الحمصيّة – رفيف المهنا

د. رفيف المهنا
د. رفيف المهنا

أن تتزوّجَ امرأةً من منطقةٍ جغرافيةٍ أخرى، هذا يعني أنك ستنتقلُ إلى هذه المنطقة (أو ستنقلها إلى بيتك) بكلّ ما فيها شئتَ أم أبيت.
ستجدُ نفسكَ وجهاً لوجهٍ أمام ثقافتها، مطبخها، كمية البهار والملح في الطعام، لكنتها، مخارج الحروف ومداخلها، نكاتها العادية، أغاني الأعراس، أغاني الأحزان، أغاني حمّام الأطفال، طريقة الغضب وطريقة الرضى، ذراعي الإستقبال على باب الدار، تلويح الوداع، طريقة الإلحاح في عرض الطعام، وطريقة رمي النكات، وطريقة تجميع الحزن وأطراف الجروح.

منذ ثلاثة عشر عاماً وحمص وأنا نعيش في بيتٍ واحدٍ، ولا يمكن لأيّ شخصٍ يدخل بيتنا إلا وأن يدركَ بدون أي جهدٍ زواجي من امرأةٍ حمصيةٍ.

لم تفعل زوجتي أيّ أمرٍ لتفرض الهويّة الحمصيّة على حياتنا، فقط كانت تشرب “المتّي” (المتّة) وتعرض على طفلتنا الصغرى، كانت تستمتع وهي تسمع من “مسا” رغبتها في أكل “الكوبّي” (الكبّة)، وتعطيها “الأوبري” (الإبرة) من جانب طاولة التلفزيون.

تسرّبت الهوية الحمصية إلى حياتنا رويداً رويداً بهدوءِ نسمة صيفٍ حارٍّ، حتّى صرتُ أطلب منها أن أشاركها “المتي”، ولم أعد أنتبه عندما أقول لصديقي: وهل ستتابع “الموباراي” (المباراة) في منزلنا؟، وصرتُ أعتبر أن “الشنكليش” هو ظلّ الله على الأرض حتّى ولم أذقْ طعمه على الإطلاق حتى الآن.

تفعلُ الهويّة الحمصيّة فعل القصيدة في جسد اللغة، حمص هي القصيدة السورية التي لم يُترك لها أثرٌ لغويّ.
وكما أعتقدُ أن كتابة الشعر يبدأ بكتابة النكتة والطرفة والدعابة، فإنّي أؤمن أن حمص تقدّم المادة الأولية لكل شعرٍ سوريٍّ مُحتَملٍ أو مُتوَقعٍ.

النكتةُ الحمصيةُ ببطلها الخرافي الحمصيّ تجعلنا نؤمن بهِ، ونؤمن أنه طوقُ نجاتنا في خضم وجع المنطق والحقيقة. ما إن نبدأ كلمة “فيه حومصي” في أيّ قصةٍ حتى تنزع عنها أوّل طبقةٍ من الزيف والخوف، وعندما نسردُ قليلاً نشعرُ أننا لن نلتقط النهاية لأن “الحومصي” سيذهلنا بخياره اللامتوقع واللامفهوم.

كلمتي “فيه حومصي” في بداية أية قصة، تبعث على الإطمئنان والسلام والنور الواسع.

أعيش مع “حُمصيّة” منذ ثلاثة عشر عاماً، وهي التي لا تفتعلُ أيّ شيءٍ لتحضر الاطمئنان والسلام والنور الواسع، يكفي أن تظل حمصيةً لأطمئنَّ على بناتي وعلى روحي.

لا يعرف أحدٌ زوجتي إلا ويقول: شو مهضومة!!
أمّا أنا فأفرحُ في قلب قلبي وأقول: ما أكبر حظّي؟!…

نحن لا نشتري الفرح، فالفرح نزرعهُ بجانب الحبق والجوري والنعناع، بمجرّد أن تسقيه تلك الحُمصية الوديعة… حبيبتي.

1 thought on “الحمصيّة – رفيف المهنا

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: