الذّكاء Intelligence – د.جورج نادر

 الذّكاء Intelligence

الذّكاء، أبعد من مجرّد رقمٍ أو نسبةٍ مئويّة

جورج نادر
جورج نادر

الذّكاء، بين الإعاقة الذهنيّة… وحدود العبقريّة

الذّكاء، بين جموح العقل… مبالغات الميديا… والواقعيّة

الذّكاء، بين الموهبة الفطريّة… التّخطيط المنظّم… والارتجاليّة

الذّكاء، بين أن يكون محدّداً بتاريخ صلاحيّة، وبين أن تكون حدوده الأبديّة

د. جورج نادر

تمهيد:

صدر عام 1994 فيلمٌ سينمائيٌّ حمل عنوان “فورِست غامب Forrest Gump ” مقتبسٌ من روايةٍ للكاتب “وينستون غروم” بنفس العنوان، ومن إخراج “روبرت زيمكس”، وبطولة الرّائعَين “توم هانكس” و”روبن رايت”، هذا الفيلم الّذي سرعان ما تحوّل، بعد عرضه في صالات العرض، إلى أيقونةٍ سينمائيّةٍ ما تزال خالدةً إلى يومنا هذا، وستبقى كذلك طيلة سنواتٍ قادمة.

لست الآن بصدد كتابة نقدٍ لهذا الفيلم، مع أنّه يستحقّ بالطّبع، وكان صانعوه قد كوفئوا على تحفتهم هذه بالحصول على ستّ جوائز أوسكار عام 1995، بينها الجوائز الأربع الأكثر أهميةً: أفضل فيلم، أفضل إخراج، أفضل سيناريو، وأفضل ممثّلٍ بدورٍ رئيسيّ لتوم هانكس، الّذي كان أوّل ممثّلٍ في التّاريخ يحصل على أوسكار أفضل ممثّلٍ بدورٍ رئيسيّ لسنتين متتاليتين، بعد أن كان قد حصل عليها في السّنة السّابقة عن دوره في فيلم “فيلادلفيا”.  

ما أنا بصدده الآن هو الدّور الّذي قام هانكس بتأديته في الفيلم، وهو دور شخصٍ ذي معدّل ذكاءٍ منخفض يتراوح ما بين 75 حتّى 80 فقط وفقاً للاختبارات المتّفق عليها عالميّاً والمستعملة لتحديد معدّل ذكاء الفرد.

أهمّ مواصفات الشّخص ذي معدّل الذّكاء المشابه، بالخطوط العريضة، هي عدم قدرته على اتّخاذ قراراتٍ لتسيير شؤون حياته اليوميّة أو عمله، هو يحتاج إلى من يوجّهه أو يتّخذ القرار عنه، ومن ثمّ يستطيع تنفيذ المطلوب منه بإبداعٍ يتفاوت بين شخصٍ وآخر.

أدّى توم هانكس هذا الدّور بعبقريّةٍ يُحسد عليها. هي قد تبدو فعلاً مفارقةً ساخرة أن أستعمل مواصفاتٍ متناقضةً، مثل “منخفض الذّكاء” و”إبداع” و”عبقريّة” ، في حديثي عن شخصٍ واحدٍ، لكنّها ليست كذلك، بل إنّها الحقيقة، وأجزم أنّ أغلب من يقرأ هذا النصّ سيتعرّف تلقائيّاً على شخصٍ أو أكثر في محيطه تجتمع فيه هذه المتناقضات، هذا عدا عن وجود أمثلةٍ تاريخيّةٍ يعرفها الجميع، لعلّ أشهرها مثال “توماس أديسون” الّذي صنّفته مدرسته الابتدائيّة على أنّه “طفلٌ غبيٌّ كبير الرّأس” قبل أن يتحوّل عالِماً ومخترعاً سُجّلت باسمه عشرات الاختراعات.  

بالطّبع أهمية الفيلم لم تأتِ من المواصفات الشخصيّة لفورست غامب فحسب، بل تتعدّاها إلى رحلةٍ عبر التّاريخ السّياسي للولايات المتّحدة، بما فيه مستنقع فيتنام، تمّ سردها بشكلٍ رشيقٍ للغاية من خلال حياة ذلك الشّاهد البريء على هذا التّاريخ- فورست غامب، لكنّه ليس موضوعنا الآن.

غير أنّ السّؤال الّذي انبثق في ذهني منذ شاهدتّ هذا الفيلم، وهو الّذي دفعني لأن أورد قصّته في هذه المقالة، هو كيف يمكن أن يجتمع التأخّر العقلي مع الإبداع فوق سطحٍ واحد؟ فالإبداع بكلّ أشكاله، بما فيه الإبداع الرّياضي أو الّذي يتطلّب مهاراتٍ جسديّةً، يحتاج حضوراً ذهنيّاً عالياً من المرء لكي يستطيع توظيف هذه المهارات بالشّكل الامثل، فهل من الجائز أنّ ما تسمّى باختبارات الذّكاء لا تتعدّى كونها شكلاً آخر من أشكال الفروض المدرسيّة المملّة، وبهذه الحالة لا معنى على الإطلاق لذلك الرّقم الّذي يُعتبر مكافئاً لمعدّل الذّكاء؟ 

الأقرب إلى الحقيقة هو أنّ اختبارات الذّكاء تغطّي جانباً من جوانب الذّكاء دون أن تغطّي الجوانب الأخرى الّتي قد تكون أكثر أهميةً، وهذا ما سأسعى إلى الإضاءة عليه في هذه المقالة.

تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن أسئلةٍ تتعلّق ببنية الذّكاء، والشّكل الّذي يتّخذه، وكذلك مكوّناته، إن وُجدت.

 إضافةً لما سبق ذكره، سأحاول الإجابة عن عددٍ من الأسئلة الّتي رأيت بأنّها تستحقّ الطّرح، من مثل:

 هل الذّكاء موهبةٌ فطريّة؟ أم هو ميزةٌ مكتسبة؟

هل الذّكاء ثابتٌ أم متحوّلٍ؟ وما الفرق بين عقليّة الثّبات وعقليّة النموّ؟

هل بإمكان علم وطبّ الأعصاب المساعدة في جعلنا أكثر ذكاءً؟

وعلى النّقيض، هل هنالك ما نرتكبه بحيث قد يجعلنا أقلّ ذكاءً؟

هل من الممكن الحفاظ على عقولنا وجعلها تستمرّ وقّادةً مدى الحياة؟

وآينشتاين وليّ التّوفيق…

مقدّمة:

طيلة قرونٍ طويلةٍ، تجادل الفلاسفة حول تحديد مقياسٍ حقيقيٍّ للذّكاء، وفي العقود الأخيرة دخل علماء الأعصاب في هذا الجدل بحثاً عن إجاباتٍ حول الذّكاء من منظورٍ علميّ. فما الّذي يجعل بعض الأدمغة أذكى من غيرها؟ هل النّاس الأذكياء أفضل من أقرانهم الآخرين في تخزين المعلومات وقدرتهم على استعادتها عند اللّزوم؟ أم ربّما تمتلك الخلايا العصبيّة لديهم قدراً أكبر من الاتّصالات الّتي تسمح لها بدمج أفكارٍ مختلفةٍ بطريقةٍ خلّاقة؟

إنّ تحديد الشّبكات العصبيّة الّتي تتدخّل في عمليّة الذّكاء أمرٌ صعبٌ، بل يكاد يكون من الاستحالة بمكان، لأنّه لا يوجد إجماعٌ على ماهيّة الذّكاء في المقام الأوّل.

ظهرت نظريّاتٌ عديدةٌ حول مفهوم الذّكاء، لكنّني أجد أنّه من غير المفيد الغوص في تفاصيلها، عدا عن أنّ في ذلك إضاعةً لوقت القارئ، وإثارةً لملله في الوقت عينه. لكن بإيجازٍ شديدٍ أقول: من المقبول على نطاقٍ عالميٍّ واسعٍ الآن القول بوجود ثلاثة أشكالٍ رئيسيّةٍ للذّكاء هي: الذّكاء التّحليلي، الذّكاء الإبداعيّ، والذّكاء العمليّ، ومن البديهيّ أنّ كلّاً من هذه الأشكال تندرج تحته أنواعٌ فرعيّةٌ، إضافةً إلى وجود أنواعٍ أخرى لا تحظى بإجماع المجتمع العلميّ، لكنّني أؤمن بوجودها لذلك سأتعرّض لها في سياق النصّ.

يعرَّف الذّكاء بحسب قاموس كامبريدج الانكليزيّ على أنّه القدرة على التعلّم والفهم وإصدار الأحكام أو الآراء الّتي تستند إلى السّبب.

غير أنّ التّعريف الأكثر دقّةً وإحاطةً هو التّعريف المدرَج في الموسوعة البريطانيّة، والّذي يقول:

الذّكاء البشري هو تلك الجودة العقليّة التي تتضمّن القدرة على التعلّم من التّجربة، والتكيّف مع المواقف الجديدة، وفهم المفاهيم المجرّدة ومعالجتها، واستخدام المعرفة لتطويع البيئة المحيطة.

يعتمد التكيّف الفعّال على عددٍ من العمليّات المعرفيّة، مثل الإدراك والتعلّم والذّاكرة والتّفكير المنطقي وحلّ المشكلات إضافةً إلى الاستخدام البارع للّغة. يُطلق على ما سبق ذكره تعبير “مكوِّنات الذّكاء” .

إنّ الذّكاء بالتّالي ليس عمليّةً معرفيّةً أو ذهنيّةً قائمةً بحدّ ذاتها، بل هو مزيجٌ انتقائيٌّ من هذه العمليّات الموجّهة بشكلٍ قصديّ نحو التكيّف الفعّال. بمعنىً آخر، لم يعد يُنظَر للذّكاء على أنّه قدرةٌ واحدةٌ، بل كوسيلةٍ فعّالةٍ لجمع العديد من القدرات والاحتفاظ بها كمعرفة ليتمّ تطبيقها على السلوكيّات التكيفيّة ضمن بيئةٍ ما أو سياقٍ ما.

والذّكاء ليس حكراً على البشر بالطّبع، بل هو موجودٌ عند معظم الكائنات الحيّة من حيواناتٍ ونباتات، بل وحتّى عند وحيدات الخليّة، وفي قليلٍ من الأحيان يتفوّق معدّل الذّكاء الخاصّ بالكائنات غير البشريّة، وفق المفهوم أعلاه للذّكاء، على ذلك الخاصّ بالبعض من البشر.

وبطبيعة الحال، عندما تملك الآلة ذكاءً وفق نفس المفهوم، وذلك عبر تزويدها بنظام كمبيوترٍ متقدّم، فإنّها تُعتبر آلةً ذكيّةً، ويسمّى الذّكاء في هذه الحالة بالذّكاء الاصطناعي، وسأتحدّث عنه بشكلٍ مختصر في نهاية هذه المقالة.

سأنتقل الآن للحديث عن حاصل الذّكاء. لكن تجدر الإشارة إلى أنّ المرء منّا قد يحتاج، بعد خضوعه لاختبار الذّكاء، إلى بعض المساعدة في تفسير درجة ذكائه ومعرفة ما يخبره به ذلك الرّقم، الأمر الّذي قد يساعده على استيعاب قدراته.

حاصل الذّكاءIntelligence Quotient (IQ)  :

هو مجموع درجاتٍ مشتقّةٍ من عدّة اختباراتٍ قياسيّة مصمّمة لتقييم الذّكاء البشري.

من الناحية التاريخيّة، فإنّ معدّل الذّكاء هو عبارةٌ عن نسبةٍ يتمّ الحصول عليها عن طريق قسمة العمر العقليّ للشّخص، والّذي يتمّ الحصول عليه عن طريق إجراء اختبار الذّكاء، على العمر الزّمني للشّخص، ويتم التعبير عن كليهما بالسّنوات والأشهر، ومن ثمّ يُضرب الرّقم النّاتج بمئة للتّعبير عن الحاصل كنسبةٍ مئويّة. الجدير بالذّكر أنّ الفضل في اعتماد هذا الاختبار يعود لعالم النّفس ويليام ستيرن عام 1912، وبالطّبع جرى تطويره عدّة مرّات على مرّ السّنين.

لا يتمّ التّعبير عن اختبارات الذّكاء الحاليّة بنفس الأسلوب المذكور أعلاه، لكنّ تعبير “IQ” ما يزال يستعمل حتّى الآن بشكلٍ رائج.

 عندما جرى اعتماد اختبارات الذّكاء الحاليّة، تمّ تعريف المتوسّط الحسابي لحاصل الذّكاء لدى العيّنة المدروسة على أنّه يكافئ 100، وأُعطيَ كلّ انحرافٍ معياريّ صعوداً أو هبوطاً درجة 15 زيادةً أو نقصاناً. بحسب هذا التّعريف، إنّ حاصل الذّكاء لدى ثلثيّ سكّان العالم تقريباً يتراوح بين 85 و115. حاصل الذّكاء يفوق 130 لدى 2.5% من السكّان، ويقلّ عن 70 لدى 2.5٪ من السكّان. يتراوح حاصل الذّكاء بين 116 و130 لدى 13% من السكّان تقريباً، وأيضاً بين 70 و85 لدى 15% من السكّان تقريباً، بينما قلّةٌ هم من يقلّ حاصل الذّكاء لديهم عن 60 أو من يزيد الحاصل لديهم عن 140 .

من الثّابت أنّ حاصل الذّكاء يرتبط بعوامل عديدةٍ كالحالة الصحيّة، ولا سيّما الدماغيّة، وسويّة التّعليم، والوضع الاجتماعي للوالدين، والعامل الوراثي، بالرّغم من أنّ تأثير العامل الوراثي محدودٌ غالباً، وهنالك أمثلةٌ لا حصر لها عن وجود تباينٍ هائلٍ لحاصل الذّكاء بين الأبناء والوالدين، وكذلك بين الأشقّاء.

تجدر الإشارة إلى أنّ المتوسّط الحسابي لحاصل الذّكاء لدى السكّان قد دأب على الازدياد المضطّرد بمعدّل نحو ثلاث نقاطٍ كلّ عقدٍ من الزّمن بدءاً من السّنوات الأولى من القرن الماضي، وهذا ما يُعرف باسم تأثير فلين Flynn effect نسبةً للباحث James Flynn الّذي كان أوّل من قام بتوثيق هذا التّأثير.

يُعزى “تأثير فلين” لعوامل عديدة من ضمنها تحديد النّسل، مع ما يضمنه ذلك من تحسّنٍ في الوضع الاقتصاديّ للأسرة الصّغيرة مقارنةً بالأسرة الكبيرة، وتالياً تحسّن التّغذية والصحّة العامّة. ومن العوامل المهمّة الأخرى تحسّن الأساليب التربويّة والتعليميّة، وكذلك التطوّر التّكنولوجي المتسارع الّذي بات يتيح للأطفال في سنّ النموّ الجسدي والعقلي ما لم يكن متاحاً لأقرانهم في العصور الأقدم. ما يثبت أهميّة هذه العوامل في ذلك التّأثير هو أنّ تأثير فلين قد اختفى تقريباً (بمعنى أنّ المتوسّط الحسابي لحاصل الذّكاء قد وصل إلى ما يمكن اعتباره ذروةً) مع بداية الألفيّة الثّالثة في البلدان المتطوّرة على الصّعيد الاجتماعي والتّربوي والتّعليمي خصوصاً، ولا سيّما البلدان قليلة عدد السكّان منها، مثل فنلندا والنّرويج وآيسلندا.

هنا يبرز السّؤال: كيف قلت أعلاه أنّ المتوسّط الحسابي لحاصل الذّكاء هو 100%، أي أنّه ثابتٌ، وقلت في الوقت نفسه أنّ حاصل الذّكاء يزداد باضطّرادٍ بحسب “تأثير فلين”، ولا سيّما في البلدان النّامية؟

حقيقة الأمر هي أنّ اختبارات الذّكاء يتمّ تعديلها بصورةٍ دوريّة للتكيّف مع الازدياد المضطّرد ذاك، وللإبقاء على المتوسّط الحسابي كما هو، أيّ 100%، وآخر مرّةٍ جرى فيها تعديل اختبارات الذّكاء (الموحّدة عالميّاً) كانت في سنة 2014.

وبالرّغم من وجود اختباراتٍ موحّدةٍ عالميّاً للذّكاء، يجري تكييفها بإشراف مختصّين للنّاطقين باللّغات المختلفة، بما بينها العربيّة، إلّا أنّ اجتهاداتٍ فرديّةً في هذا السّياق قد تمّ تسجيلها، البعض القليل منها مقبولٌ

كاختبارٍ لحاصل الذّكاء المعترف به عالميّاً (IQ) ، والأكثريّة منها لم تلقَ القبول. الاختبار الأكثر استخداماً في العالم اليوم هو Wechsler Intelligence Scale الّذي يتواجد بنسختين، واحدةٌ للبالغين وأخرى للأطفال. وفيمايلي تصنيف نسبة الذّكاء وفقاً لهذا الاختبار:

Art By: Jeff Sullivan

–           145 وما فوق: عبقريّة.

–           130  حتّى 144: موهبةٌ متفوّقةٌ للغاية.

–           120 حتّى 129: عُليا.

–           110 حتّى 119: متوسّطةٌ مرتفعة.

–           90 حتّى 109: متوسّطة.

–           80 حتّى 89: متوسّطةٌ منخفضة.

–           70 حتّى 79: على الحدّ، وقريبةٌ من مستوى الإعاقة الذهنيّة.

–           51 حتّى 69: منخفضةٌ، وتشير لإعاقةٍ ذهنيّةٍ معتدلة.

–           50 وأقلّ: منخفضةٌ للغاية، وتشير لإعاقةٍ ذهنيّةٍ بالغة.

الآن، وقبل أن أنتقل للفصل التّالي، أودّ أن أتحدّث بشكلٍ موجزٍ عن أهميّة اختيار التقنيّة المثلى للتّعليم المبكّر. إنّ التّعليم المبكّر يعزّز وظيفة الدّماغ، والتّعليم المستمرّ يؤخّر بنسبةٍ كبيرةٍ شيخوخته. ومن المؤكّد أيضاً أنّ القدرة اللغويّة المبكّرة تساعد في تعزيز وظيفة الدّماغ في وقتٍ لاحقٍ من الحياة.

يُضاف إلى ما سبق حقيقة أنّ طبيعة الشخصيّة تلعب دوراً هامّاً في حماية البراعة العقليّة للإنسان. إنّ ثقة الشّخص بكفاءته الذاتيّة تحصّن دماغه وتجعله أكثر مرونةً. ومن المفيد هنا إيراد هذه الجزئيّة الّتي أثبتتها التّجربة: إنّ الأطفال ذوو العقليّة الثّابتة يعتقدون أنّ الذّكاء أمرٌ فطريٌّ، بينما الأطفال ذوو عقليّة النموّ فإنّهم، على النّقيض، يعتقدون بأنّ الذّكاء هو أمرٌ قابلٌ للتحسّن من خلال العمل الجاد.

أهمية هذا الأمر كبيرةٌ، وليست مجرّد اختلافٍ نظريٍّ في الرّأي. تشير التّجارب الكثيرة في هذا المضمار بوضوحٍ إلى أنّ أطفال الفئة الأولى يستسلمون فوريّاً إبّان مواجهتهم لأيّ مشكلةٍ صعبة، وذلك على ما يبدو يعود إلى كونهم يفترضون بأنّ التّعامل مع تلك المشكلة يقتضي سويّةً من الذّكاء أعلى ممّا يمتلكونه. بينما يتعامل أطفال الفئة الثّانية مع المشاكل الصعبة على اعتبار أنّها فرصٌ لتحسين سويّة الذّكاء لديهم، وهو الفعل الصّحيح. من هنا تأتي أهمية أن تركّز تقنيّات التّعليم المبكّر على خلق ذلك النّوع من العقليّة لدى الطّفل منذ سنيّه الأولى.

الأنواع الثّمانية المختلفة للذّكاء:

إذا كنت تعتقد/ي بأنّ حاصل الذّكاء العامّ IQ لديك هو من يحدّد إمكانيّاتك العقليّة، فإنّك تقلّل/ي من قدر نفسك. من الإجحاف الاعتماد الحصري على نتيجة حاصل الذّكاء المعتمد للإطراء على فلانٍ ما من النّاس على أنّه يتمتّع بالذّكاء الحادّ، أو لوصم فلانٍ آخر من النّاس بالتأخّر العقلي أو بالغباء، وهذا ما كنت قد أشرت إليه في التّمهيد عندما تحدّثت عن مثال “فورست غامب”. من المتّفق عليه، سواءٌ عبر العلم أو عبر الفطرة السّليمة، أنّ هنالك قدراتٍ متنوّعةً تتجاوز نطاق الطّرق الأكاديميّة المعتمدة في قياس حاصل الذّكاء. فالطّريقة الأكاديميّة المعتمدة تركّز في اختبارات الذّكاء على القدرة اللغويّة إضافةً للمهارة الحسابيّة والمنطق، بينما تتجاهل القدرات الأخرى الّتي قد تكون متفوّقةً لدى زمرةٍ من النّاس الّذين لا يملكون تلك المهارة اللغويّة أو الحسابيّة.

رأى الدّكتور هوارد غاردنر عالم النّفس والأعصاب في جامعة هارفرد منذ عام 1983 أنّ هنالك على الأقلّ ستّة أنواعٍ إضافيّةٍ (هو يفضّل تعبير “نكهاتٍ متنوّعةٍ” بدل تعبير “أنواع”) من الذّكاء تُضاف إلى النّوعين الرئيسيّين الّذين صُمّمت اختبارات الذّكاء بناءً عليهما، وأعني الذّكاء اللّغوي والذّكاء الحسابي أو الرّياضي والمنطقي.

تُقصد بالذّكاء اللّغوي القدرة على الاستعمال البارع للكلمات، والتّلاعب بها، ومعرفة معانيها المختلفة، وإيقاعها، وتوظيفها الصّحيح. هذا النّوع من الذّكاء هو ما يميّز (بين عناصر أخرى لا تقلّ أهميةً، كالخيال الخصب مثلاً) بين شاعرٍ وآخر (أو بين شاعرٍ وشويعرٍ و… ) ، بين روائيٍّ وآخر، أو بين خطيبٍ وآخر، أو وبديهيّاً إنّ الذّكاء الحسابي أو الرّياضي المنطقي يتعلّق بالقدرة على إجراء العمليّات الحسابيّة وحلّ المعادلات الرياضيّة مع تطبيقاتها المختلفة. لا يحتاج الأمر إلى شرح.

ننتقل إلى الأنواع أو النّكهات الستّ الأخرى: 

– الذّكاء الموسيقي: يجادل البعض في أنّ الإلمام الموسيقي موهبةٌ وليس ذكاءً، ومن البديهيّ القول بأنّ هذا النّوع من الجدل عقيمٌ. للموهبة دورها في الموسيقا كما في الذّكاء اللّغوي والمنطقي والحسابي، لكنّ الإلمام بالنّغمات، والمقامات الموسيقيّة، والإيقاع، وما إلى هنالك من تفاصيل موسيقيّة، هو أمرٌ يتعدّى الموهبة. إنّه ذكاء. هذا أمرٌ لا جدال فيه.

– الذّكاء المكاني: تُقصد به القدرة على استشعار الطريق الصّحيح عندما تبدو كلّ الطّرق متشابهةً إلى حدٍّ بعيد. إنّه ذلك النّوع من الذّكاء الّذي يتمتّع به لاعب الشّطرنج الماهر الّذي ينتقي نقلات أحجاره إلى الأمكنة الصّحيحة الّتي يستشعرها رغم وجود عشرات الخيارات الأخرى الّتي تبدو للمراقب العاديّ متشابهةً. هو أيضاً ذلك النّوع من الذّكاء الّذي يمتاز به الجرّاح العبقريّ الّذي يتحسّس المكان الدّقيق والزّاوية الدّقيقة الّتي يضع أدواته الجراحيّة بها ليحقّق بالمحصّلة نتيجةً تشبه المعجزة. الأمر نفسه ينطبق على كابتن الطّائرة أو السّفينة.

– الذّكاء الحسّي الحركي: هو ذلك النّوع من الذّكاء الّذي يتمتّع به لاعب كرة قدم مثلاً كرونالدينيو أو رونالدو أو ميسّي، أو لاعب كرة سلّة كمايكل جوردان، أو ربّما عدّاء المسافات القصيرة أوساين بولت حيث تكمن عبقريّته وتميّزه في قدرته على التفوّق بمقدارٍ ربّما لا يتجاوز جزءاً من عشرة أو حتّى من مئة من الثّانية. الكيفيّة الّتي ينطلق بها، وكيفيّة استعماله لعضلات أطرافه وظهره وصدره، والكيفيّة الّتي يتغلّب بها على مقاومة الهواء، وتنظيمه لحركات تنفسه، وبعض التّفاصيل الأخرى الّتي نعتبرها تافهةً في حياتنا اليوميّة، لكنّها تصنع الفارق وتؤكّد على عبقريّة من يلمّ بها ويُخضعها له. نفس هذا النّوع من الذّكاء ينطبق على الرّاقصين والرّاقصات، على اختلاف أنواع الرّقص، ولاعبي الجمباز، ومن يقومون بالحركات الأكروباتيّة، وغيرهم الكثير. الذّكاء يكمن في كيفيّة استعمال الجسد والإحساس به بالطّريقة المثلى

– ذكاء العلاقات الشخصيّة: تُقصد بهذا النّوع من الذّكاء قابليّة الشّخص لفهم الآخرين الّذين يتعامل معهم، وقدرته على تحفيزهم وإلهامهم لتقديم أفضل ما لديهم، وكذلك التّعاون معهم بالشّكل الأمثل. باختصار، هذا هو بالتّحديد ما يُطلق عليه لقب “الكاريزما”، وهذا النّوع من الذّكاء يتواجد على وجه الخصوص لدى القادة الشعبيّين أو القادة في الفرق الجماعيّة الرياضيّة أو سواها.

– ذكاء معرفة الذّات: من الصّعب تقييم هذا النّوع من الذّكاء، ولا سيّما في عصرنا الحاليّ الّذي تتغيّر طبيعة الحياة خلاله بإيقاعٍ متسارع. بإيجازٍ شديد، يختصّ هذا النّوع من الذّكاء بالقدرة على سبر القدرات الذاتيّة وفهم الميول والأهواء ومكامن الإبداع كما مكامن الفشل.

قلتُ أنّ تقييم هذا الذّكاء صعبٌ للغاية، لكن هذا لا يمنع من أنّه قد يكون أهمّ أنواع الذّكاء على الإطلاق.

أن أفهم ذاتي! هذا ليس بالأمر قليل الأهمية على الإطلاق. وعلى النّقيض من ذلك، قد يودي بنا عدم قدرتنا على فهم ذواتنا إلى أمورٍ لا تُحمد عقباها.

– الذّكاء الطّبيعي: ربّما يكون هذا النّوع من الذّكاء قليل الأهمية نسبيّاً في عصرنا هذا، إلّا أنّه كان بالغ الأهمية، بل ربّما الأهمّ على الإطلاق، في المراحل البدئيّة للتطوّر. يُقصد بهذا النّوع من الذّكاء القدرة على التّمييز بين نباتٍ وآخر، بين حيوانٍ وآخر، أو بين ثمارٍ صالحة للأكل وثمارٍ سامّة، وغير ذلك من التّفاصيل الموجودة في الطّبيعة.

الأساس البيولوجيّ للذّكاء:

إنّ إحدى أهمّ الأبحاث المجراة في مجال علم وطبّ الأعصاب هي الأبحاث الدماغيّة الّتي تهدف للتّبيان لنا كيف نعيش بشكلٍ أفضل، وتعليمنا كيف نفكّر بشكلٍ أفضل، مع الأمل بأن تقود هذه الأبحاث إلى مساعدتنا في تصميم مجتمعنا بشكلٍ أفضل أيضاً. من شأن استخدامنا لنتائج هذه الأبحاث أن يقودنا في عمليّة تربية أطفال الغد الأذكياء، وهذه أرفع جائزةٍ قد يتوخّاها القيّمون على هذه الأبحاث.

ولكن تبرز هنا أسئلةٌ هامّةٌ: هل يمكن اختزال التعلّم والتّفكير البشري إلى كونه مجرّد عمليّاتٍ تقوم بها الخلايا العصبيّة؟ أم أنّ هنالك حلقةٌ مفقودةٌ غايةٌ في الأهمية، وهو أمرٌ يحتاج إلى تفسيرٍ على المستوى  البيولوجي؟ وهل توجد مناطق دماغيّة مسؤولة أكثر من غيرها عن الذّكاء البشري؟

أجريت دراساتٌ لا حصر لها على مرّ السّنين، وأكثرها أهميةً تلك الّتي استفادت من ظهور تقنيّات التّصوير الحديثة في العقدين الأخيرين، ولا سيّما التّصوير بالرّنين المغناطيسي الوظيفي والتّصوير بالإصدار البوزيتروني، ولجأت تلك الدّراسات إلى إجراء اختبارات الذّكاء المتنوّعة على مرضى مصابين بآفاتٍ في مناطق دماغيّةٍ مختلفة، مع مراقبة النّشاط الدّماغي في الوقت نفسه، ومقارنتها كذلك مع اختبارات الذّكاء والنّشاط الدّماغي لدى الأصحّاء، وخلُصت تلك الدّراسات إلى ظهور نظريّة التّكامل الجداري- الجبهي Parieto- frontal integration theory  الّتي تقول بأنّ التّكامل بين عمل المناطق الدماغيّة في الفصّين الجداري والجبهي هو المسؤول بالدّرجة الكبرى عن الذّكاء البشري.

أمّا المقولة الرّائجة: «يتميّز الدّماغ الذّكي عن غيره بكثرة التّلافيف الدماغيّة وعمقها» فهي مجرّد أسطورةً شعبيّةً لا أساس لها من الصحّة.

من المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ العلاجات المعرفيّة والمكمّلات الغذائيّة والأنشطة الذهنيّة هي المفاتيح الرئيسيّة للحفاظ على الدّماغ ومقاومته للشّيخوخة، وكذلك لحماية ذاكرته، على  اعتبار أنّ آفة العقل النّسيان (بالطّبع لا أتحدّث هنا عن المرضى سيّئي الحظّ الّذين يحملون في جيناتهم، لبالغ الأسف، الاستعداد للإصابة بالزّهايمر أو داء باركنسون أو داء هنتنغتون أو ما شابهها من أمراض، فذاك مبحثٌ آخر) .

كيف نعزّز وظائف الدّماغ، وتالياً الذّكاء؟

وما هي الأمور الّتي تحمل إمكانيّة التّأثير السّلبي على وظائف الدّماغ، وتالياً الذّكاء؟

دأب علماء الأعصاب طيلة سنواتٍ على العمل الجادّ والحثيث بغية اكتشاف ما يحدث لخلايا الدّماغ عندما تبدأ بالتّلاشي. هذا العمل الّذي من شأنه أن يقود ربّما إلى فتحٍ مذهلٍ في مضمار الأساليب الكيميائيّة الّتي تساعد في الحفاظ على الوظيفة الإدراكيّة أوحتّى تعزيزها.

ما يزال هذا الطّريق في أوّله، وأعني الطّريق إلى اكتشاف آليّاتٍ كيميائيّةٍ تضبط عمل الدّماغ بأمانٍ ودقّة، لكنّ المؤشّرات المتوافرة حتّى الآن توحي بأنّ مواداً متنوّعةً تبدو واعدةً من حيث قدرتها على التّأثير بشكلٍ فعّالٍ على المادّة الرماديّة للدّماغ، وهذا ما سأحاول استعراضه فيما يأتي:

– قد يزيد الإستروجين من القدرة الإدراكيّة، وتحديداً الذّاكرة القريبة، وكذلك من القدرة على تعلّم أشياء جديدة. أظهرت دراسةٌ كبيرةٌ أجريت في جامعة كولومبيا أنّ النّساء اللّواتي دأبن على أخذ الإستروجين بصورةٍ منتظمة لمدّة عشر سنوات أو أكثر، كنّ أقلّ عرضةً من سواهنّ للإصابة بالزّهايمر بما تصل نسبته إلى 40%.

– كما أنّ مضادّات الالتهاب اللّا ستيروئيديّة، كالأسبرين والأيبوبروفين والدّيكلوفيناك، تبدو واعدةً مثل الإستروجين عندما يتعلّق الأمر بمكافحة مرض الزّهايمر. فقد وجدت الدّراسة عينها في جامعة كولومبيا أنّ الأشخاص الّذين يتناولون هذا الصّنف من العقاقير لعلاج آلام المفاصل لديهم كانوا أقلّ عرضةً لخطر الإصابة بالزّهايمر بنسبة النّصف تقريباً.

– يحاكي النّيكوتين بعض تأثيرات الأستيل كولين، وهو ناقلٌ عصبيٌّ هامّ يعزّز الوظيفة الإدراكيّة للدّماغ إضافةً للذّاكرة. من الثّابت أنّ المدخّنين لديهم معدّلاتٌ أقلّ فيما يخصّ شيوع مرض الزّهايمر لديهم. كما أنّ النّيكوتين، على ما يبدو، علاجٌ فعّالٌ للمرضى الّذين يعانون من اضطّرابٍ في الانتباه. قد تكون هذه الحقيقة هي الحسنة الوحيدة للتّدخين، غير أنّ مخاطره الصحيّة الأخرى أكبر بما لا يقاس، وهذا ما حدا بالمجتمع العلمي لتجاهل تأثيره هذا.

– هنالك فئةٌ جديدةٌ نسبيّاً من الأدوية، تسمى بالأمباكينات  Ampakines، وُجد أنّها تفيد في تعزيز القدرة على التعلّم أو خلق ذكرياتٍ جديدةٍ فوريّةٍ. تمّ اختبار سلامة هذه الأدوية لدى البشر في دراسةٍ تجريبيّةٍ صغيرة بدون أيّ آثارٍ جانبيّةٍ، لكن لا يزال يتعيّن القيام بالكثير من الأبحاث حول سلامتها وفعاليّتها قبل أن تحظى بالموافقة على استعمالها علاجيّاً.

– وبالطّبع للمكمّلات الغذائيّة دورٌ رئيسيٌّ في تعزيز الوظيفة الإدراكيّة أو الحدّ من تدهورها، لكن يجب توخّي الحذر عند اختيارها، حيث يكاد لا يخلو “سوبّر ماركت” أو صيدليّة من عشرات الأنواع ممّا يُطلق عليها زوراً لقب “مكمّلات غذائيّة، مع أنّ غالبيّتها العظمى ذات تأثير وهمي Placebo  أو من دون تأثيرٍ على الإطلاق. وحتّى في مجال طبّ العيون، قيل الكثير عن تأثير مادّة اللّوتين (موجودةٌ بشكلٍ طبيعيّ في الخضراوات الورقيّة والجزر الأصفر خاصّةً) في علاج مرض اعتلال اللّطخة الصّفراء الشّيخي، والّذي بالمناسبة يرتبط مع الزّهايمر وفقاً للدّراسات الحديثة، لكنّني شخصيّاً أرى تأثيره وهميّاً فقط، ولم أعد أصفه لمرضاي.

المادّة الوحيدة بين تلك الأصناف الّتي تُصرف وتُباع على عواهنه، والّتي توجد بعض الأدلّة على أنّها تفيد النّسيج الدّماغي لكونها تزيد في أكسجة الخلايا الدماغيّة، وتالياً تفيد في الوقاية من ظهور الزّهايمر، هي خلاصة أوراق شجرة الجنكة ثنائيّة الفصّginkgo biloba  (تُعرف أيضاً بشجرة المعبد أو شجرة الحياة لكونها الشجرة الوحيدة الّتي نجت في هيروشيما بعد تفجير القنبلة النوويّة الأمريكيّة) ، لكن يجب اتّخاذ جانب الحذر لدى استخدامها ممّن يعانون من اضطّراباتٍ نزفيّة أو الّذين يتناولون أدويةً مميّعةً للدمّ، لأنّ هذه الخلاصة تمتاز أيضاً بتأثيرها المميّع.

– الأحماض الأمينيّة قد تفيد في حماية الخلايا الدماغيّة أيضاً، ولا سيّما التريبتوفان والتيروزين، إضافةً إلى أنّ العديد من الأحماض الأمينيّة تدخل في تركيب النّواقل العصبيّة.

– الكاربوهيدرات أساسيّةٌ في الحياة اليوميّة من أجل الذّاكرة، لذلك لا يُنصح أبداً باتّباع الحمية الخالية بشكلٍ مطلقٍ من الكاربوهيدرات، على الأقلّ في وجبة الفطور.

وقد تفيد في هذا السّياق معرفة المعلومة الهامّة التّالية: يستمدّ الدّماغ تقريباً كلّ الطّاقة الّتي يحتاجها من الكاربوهيدرات، أيّ من السكّر. من هنا أقول: نعم إنّ وجبة الفطور هي أهمّ وجبةٍ بين الوجبات، ويجب أن تتضمّن بين عناصرها كاربوهيدراتٍ كافيةً. ومن بين أكثر العناصر فائدةً في وجبة الفطور، تأتي الحبوب الكاملة كخبز القمح الكامل ودقيق الشّوفان في مقدّمتها، لكونها علاوةً على احتوائها على الكاربوهيدرات فإنّها غنيّةٌ بالألياف.

– تتكوّن أغشية الخلايا الدماغيّة من الدّهون. وقد تبدو المعلومة التّالية مثيرةً لكنّها حقيقيّةٌ، فالدّماغ هو العضو الّذي يحتوي على أعلى تركيزٍ من الدّهون بين أعضاء الجسم بعد الأنسجة الدهنيّة، ومن هنا فإنّ الدّهون أساسيّةٌ لسلامة وظائف الخلايا الدماغيّة، لكن ليست كلّ الدّهون سواسيّةً. فالكولّسترول ذو الوزن الجزيئي المنخفض، أو ما يُعرف بالكولّسترول السيّء، والدّهون المشبعة تسبّب تصلّباً لأغشية الخلايا الدماغيّة. بينما الكولّسترول ذو الوزن الجزيئي المرتفع، أو ما يُعرف بالكولّسترول الجيّد، والأحماض الدهنيّة غير المشبعة كالأوميغا 3 والأوميغا 6 (الأوميغا 3 موجودٌ في زيت السّمك، بينما الأوميغا 6 موجودٌ بشكلٍ رئيسيٍّ في زيوت الصّويا وكذلك في الذُّرة) تجعل الأغشية مرنةً، وبالتّالي تسمح بمرور الإشارات العصبيّة (النّواقل العصبيّة) بشكلٍ أكثر سلاسةً من خلالها.

الجدير بالذّكر أنّ حليب الثّدي يحتوي على كلا النّوعين الرئيسيّين من الأحماض الدهنيّة الأوميغا 3 و6، وهذا سببٌ آخر لتفضيل الرّضاعة الطبيعيّة على الصناعيّة بالنّسبة للأطفال الرضّع.

المتقدّرات، الجذور الحرّة، ومضادّات الأكسدة:

تحتوي الخلايا الحيّة بداخلها على جزيئاتٍ تسمّى بالمتقدّرات mitochondria  وهذه الجزيئات تشبه من حيث آليّة عملها الفرن، حيث يتمّ بداخلها، بوساطة الأوكسجين المرافق، إحراق أو طهي العناصر الغذائيّة الّتي ترد إلى الخليّة، ولا سيّما السكّر، من أجل الحصول على الطّاقة اللّازمة للعمليّات الخلويّة بما فيها عمليّات الإصلاح الخلوي الذّاتي ونسخ الحمض النّووي. ومن البديهيّ أنّ عمليّة الطّهي أو الإحراق هذه تترافق مع انبعاثاتٍ جانبيّة كما في عمليّة الطّهي التقليديّة، مع فارق أنّ الانبعاثات هنا لا تكون للأبخرة والدخّان والرّوائح بل للجذور الحرّة، وهذه الجذور الحرّة تكون ضارّةً للخلايا المجاورة. بالطّبع تتزوّد الخلايا الحيّة بآليّاتٍ للحماية من التّأثير الضارّ للجذور الحرّة تلك. مع التقدّم بالعمر تنخفض الكفاءة الخلويّة، وينخفض مقدار الطّاقة النّاجمة عن إحراق نفس الوارد الغذائي في الأفران الخلويّة سالفة الذّكر، وفي الوقت نفسه يزداد مقدار الجذور الحرّة المنبعثة، وهذا يؤدّي عند حدوثه في الخلايا الدماغيّة إلى انخفاض القدرة المعرفيّة والإدراكيّة. الأمر يشبه تماماً السيّارة القديمة الّتي تتناقص المسافة الّتي تستطيع سيرها تدريجيّاً رغم بقاء استهلاكها للبنزين نفسه، وعلاوةً على ذلك يصدر عادمها الكثير من الدخّان الأسود.

إذا تمكّنا من تعزيز عمل المتقدّرات، فإنّنا سنحصل على مقدارٍ جيّدٍ من الطّاقة وعددٍ أقلّ من الجذور الحرّة المؤذية في الوقت نفسه. بيّنت الدّراسات البيولوجيّة أنّ عنصرين قادران بشكلٍ رئيسيٍّ على تعزيز عمل المتقدّرات هما: أستيل- إل- كارنيتين (من المركّبات الشّبيهة بالأحماض الأمينيّة) وحمض الليبويك (مركّب كبريتي عضوي) . يتواجد الأوّل في اللّحوم والحليب والأفوكادو، ويتواجد الثّاني في لحم البقر والسّبانخ والبروكلي، وبات هذان العنصران يدخلان في تركيب معظم أصناف المكمّلات الغذائيّة الموجّهة للوقاية من ضعف الذّاكرة وانخفاض القدرات الإدراكيّة والمعرفيّة

تؤذي الجذور الحرّة، الّتي تتحرّر بأعدادٍ أكبر مع تقدّم العمر، الخلايا الحيّة عن طريق مهاجمتها لأغشيتها عبر آليّة الأكسدة المشابهة للأكسدة أو الصّدأ الّذي يهاجم المعادن الموضوعة في بيئة رطبة. وفي الواقع هذا التّشبيه بليغٌ للغاية وشائع الاستعمال، فالكثير من المسنّين اعتاد على وصف الأمر بكون مفاصله أو عضلاته، أو حتّى دماغه، قد ألمّ بها الصّدأ.

من هنا، فإنّ لمضادّات الأكسدة بالغ الأثر في حماية الخلايا الحيّة من الأثر الضارّ للجذور الحرّة.

في مقدّمة مضادّات الأكسدة الطبيعيّة يأتي الفيتامين Cالّذي يتواجد بشكلٍ رئيسيٍّ في الحمضيّات والبندورة والفليفلة (الحمراء خاصّةً) والخضار الورقيّة الخضراء كالسّبانخ، وكذلك الفيتامين E الّذي يتواجد بشكلٍ رئيسيّ في اللّوز والجوز وبذور عبّاد الشّمس والسّمسم والقمح إضافةً إلى زيت الزّيتون. وعدا عن الفيتامينات، هنالك المزيد من مضادّات الأكسدة الفعّالة الّتي تأتي من النّباتات، فالنّباتات أيضاً هي خلايا حيّة وتحتاج مضادّات الأكسدة لحماية نفسها. مضادّات الأكسدة النباتيّة تنضوي في زمرتين رئيسيّتين: الأنثوسيانين الّذي يوجد في ثمار الفاكهة ذات الألوان الزّاهية كالتّوت والتّوت البرّي والكرز الأحمر والأزرق والعنب الأرجواني، والأنثوكزانتين عديم اللّون الّذي يوجد في الشّاي الأخضر وفول الصّويا

لوحظ أيضاً أنّ معدّل حدوث الزّهايمر لدى الهنود أقلّ بكثير من معدّله في بقيّة الأعراق (يصل حتّى خمس مرّاتٍ أقلّ) ، ويُعتقد أنّ ذلك يعود لاستخدامهم الوافر في طعامهم للكركم (نوع من التّوابل) الّذي يحتوي على مادّة الكركمين، والّتي تعدّ بدورها من المواد المضادّة للأكسدة.

كما أنّ السّيلينيوم، الموجود في حبوب القمح الكاملة وبعض أنواع المكسّرات، يفيد كعاملٍ مضادٍّ للأكسدة.

ومن مضادّات الأكسدة الّتي تقدّم نهجاً واعداً لحماية الخلايا الدماغيّة من الجذور الحرّة شديدة التّفاعل، الّتي تدمّر خلايا الدّماغ وتسهم في حدوث الشيخوخة المبكّرة، هنالك دواء Deprenyl  الّذي يُستعمل في علاج داء باركنسون.

كما أنّ هنالك أدلّةٌ على أنّ المستويات المرتفعة لهرمونات الإجهاد قد تضرّ بخلايا الدّماغ، ولا سيّما تلك المسؤولة عن اختزان الذّاكرة، وتودي بها للضّمور. إنّ إدراكنا بأنّنا قادرون على رسم مسارنا الخاصّ في العالم بشكلٍ فعّال قد يؤخّر إطلاق هرمونات الشدّة والإجهاد ويحمينا من الشّيخوخة. الأمر لا يتعلّق بوجود المعاناة من الإجهاد أم بغيابها، بل بالموقف الّذي يتمّ اتّخاذه حيال ذلك الإجهاد. إنّ الحدّ من الإجهاد عن طريق التأمّل المنتظم قد يساعد في حماية الدّماغ كذلك، كما أنّه يزيد من نشاط الغدة الصنوبريّة في الدّماغ، وهي مصدر هرمون الميلاتونين المضاد للأكسدة والّذي ينظّم عمليّة النّوم ويؤخّر بداية مظاهر الشّيخوخة.

أخيراً وليس آخراً في هذا السّياق، إنّ تناول القليل من الكحول مع وجبة العشاء يحسّن من ذاكرة الإنسان ويفيد في حماية الخلايا الدماغيّة ومنع تموّتها أو تنكّسها. يعود ذلك للخصائص المضادّة للالتهاب الّتي يتمتّع بها الكحول، وعلى وجه الخصوص النّبيذ الأحمر الّذي يحتوي على مادّةٍ تُعرف باسم Resveratrol ذات التّأثير المضادّ للأكسدة أيضاً.

من ناحيةٍ أخرى، إنّ الإفراط في تناول الكحول قد يفضي إلى القضاء على الذّاكرة لكونه يتلف الخلايا الدماغيّة بالجرعات العالية.

تذكّروا إذاً: القليل (فقط القليل) من الخمر يفرح “عقل” الإنسان…

الأنشطة الذهنيّة والبدنيّة:

بالرّغم من كلّ ما أوردتّه أعلاه، فإنّ الطريقة المثلى لحماية الدّماغ ليست عبر الأدوية. هنالك أدلّةٌ بيولوجيّةٌ متزايدة تدعم مفهوم المقولة الشّائعة: «استخدمه، وإلّا فستفقده» .

إنّ القيام بالتّمارين الذهنيّة المنتظمة يحفّز نشوء اتّصالاتٍ جديدةٍ بين الخلايا العصبيّة، كما يساعد في زيادة المرونة العصبيّة، وكذلك في بناء احتياطيٍّ وظيفيٍّ يقي من فقدان الخلايا الدماغيّة مع تقدّم العمر. هذا أمرٌ مؤكّدٌ. أيّ نشاطٍ محفّزٍ للذّهن يساعد في بناء الدّماغ وحمايته. وتشمل هذه الأنشطة الذهنيّة أموراً عدّةً تأتي في مقدّمتها القراءة. ومن الأنشطة الأخرى المفيدة: ممارسة رياضة الشّطرنج، حلّ الألغاز أو الألعاب الذهنيّة كالكلمات المتقاطعة أو لعبة “السّودوكو”، وكذلك الحرف اليدويّة الدّقيقة كالنّحت أو التّطريز أو الرّسم أو… إلخ.

ممارسة الرّياضة البدنيّة لها بالمثل دورٌ كبير في تعزيز النّشاط الدّماغي، حيث أنّ الرّياضة المنتظمة تزيد من عدد الأوعية الدمويّة الصّغيرة الّتي تحمل الدمّ الغنيّ بالأوكسجين وتوزّعه على مناطق الجسم المختلفة ومنها الدّماغ. كما أنّ الرّياضة البدنيّة تحفّز أيضاً تطوّر الخلايا العصبيّة وتزيد من الاتّصالات المشبكيّة بين خلايا الدّماغ. تساعد الرّياضة أيضاً في خفض ضغط الدمّ، وكذلك خفض مستويات السّكر والكولّسترول في الدمّ وجعلها متوازنة، وتقلّل كذلك من الإجهاد الذّهني، وكلّ ذلك من شأنه جعل الدّماغ أكثر كفاءةً، ومن هنا دقّة مقولة: «العقل السّليم في الجسم السّليم» الّتي تُنسب إلى الفيلسوف الإغريقي القديم أفلاطون.

وبالطّبع، إنّ الحصول على قدرٍ كافٍ من النّوم بشكلٍ يوميّ هو أمرٌ أساسيٌّ لتعزيز الوظائف الدماغيّة (راجع مقالة “أبجديّة الأحلام” في العدد الثّالث للمجلّة للحصول على معلوماتٍ وافية حول وظيفة النّوم وأهميته بالنّسبة للدّماغ، والذّاكرة على وجه الخصوص) .

سأنتقل الآن للحديث بنبذةٍ شديدة الإيجاز عن الذّكاء الاصطناعي قبل أن أختم هذه المقالة.

الذّكاء الاصطناعي  Artificial intelligence:

يُستعمل هذا المصطلح لوصف عمليّة محاكاة الذّكاء البشري في الآلات. السّمة المثاليّة للذّكاء الاصطناعي هي قدرته على ترشيد واتّخاذ الإجراءات الّتي لديها أفضل فرصة لتحقيق هدفٍ معيّن، على الرّغم من أن المصطلح يمكن تطبيقه على أيّ آلة تعرض سماتٍ مرتبطةً بالعقل البشريّ كالتعلّم وحلّ المشكلات باستخدام منهجٍ متعدّد التخصّصات قائمٍ على الرياضيّات وعلوم الكومبيوتر واللغويّات وعلم النّفس وغير ذلك.

مع تقدّم التكنولوجيا، أصبحت المعايير السّابقة الّتي حدّدت الذّكاء الاصطناعي قديمةً. فعلى سبيل المثال، لم يعد يُقال أنّ الأجهزة الّتي تقوم بحساب الدالّات الأساسيّة أو بالتعرّف على النصّ من خلال التعرّف على الأحرف المثاليّة ذات ذكاءٍ اصطناعيٍّ، لأنّ هذه الوظيفة تعتبر الآن أمراً مفروغاً منه كوظيفةٍ متأصّلة في الكومبيوتر.

بعض الأمثلة على الآلات ذات الذّكاء الاصطناعي تشمل أجهزة الكومبيوتر الّتي تلعب الشّطرنج، الرّوبوت الّذي يقوم ببعض الأعمال الدّقيقة كالعمليّات الجراحيّة، السيّارات ذاتيّة القيادة، إلخ .

يُعزى الفضل في وضع اللّبنة الأولى في مشروع الذّكاء الاصطناعي إلى البريطاني “آلان تورينغ” الّذي توصّل إلى تصميم أوّل جهاز كومبيوتر في العالم في أربعينيّات القرن العشرين. وبالمناسبة، كان تورينغ نفسه هو من تنبّأ بإمكانيّة الآلة أن تلعب الشّطرنج وتهزم اساتذته، لكن كان لهذا الأمر أن ينتظر حتّى شهر أيّار من عام 1997 عندما تمكّن نظام الكومبيوتر “ديب بلو deep blue ” من التفوّق على بطل العالم في الشّطرنج آنذاك “غاري كاسباروف” في مباراةٍ من ستّ جولات.

الجدل حول الذّكاء الاصطناعي هو جدلٌ أخلاقيّ بالدّرجة الأولى، ويتمحور حول فيما إذا يجب التّعامل مع الرّوبوتات وفق نفس التّعامل الخاصّ بالبشر مثلاً من النّاحية الحقوقيّة والقانونيّة؟ والأمر الآخر الّذي يدور حوله الجدال هو مدى الخطر الّذي قد يهدّد به هذا الذّكاء مستقبل البشريّة، لا سيّما وأنّ الكثير من تطبيقات الذّكاء الاصطناعي تُستعمل في مجال الأسلحة الفتّاكة.

بغضّ النّظر عمّا نقرؤه أو نشاهده في رويات الخيال العلمي ومبالغات هوليود، لا يمكن للذّكاء الاصطناعي أن يحلّ محلّ الإنسان. الرّوبوتات مثلاً مبرمجةٌ لتنفيذ مهمّةٍ محدّدة في وقتٍ محدّد، ولا تستطيع القيام بمهامٍ متعدّدة في الوقت نفسه كما الإنسان. بمعنىً أدقّ، لا يمكن للرّوبوتات أن تكون تفاعليّةً كالإنسان، وخير دليلٍ على ذلك أنّ الكثير من المواقع على الشّبكة العنكبوتيّة تطلب، لإتمام عمليّة التّسجيل فيها، إدخال أحرفٍ أو أرقامٍ تظهر في حقلٍ مخصّص وتتغيّر من مرّةً لأخرى، وتهدف من هذا الإجراء للتحقّق من أنّ من يقوم بالتّسجيل هو إنسان وليس روبوت. قد يكون الرّوبوت مبرمجاً لإدخال المعلومات الشخصيّة، لكنّه لا يستطيع القيام بمهامٍ غير مبرمجٍ مسبقاً عليها، ولذلك لا يستطيع قراءة تلك الأرقام أو الأحرف وإدخالها.

الذّكاء الاصطناعي وُجد لمساعدة الإنسان لا لأن يحلّ محلّه، ولن يكون قادراً على التفوّق على الدّماغ البشري، أقلّه في المدى المنظور.

عندما تمكّن الكومبيوتر ديب بلو من هزيمة غاري كاسباروف، خرج المفكّر “نيوم تشومسكي” برأيٍ تهكّمي: «هذا الأمر يشبه أن يحصل بلدوزر على الميداليّة الذهبيّة في رفع الأثقال بالألعاب الأولمبيّة» ، وأنا شخصيّاً أتبنّى هذا الرّأي حرفيّاً، فالكومبيوتر ذاك كان مبرمجاً بحيث يستطيع تحليل 200 مليون نقلةٍ ممكنة في الثّانية، لكن ماذا عن المهام الأخرى الّتي يستطيع كاسباروف (أو أقرانه) القيام بها في الوقت نفسه، بينما يعجز الكومبيوتر على القيام بها لكونه غير مبرمجٍ عليها؟

لكلّ ما سبق، فإنّ التّوصيف الأكثر دقّةً لوصف الذّكاء الاصطناعي السّائد في الوقت الحاليّ هو تعبير “الذّكاء الاصطناعي الضيّق”. وإلى أن يستطيع الذّكاء الاصطناعي التفوّق على الدّماغ البشري في جميع العمليّات المعرفيّة سابقة الذّكر، بمعنىً آخر إلى أن يتحوّل إلى “ذكاءٍ اصطناعيٍّ فائقٍ”، سيبقى الإنسان سيّد هذا الكوكب الّذي نعيش به.

وفي مجال الطبّ التّشخيصي، أجازت إدارة الدّواء والغذاء الأمريكيّة FDA حتّى الآن استعمال الذّكاء الاصطناعي في ثلاثة مجالاتٍ هي: برنامج تشخيص السّكتة الدماغيّة بناءً على تحليل علاماتها في التّصوير الطّبقي المحوري للدّماغ، وجهاز اكتشاف علامات اعتلال الشبكيّة السكّري لدى البالغين، إضافةً إلى جهاز تشخيص كسور المعصم لدى البالغين بناءً على تحليل الصّور الشعاعيّة المرفقة.

كلٌّ من هذه الأجهزة الثّلاثة يفيد في المسح السّريع من قبل الممارس العامّ فقط، ولا يُغني على الإطلاق عن رأي الطّبيب المختصّ.

خاتمة:

قلت في وقتٍ سابقٍ أنّني أعتقد جازماً بأنّ أسرار الكون الكبرى تكمن في الدّماغ البشري، ومتى ما تمكنّا من إماطة اللّثام عن أسرار الدّماغ فإنّنا سنتمكّن من معرفة أسرار الكون، ولكم كانت دهشتي وسروري بالغين عندما قرأت في أحد الكتب الّتي تتحدّث عن طبّ الأعصاب توصيفاً مشابهاً «الدّماغ هو ذلك الكون الّذي يزن ثلاثة أرطال (أقلّ قليلاً من كيلو ونصف، على اعتبار أنّ الرّطل يكافئ 460 غراماً تقريباً) .

الدّماغ البشري يكافئ الذّات البشريّة. ومن هنا، فإنّ مجرّد فكرة الخلل في وظائف الدّماغ المعرفيّة تعدّ فكرةً مرعبةً تكاد تفوق الرّعب من فكرة الموت لدى الكثيرين.

من ناحيةٍ أخرى، إنّ مقولة «الله محيّي الثّابت» ، الّتي نستعملها في سياقٍ هزليٍّ أو جديٍّ في حياتنا اليوميّة، ليست دائماً صحيحةً أو مجديةً. فمن يبقى ثابتاً في مكانه، بينما العالم من حوله يتقدّم، هو ليس ثابتاً في الحقيقة بل إنّه يتراجع. الأمر نفسه ينطبق على الذّكاء. فإذا لم نزدد ذكاءً مع كلّ تجربةٍ نعيشها، فإنّنا في الواقع نصبح أقلّ ذكاءً.

إحدى أجمل المقولات المنسوبة لآينشتاين، المقولة التّالية: «ليست المعرفة هي المؤشّر الحقيقيّ للذّكاء، بل إنّه الخيال» … كما أنّ الفيلسوف اليوناني القديم سقراط قد قال في سياقٍ تهكّمي حول مفهومه للذّكاء: «أعرف أنّي ذكيٌّ، لأنّني أعرف بأنّي لا أعرف شيئاً» …

وأنا أضيف: الحكمة أهمّ من المعرفة. من الجميل، بل من الرّائع، أن تجتمع الخصلتان معاً، ولكن إن لم يكن الأمر ممكناً، فالأجدى بالنّاس أن يقلقوا بشأن الحكمة أكثر من قلقهم بشأن المعرفة.

بالمناسبة، رغم أنّ والدتي لا تعرف القراءة والكتابة، إلّا أنّي كنت أعود إليها بشكلٍ منتظم عندما كنت أدرس مادّة طبّ الأطفال في الجامعة، وأقسم أنّي تعلّمت منها ما لم أتعلّمه في الجامعة فيما يخصّ أمراض الأطفال الشّائعة والطّرق السّليمة في علاجهم وتغذيتهم كما في تربيتهم.

إليها… إلى أمّي… أهدي هذه المقالة..

تمّت بتاريخ 14 تمّوز 2018

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: