤية الفنّان لحالته النّفسيّة والشّعوريّة، من هنا يأخذ العمل التّشكيليّ التّجريديّ غموضه في أعمال بعض الفنّانين.

وقد ظهر هذا الاتّجاه “التّجريديّ” منذ القدم، في الفنّ المصريّ القديم، ثمّ في الأشكال الهندسيّة المتكرّرة في التّيار الإسلاميّ التّزيينيّ في المساجد، والّتي أدّت لظهور المذهب التّكعيبيّ الّذي أسهم في ظهور التّجريد الفنّيّ.

تهدف هذه المدرسة الفنّيّة إلى تجريد الشّكل الطّبيعيّ للوصول إلى جوهر الأشياء والتّعبير عنها وعرضها على شكلٍ جديدٍ، فهي بذلك تقوم على استخلاص الصّفات الجوهريّة للأشكال الطّبيعيّة وعرضها بما يناسب رؤية الفنّان ووجهة نظره.

يقول الدّكتور “حسن محمّد حسن” في مذاهب الفنّ المعاصر: “إنّه صوفيّة الفنّ، تلك الّتي تهدف عن طريق الرّمز إلى ما وراء الطّبيعة للوصول إلى المطلق. وهو الفنّ الّذي ينتقل بأشكاله الطّبيعيّة من صورتها العرضيّة إلى أشكالها الجوهريّة الخالدة، حيث التّحول من الخصائص الجزئيّة إلى الصّفات الكلّيّة، ومن الفرديّة إلى التّعميم المطلق، لذا كان التّجريد يتطلّب تعرية الطّبيعة من حلّتها العضويّة ومن أرديتها الحيويّة كي تكشف عن أسرارها الكامنة ومعانيها الغامضة”.

البيرتو مانبيلي

فهذا ما يسعى إليه بعض الفنّانين من تجريد بعض الأشخاص من حللهم البالية وأقنعتهم الزّائفة، ومن بينهم فنّاني جيل الشّباب في منتصف السّبعينات، الّذين عملوا على إنشاء تيّارٍ جديدٍ فكان لهم ما يخصّهم في كلّ لونٍ، من روحهم ومن ألمهم ومن فرحهم وانطلاقهم بلا قيودٍ.

ينقسم المذهب التّجريديّ إلى اتّجاهين أساسيّين واضحين جدّاً، ومنهما تشعّبت اتّجاهاتٌ أخرى لها خصوصيّة التّجريد ولكنّها في جوهرها تختلف اختلافاً تامّاً، فكانت التّجريديّة التّعبيريّة ورائدها الرّوسيّ واسيلي كاندينسكي 1866ـ 1944، والتّجريديّة الهندسيّة ورائدها الهولنديّ بيت موندريان 1872.

يُعتمد في المدرسة “التّجريديّة التّعبيريّة” من حيث المدلول، على اختزال الإنسانيّة والإبقاء على شيءٍ من إشاراتها التّلميحيّة، واختصار المساحة اللّونيّة وتبسيط الأشكال الواقعيّة وتفكيكها وتحليلها لإبراز صيغ التّحاور البصريّ بين إيقاعاتٍ لونيّةٍ متجاورةٍ ومتداخلةٍ بحريّةٍ تتخطّى الرّؤية الخارجيّة الموجودة في الصّورة التّقليديّة لجعل الحوار البصريّ أكثر حداثةً والحركة الدّاخليّة أكثر اتّجاهاً نحو المزيد من الاختصار والتّبسيط.

شادي نصير

فلا أشكال تظهر كظلالٍ فوق مساحاتٍ بيضاء للأمل الدّائم، ولا كتل واضحةً أو لا أجساد لها تفاصيلٌ مميّزةٌ للحالة سواءً التّعبيريّة أو النّفسيّة، وهنا تظهر التّعبيريّة الخاصّة بالفنّان واختلافها بين فنّانٍ وآخر، والّتي تكون قادمةً من تأمّلات وتحوّلات وتداخلات ثقافة الفنون في العصر الحديث.

أمّا التّجريديّة الهندسيّة الّتي تُعنى بالأشكال الهندسيّة (السّوبرماسيّة) وتعني الإحساس الصّرف، والمزاج الشّخصيّ، والحالة النّفسيّة ويمكن ترجمتها بـ (العلوانيّة أو الفوقانيّة)، وعندما يبالغ الفنّان بأن يكون العمل خالياً من هيئات ومعالم الأشياء المعروفة ، يسمّى تجريداً غير تشخيصيٍّ ، فإذا اعتمد أحياناً على الصّورة أو القالب سمّي تجريداً تشخيصيّاً.

بعد صعودها في فترة ما بعد الحرب انزوت التّجريديّة الهندسيّة أمام اجتياح التّجريديّة الأخرى بنزعتيها الرّئيسيّتين، التّعبيريّة غير المشكّلة “البقعيّة” والثّانية “الكاليغرافيّة”.
فاللّوحات تبدو هنا كأنّها كتلٌ متموّجةٌ وبرّاقةٌ في عين المتلقّي وفي الحقيقة وجد هذا الفنّ ازدهاره الفعليّ ومكانه المناسب في الفنون العمليّة أو الوظائفيّة وخاصّةً الملصقات الدّعائيّة وتزيين القماش وغير ذلك.
ومع أنّ التّجريديّة في كلّ حالاتها كانت تسعى للقضاء على فنّ التّشخيص إلّا أنّها فشلت، فهي في النّهاية تجسّد شكلاً أو كتلةً أو رؤيةً لشيءٍ له حقيقةٌ موجودةٌ في زاويةٍ من زوايا الكون.

هيشون

فلا يزال العنصر هو أهمّ مكوّن للّوحة التّشكيليّة ولو اختلفت طريقة ظهوره أو توضّعه على قماش اللّوحة، ومن هنا بقي الجدل محتدماً بين الغموض في طرح العنصر الفنّيّ، وابقائه متوارياً بشكلٍ ما، وبين إبقاء العنصر أو حتى التّكوين مبهماً في اللّوحة.
والانتصار الحقيقيّ بين هذه الجدليّة يكمن في اغناء العناصر للّوحة مهما اختلفت الآليّة والرؤيةّ في طرحها.

1 thought on “الجدليّة القائمة بين الغموض والإبهام في التّجريديّ الفنّيّ – شادي نصير

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: