الجوهر الأنثويّ في أعمال الفنّان محمود الضّاهر – عيسى زيدان

الجوهر الأنثويّ في أعمال الفنّان محمود الضّاهر – عيسى زيدان

عيسى زيدان

عندما تدخل مرسم الفنّان في غرفته على السّطوح، تشعر بفيضٍ روحيٍّ ينطوي على غموضٍ سرعان ما يتبدّد وأنت تكتشف خفايا الجوّ العابق بروائح الألوان والزّيوت المبعثرة في كلّ مكانٍ، مع لوحاتٍ بمقاساتٍ مختلفةٍ وجدرانٍ مليئةٍ بالعبارات والكتابات والذّكريات، وحول طاولةٍ تجمعنا لنمارس طقوس السّحر والغناء وشراب الرّوح.

ذاب الفنّان منذ البداية في الابتعاد عن المحاكاة برؤيةٍ تعبيريّةٍ متحرّرةٍ بعيدةٍ عن التّقليديّة معبّراً عن هواجسه وأحلامه، مبدعاً لوحته في شحنةٍ انفعاليّةٍ ذات بعدٍ ذاتيٍّ وإنسانيّ. ويمتاز تصويره بأنّه غنائيٌّ متحرّرٌ يبسّط الأشكال ويستلهم الطّبيعة ليكشف الجمال ويعبّر عنه بإدراكٍ تجريديٍّ للعلاقات التّشكيليّة فنجد في موضوعاته روحانيّةً وغموضاً. عالمه سحريٌّ وأسطوريٌّ، ويمكن أن نصف فنّه بالرّومانسيّة لجهة اهتمامه بالانفعالات وإيقاعات النّفس وعدم اهتمامه بالتّصميم الهندسيّ والذّهنيّ شأن الكلاسيكيّة.

كما يمكن أن نجد بعض السّرياليّة في عمله الّذي يمزج الواقع المُتخيّل مع واقع الحواسّ، مغفلاً البعد الثّالث، مؤكّداً على مثاليّةٍ بعيدةٍ عن الحسّيّة، كما أنّ وضع شخوصه بشكلٍ رأسيٍّ يؤكّد على نوعٍ من التّسامي للأعلى، فلوحته عبارةٌ عن مجموعة اختزالاتٍ يرسم صورةً ثمّ يهدمها، وأيضاً نجد درجةً من التّجريد في علاقاته اللّونيّة، فهو يستخلص ويختزل ويضيف.

الفنان محمود الضاهر

موضوعه المرأة الّتي تحمل نسباً مختلفةً من المرأة الواقعيّة بروحٍ بعيدةٍ عن الإثارة إلّا فيما ندر، فهي مزيجٌ من الجاذبيّة الجسديّة والرّوحيّة. يمجّدها حتّى باتت تشبه قصيدة حبٍّ بانحناءاتٍ رقيقةٍ بعيدةٍ عن التّعقيد، خاليةٍ من التّوتّر، تفقد تماسكها الماديّ وتذوب في الفراغ. وقد يكون إصراره على رسم المرأة هو نوعٌ من امتلاكها، أي أنّها تأخذ صفة السّحر الّذي يحقّقه امتلاك تلك الصّورة. إنّ فكرة المرأة المجرّدة هي الشّكل المتخيّل من كلّ نساء الماضي والحاضر والمستقبل في الحقيقة الفنّيّة، وهي المحرّك لوجدان الفنّان، وموضوعه متجدّدٌ مع تجدّد معالجته في كلّ مرّةٍ.

في دراسةٍ لأسلوبه وخواصّ لوحته نجد أنّه عادةً ما تنقسم لوحته لونيّاً إلى كتلتين، غامقةٌ وفاتحةٌ متضادّتين معبّراً عمّا بداخله من صراعٍ.
للّون عنده قوّةٌ رمزيّةٌ لإحداثه استجابةً ليست ملموسةً، يختلط فيها الخيال والحلم واستثارة الذّكريات، وله صفةٌ تعبيريّةٌ لإثارة مشاعر مميّزةٍ كالفرح والحزن. ينوّع في المجال اللّونيّ متماشياً مع تنوّع الانفعال، فألوانه فيها حدّةٌ ضوئيّةٌ بمعنى الإشباع والصّفاء، وأحياناً تتجاوز الظّلال والمسحات اللّونيّة بصورةٍ مستقلّةٍ بدون تداخلٍ على طريقة الانطباعيّين، حيث تبدو ألوانه حارّةً ودافئةً بأغلبها.

إنّ إشباع الألوان الثّالث في مقدّمة اللّوحة وخلفيّتها، والألوان المتماثلة في درجتها يعطي انطباعاً أوليّاً بأنّ اللّوحة بمستوىً واحدٍ لا يظهر أيّ عمقٍ. وأحياناً يبني مساحاته المنغّمة لونيّاً بألوانٍ متوافقةٍ أو ينقل تدريجيّاً من لونٍ لآخر دون حدٍّ فاصلٍ ملفتٍ للنّظر، ممّا يجعل المساحات تبدو متفاوتة العمق بتعدّد هذه النّغمات.

يظهر واضحاً في بعض اللّوحات الإيقاع اللّونيّ في أشكالٍ وفي تكرارٍ نسبيٍّ للأشخاص بإيقاعٍ متكرّرٍ متضمّناً التّنوّع الّذي يكسبه الغنى والبعد عن الآليّة والملل.

أيضاً للخطّ إيقاعه بإظهار ملامح ثانويّةٍ بتلقائيّةٍ، فهو يحيط بالجسم بحسٍّ إيقاعيٍّ في الارتفاع والانخفاض والطّول والقصر، فيتمدّد وينحني ويتقوّس بما يحصره من مساحاتٍ.

أمّا في علاقة الشّكل مع الخلفيّة، فأحياناً يتميّز الشّكل، وأحياناً لا معالم مميّزة، وأحياناً يتناوب الشّكل والأرضيّة في الأهميّة والوضوح.

ومن الملاحظ أيضاً في أسلوب الفنّان أنّ المنظور اللّونيّ الهوائيّ يكون مسيطراً بدلاً من الخطّيّ، فلا يوجد توتّرٌ بين الخطوط الأفقيّة والعموديّة، وغيابها يهدّئ من العمل، ولا يوجد معمارٌ بالمعنى المعروف على أساس العلاقة بين الأفقيّ والعموديّ، بل إنّ التوتّر بين الظّلّ والنّور هو الّذي يخلق مزاجاً بصريّاً ونفسيّاً.

إنّ الفنّان يبتعد عن تحديد أشكاله بخطوطٍ قاسيةٍ تاركاً تذوّق العمل على أساس جماليّات الانتقالات اللّونيّة المختلفة.

إنّ العين تشكّل علاقاتٍ عميقةً من خلال المستويات المختلفة من العمق في الأمام والخلف حسب ثقل ووزن العلاقات اللّونيّة، وعلاقاتٍ جانبيّةٍ في سعي النّظر للانتقال في مستوىً واحدٍ بين سلسلةٍ من العلاقات والبقع على أرضيّة اللّوحة المسطّحة.

إنّ توازن العمل لدى الفنّان محمود الضاهر لا يعتمد على السّيمتريّة وحدها بل في استثمار العوامل التّشكيليّة في ذلك، كأن يستخدم بقعة لونٍ أو خطّاً يعطي اللّوحة التّوازن المطلوب، فهو يعتمد التّسطيح بإبراز عناصره، فلا كتل ولا حجوم. إنّه يعطي الإحساس بالاتّزان والتّنغيم الخطّيّ واللّونيّ، ويبتعد عن الواقعيّة التّقليديّة في بناء العمل، فهو قليل التّفاصيل، يستخدم اللّون للإيحاء، يرسم في ذهنه شكلاً خاصّاً يطلق مشاعره وأفكاره ويطوّره، فوحدة العمل الفنّيّ تتكشّف أثناء العمل الّذي يمرّ بسلسلةٍ من المراحل حتّى يصل إلى المرحلة الأخيرة الّتي تتغيّر حسب المتذوّق.

إنّ التّعبير عند الفنّان هو إعلاءٌ لعالمه الدّاخليّ على الواقع الموضوعيّ لإعطاء لوحته قيمةً معبّرةً عن ذاته ومشاعره، إنّ لإعماله مرجعاً بصريّاً واحداً هو المرأة، وهذا ما يشغل المشاهد عن الاستمتاع بعناصر اللّوحة التّشكيليّة ويقلّل من توقها، على الرّغم من بروز شخصيّته في توليف عوامل بناء اللّوحة وقدرته على إدراك علاقاتها التّشكيليّة، فنجد أنّ الإحساس بالجمال شيءٌ واللّذّة في استذكار المعلومات شيءٌ آخر.

لا يمكن أن ننظر لعمله نظرةً موضوعيّةً بحتةً، فالرّسم ليس ميزاناً صحيحاً للقيمة الفنّيّة، والفنّ ليس مجرّد تطبيق قوانين وقواعد، بل ما وراء كلّ ذلك، وكلّ أثرٍ فنّيٍّ هو بمثابة خلقٍ جديدٍ له قواعده المستقلّة الخاصّة به.

كما أنّ معيار الفنّ ليس قربه من الجمال بالمعنى التّقليديّ، فهو لا يُفسَّر، وهو أقرب للأغاني واللّيل والأزهار، نحبّها دون أن نحاول فهمها.

أن تدرك اللّوحة باعتبارها ألواناً منفصلةً نستجيب لها هو أمرٌ مرهونٌ بقدرة الفنّان على مخاطبة لا شعورنا، معتمداً على خصائص اللّون الفيزيولوجيّة والسّيكولوجيّة. وتعتمد استجابتنا على الحدس والإلهام أكثر من الذّهن، فمن يتذوّق العمل يجب أن يكون مرهف الحسّ ذو بصيرةٍ منفتحةٍ لإدراك المعاني الموجودة فيه.

في الختام لا بدّ لنا من القول بأنّ الفنّان يصوّر الأفكار وليس الأشياء، يغمض عينيه عن العالم الخارجيّ ويصوّر عالمه الذّاتيّ الدّاخليّ جاعلاً منه موضوعه، ودائماً ما يكون ذلك مرافقاً لحالات الاغتراب والهمّ اليوميّ.
إنّ الفنّان يمرّ بحالات امتلاءٍ من التّخلّص من ذلك الإحساس بالعمل ليطرح عنه عبء المشاعر، وليؤكّد حقيقة أنّ الإنسان هو الأهمّ، وهو القيمة الأساسيّة والجوهر.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: