السكوت جزء من اللحن أيضاً – قصة طويلة – عصام حسن

السكوت جزء من اللحن أيضاً – قصة طويلة – عصام حسن

عصام حسن

أحببتُها رغمًا عنّي. لا أجد وصفًا أدقَّ للتجربة التي عشتُها مع حوّاء، السيّدةِ الثلاثينيّةِ ذاتِ الصوت الدافئ والعينين العسليّتين. حدث هذا قبل عقدين من الزمن. كنتُ حينها على وشك الزواج، وليس في نيّتي تخريبُ ما بنيتُه خلال عامين. لكنْ، كيف تُقْنع قلبَكَ بألّا يدقَّ لرؤية امرأةٍ تجلّتْ فيها كلُّ صفاتِ الأنوثة التي تقرأ عنها في القصص والروايات؟ وكيف تُقنعه بألّا يدقَّ أكثر وأكثر حين تعلم أنّ خلف هذا الجمال عقلًا متوقّدًا، وثقافةً، وروحاً مُرهفةً، وموهبةً في العزف والغناء؟

أعلم أنّ الأمر شائكٌ، ويَصْعب أن تجد مَن يتعاطف معك فيه. هذه خيانة؛ ولا عذر لمن خان. هذه هي أحكامُ المجتمع، حادّةً كنصل سكّين. ورغم ذلك، انظرْ إلى مثل هذه الحكايات وهي تحصل في كلّ يوم.

سألتْني، يوماً، صديقتي حنّة: “الحُبّ عصفورٌ، أين تجده أجمل: أفي غابة أمْ في قفص؟” أجبتُها من دون تفكير: “في غابة.” اعتقدتُ أنّ هذه من البديهيّات. لكنْ، ما إنْ فكّرتُ مليّاً، وسحبتُ الفكرةَ من عالم الطيور إلى عالم البشر، حتّى وجدتُني حائراً. ورغم قناعتي بالحريّة فقد ضَبطتُ نفسي مكبَّلاً بفكرة التملّك. وعندما سألتُها عن رأيها، قالت بلا تردّد: “لا فرق!” وحين لاحظتْ أنّني لم أفهم، أضافت مُشيرةً بسبّابتها إلى رأسي: “إنْ لم يكن العصفورُ هنا، فلا فرق.” ومن يومها، وأنا أصِفُها بـ”حنّة الحكيمة.” كنّا حينها طلّاباً في الجامعة. وكانت حنّة حبّي الذي أخفيتُه في صدري فترةً طويلة. وقد بُحْتُ لها بهذا الحبّ في تلك الجلسة بالذات، وتحقّقتْ مخاوفي جميعُها حين صدّتني قائلة: “أنتَ تَصْلح كصديق؛ لكنْ كحبيب ــــ تسكْ ــــ لا تنفع!” وبعد أن أخرجتْ هذا الصوت من بين شفتيها، سحبتْ سيجارةً من علبة تبغي، وقالت: “شعّلْها.” شردتُ بعيداً، ولم أنتبه إلّا وهي تضمُّني، ثمّ تطبع على شفتيَّ قبلةً خاطفةً جعلتني في حالةٍ أسوأ. وبقينا صديقين. وبقيتُ أكنُّ لها حبًّا لم ينقصْ، امتدّ إلى زوجها الذي أصبح صديقي هو الآخر، وإلى طفلهما الشقيّ فيما بعد. وصرتُ كلّما وقعتُ في مشكلةٍ أتساءل: “كيف ستتصرّف حنّة لو كانت في هذا الموقف؟” وذات يوم ناشدتُها في سرّي: “والآن يا حنّة، ماذا أفعل بهذا العصفور اللعين الذي يعربد في رأسي كالمجنون؟ كيف أسكتُه؟ كيف أطْلقه؟ أو ربّما كيف أخنقُه؟ وماذا لو سمِعَتْ صوتَه صديقتُكِ التي ستصبح زوجتي بعد أيّام؟”.

***

“يا ربّ الأرباب، ارحمْ!” أذكرُ أنّني همستُ هكذا حين رأيتُها تقتربُ منّي، وابتسامتُها تنير وجهَها. كنتُ جالساً وحدي، أمامي فنجانُ قهوة، وعلبةُ تبغ، ودفترٌ صغيرٌ أسجّل فيه أسماءَ مَن سأدعوهم إلى حفل زفافي. أغلقتُ الدفتر، وبادلتُها الابتسام، ثمّ نهضتُ واقفاً، فصافحتني متسائلةً: “الأستاذ آدم؟” أجبتُها: “أنا آدم، هل أنتِ حوّاء؟” ابتسمت ابتسامةً خفيفة، وسألتني: “مِن أين تعرفني؟” وحصل بيننا سوءُ فهمٍ لعدّة ثوان: فلا أنا استوعبتُ أنّ اسمَها فعلًا حوّاء، ولا هي اقتنعتْ أنّني اخترتُ هذا الاسم بداعي النكتة. أخيراً، وبعد انجلاء اللبس، جلسنا نتحدّث. واستقبلتُ في هذه الأثناء عدّة اتّصالات من مالينا، خطيبتي، التي استغربتْ تأخّري، وكنتُ في كلّ مرّةٍ أتعلّلُ بسببٍ مختلف؛ ما جعل حوّاءَ تبتسم بحياءٍ وهي تسمعني أسوق الأعذار كي أبقى معها. كنتُ من القلائل الذين يملكون جوّالاً في ذلك الوقت، إذ كانت أجهزةُ الموبايل غاليةَ الثمن، وكذلك الخطّ، بالإضافة إلى الفاتورة التي يعجز أغلبُ الناس عن تسديدها. لكنّ حبّي للتكنولوجيا والحداثة كان أقوى؛ وها أنا أدفع الثمن، وأشعر أنّني مُلاحَقٌ ومُراقَبٌ طوال الوقت.

عرّفتني حوّاء إلى نفسها: صحفيّة، تبحث عنّي منذ بعض الوقت لتجري معي لقاءً عن الجائزة التي نلتُها قبل أشهر عن روايتي، بيتٌ لا يحترق. وفاجأتني بأنّها تعرفُني منذ زمنٍ بعيد لأنّها رأت اسمي مصادفةً على غلاف أحد كتبي، فعلق بذهنها لاقترانه باسمها. إلى أن قرأتْ في الجريدة المحليّة خبراً عن الجائزة، شجّعها على قراءة الرواية، فأعجبتْها، ثمّ بحثتْ عن أعمالي الروائيّة الأخرى وقرأتْها.

كانت تكلّمني بحماس. وكنت أشعر بالذنْب، وفي الوقت ذاته أمنّي النفسَ بما هو أكثر. نسيتُ أنّني “الأديب الكبير” – كما وصفَتْني غيرَ مرّة – ونسيتُ أنّني أحبُّ مالينا التي تنتظرني الآن، ربما لتستشيرني في فستان العرس أو في قائمة المدعوّين، أو فقط لأنّها اشتاقت إليّ. نسيتُ كلّ هذا، وجلستُ أستثمر هذا اللقاءَ إلى الحدّ الأقصى. لا بل فتحتُ باباً جديداً للقاءٍ آخرَ في اليوم التالي بسبب “ضيق وقتي وانشغالي بأمور مهمّة اليوم.” ولم أذكر شيئاً عن مالينا، أو حفل الزفاف!

***

ما إن غادرتْني حتّى اتصلتُ بـحنّة، وسألتُها إنْ كانت تستطيع استقبالي، فرحّبتْ بي. حين سمعتْ قصّتي ضحكتْ قائلةً بسخرية: “قسمًا بالله ستشنقك مالينا لو سمعتْ بالأمر.” قلتُ بتعب: “سأشنق نفسي قبل أن تفعل!” جلسنا نثرثر بهدوء، وكان رأيي أن أُنهي هذه القصّة وأعتذرَ عن لقاء الغد من دون شرحٍ أو تفسير. علّقتْ حنّة ساخرةً: “هكذا يفعل المشاهير.” فأجبتُها محتدّاً: “أين أنا وأين أنتِ؟ هل يمكننا أن نتحدّث بجديّة؟” تظاهرتْ بأنها ترتجف بكلّيّتها، كمن تعرّضَ إلى صدمةٍ كهربائيّة، ثمّ أخرجتْ لسانها من طرف فمها مدّعيةً الموتَ، فنجحتْ بأن جعلتني أطلق ضحكةً عظيمةً ارتجّت لها جدرانُ البيت. عندها، قالت وهي تربّت على كتفي بودّ: “الآن يمكننا أن نتحدّث بجدّيّة. تفضّل؛ احكِ لي كيف قُطعَ ذيلُ الثعلب المكّار.” ودار بيننا جدال طويلٌ أنهَتهُ بسؤال يحمل الكثير من اللوم والعتب والاتّهام: “أنا لا أفهم! كيف تتعلّق بامرأة بهذه الطريقة (الدبّة) وأنت لم ترها إلّا منذ بعض الوقت؟”

لم أعرف كيف أشرح لها أمراً لا أفهمه. كنت أتكلّم بهدوء، لكنْ من دون تركيز. وكانت حنّة تنظر بحياديّةٍ قاتلة، أو تتظاهر أحياناً بعدم الفهم. حتّى سألتُها: “والآن، ماذا أفعل؟” فقالت بكامل الجدّيّة: “افعلْ ما يقوله لكَ ربُّك.” نظرتُ إليها وأنا أتميّز غيظاً، فاستدركتْ بخبث: “أقصدُ قلبك.” “ومالينا؟” سألتُها بغصّة، فأجابتني: “لماذا افترضتَ أنّني أدفعُكَ إلى حضنِ حوّائكَ، لا في الاتّجاه الآخر؟” عندها فقط عرفتُ هولَ ما أنا فيه، ولاحظتُ أنّها تنظر إليّ نظرةً غريبةً أخافتني، فسألتُها: “ماذا هناك؟”

ساد صمتٌ للحظات، ولا أعلم لماذا خطر في بالي أن أسألها، بصوتٍ تعمّدتُ أن يكون غايةً في الهدوء: “هل خنتِ زوجكَ يوماً؟”
كانت حنّة في تلك اللحظة أشبهَ بغزالةٍ تقترب متوجّسةً من نبع ماء، وكنتُ الصيّادَ المتخفّي في الدغل القريب: أدرسُ حركاتي، بل أنفاسي، كي لا تشعرَ بي وتجفل. وعرفتُ أنّني نجحتُ حين قالت بكلّ بساطة: “حصل.” فعلتُ المستحيل كي أبقى طبيعيّاَ، واستطعتُ السيطرةَ على نفسي أمام نظراتها التي شعرتُ أنّها تخترقني كالمخرز. ثمّ كان لا بدّ من السؤال التالي، لكنّي تريّثتُ قليلاً؛ فالحديث بيننا تحوّل إلى وترٍ مشدودٍ، وكلٌّ منّا يلمسُه بأرقّ طريقةٍ ممكنةٍ، فيُصدر نغمةً تتنافر أو تتوافق مع نغمة الآخر. لكنّنا، في النهاية، كنّا نعزف لحناً مشتركاً، وكنتُ حريصاً على ألّا ينقطعَ هذا الوتر. بدا واضحاً أنّ حنّة تنتظر سؤالي التالي. عرفتُ ذلك من عينيها. وعرفتُ أيضاً أنّ الجواب مرهونٌ بأسلوبي في طرحه. وكان هذا الصمتُ فرصةً للتدقيق في قسماتها. كان جمالها من النوع الذي تكتشفه اكتشافاً؛ قرأتُ في مكانٍ ما عن هذا النوع من الجمال المخبوء بين النظرات أو الابتسامات أو الإيماءات، أو خلف الأفكار وطريقة الحوار. وكانت حنّة، بهذا المعنى، جميلةَ الجميلات.
امتدّ صمتي فترةً أطولَ ممّا يتحمّل اللحنُ، فبادرتني بالقول: “في عينيك سؤالٌ، اسألْ!” ولم أتردّد: “هل أعرفُه؟”
– بل هل تعرفُها؟
قالت بمنتهى الهدوء، ثمّ غرزتْ نظراتِها فيِّ. لم ألحظْ أيَّ نوع من التوتّر لديها، لا في كلامها ولا في حركاتها ولا في نظراتها القاسية. وبشكل فاجأني، أنا نفسي، وجدتُني أفكّر بـحوّاء، واشتهيتُ أن تكون شريكتَها في تلك المغامرة الجنسيّة. فتنحنحتُ وسألتُها: “هل أعرفها؟” امتدّ الصمتُ بيننا من جديد. كان صمتاً ضروريًاً كما قدّرتُ؛ فـحنّة تعرف ماذا تفعل. وأخيراً سألتْني متابعةً اللحن: “أنتَ صديقي أليس كذلك؟” أمسكتُ بكفّها الطريّة ولم أقل شيئاً؛ فقد كان جوابي في عينيّ. أضافت: “أنا أراهن على ذلك. ولكنْ، عليك أن تقرّر الآن، هل تريدني أن أكذب عليك؟ أمْ تريد الصدق؟ أمْ تسحب سؤالك وننسى الأمر؟” وبما يشبه الهمسَ ختمتْ حديثَها: “جوابي لن يعجبك.”

كان اللحن يتصاعد. وكان من المفترض أن يصل إلى نهايته بنغمةٍ شديدةِ الحدّة. قلت: “بل أريد الصدق.” فجاءني صوتُها صادقاً كقالبٍ من الجليد، تجمّدتْ معه نغماتُ اللحن، وانقطع الوترُ ليصدر طنيناً ملأ الجوّ.
“إنّها مالينا،” همستْ وعيناها مصوَّبتان إليّ. وبعفويّةٍ قلتُ، وأنا أشدّد على كلّ حرف: “مالينا؟!” فأكّدت لي: “مالينا.” أعدتُ السؤال غير مصدّق: “مالينا، مالينا؟” وبهزّة من رأسها حسمت الأمر. بقيتُ مصدوماً للحظات، وبقيتْ حنّة صامتةً، ونظراتُها تقول: لقد حذّرتُكَ!

ثمّ روت لي تجربتَهما الجنسيّةَ الفريدة. وعرفتُ أنّها كانت تجربةً يتيمةً، وأنّ مالينا كانت هي المبادِرة، وأنّ الأمر بدأ كمزحة، وأنّ حنّة جارَتْها بالمزحة، التي تحوّلتْ، خلال ثوان، إلى شيءٍ فاجأها وأربكها، لكنّ الأوان كان قد فات. وقالت أيضاً إنّها أشفقتْ عليها بدايةَ الأمر، ثمّ اعترفتْ بأنّها انخرطتْ في التجربة بعد دقائق. واسترسلتْ في وصفِ ما حصل، معتبرةً هذه التجربةَ من أروعِ ما عاشته. وقالت ممتدحةً مالينا:
“كانت شريكاً رائعاً. كانت تعرف تماماً ما أريد. كانت تتصرّف معي كما تُحبّ أن يتصرّف معها شريكُها في السرير. وكانت تخاطبني أثناء ذلك كما تُحبّ أن تُخاطَبَ هي أيضًا أثناء ممارستها الجنسَ. وكان هذا يثيرني. وصرتُ أبادلها الكلامَ بالمثل. وحين بلغتْ ذروةَ نشوتها تشنّجتْ ونشبتْ أظافرَها في ظهري، وأخذتْ تعتصرني بقوّةٍ رهيبة، وتُصدر تنهّداتٍ متلاحقةً وأنّاتٍ عميقة. وكنتُ أثناء ذلك أطلقُ أصابعي وشفتيّ في جسدها، وأقودُها بهدوء إلى حافّة اللذّة، وأحلّق معها، محطِّمةً كلَّ المحرَّمات التي تربّيتُ عليها، من دون خجلٍ أو شعورٍ بالذنب.”
وأنهتْ حديثها بأن قالت: “حصل هذا بعد زواجي بخمس سنواتٍ تماماً. حينها كنتما عاشقيْن جديديْن، ولم يكن الجنسُ قد دخل حياتكما بعد.”
كنتُ أستمع بذهول وأنا جالسٌ على الأرض، مستنداً إلى الكنبة. وكانت حنّة على الكنبة المقابلة، تنظر إليّ بصمتٍ وهدوءٍ عجيبيْن. وكانت ثمّة أسئلةٌ تتردّد في ذهني: “لماذا روت لي حنّة هذه القصّة، وفي هذا التوقيت بالذات؟ هل أرادت تحريري من عقدة الذنْب التي لبستْني بعد لقائي بـحوّاء؟ وهل تُعتبر هذه خيانةً بالفعل؟!”

كنتُ بحاجة إلى مَنفذٍ للخروج من هذا الموقف، وأظنّها كانت مثلي. ابتسمتُ قائلاً: “شكراً لكِ، أضفتِ إلى عالمي بعداً آخر.” فردّت: “شعرتُ أنّ من حقّك أن تعرف. وما دمتَ سألتني فقد كان لا بدّ من أن أجيبك.” “لذلك أشكركِ،” قلتُ وأنا أحاول النهوض، فمدّت يدَها وساعدتني. وقفنا وجهاً لوجه، فعانقتُها ولم تمانعْ، وبكت معي حين بكيتُ. بقينا كذلك لعدّة ثوان، قبل أن تسألني: “ما رأيك لو نأكل؟ عندي ملوخيّة ورزّ.” ثمّ أضافت: “الصغير في المدرسة، وصديقُك لن يأتي قبل العصر.” ومن طريقتها في الكلام شعرتُ بأنّها تشفق عليّ، وشعرتُ أنّني أتسوّل تعاطفَها، وأنّني أبحث عن عذرٍ يتيح لي أن أذهب بعيداً في قصّتي مع حواء. فقلت، وأنا أنظر في عينيها عن قرب: “هل هذا يعني أنّ مالينا خانتني معك؟” ضحكت قائلةً بسخرية: “ماذا تعرف عن الخيانة أنت؟” وأضافت موبِّخةً: “ألا تخجل أن تفكّر بهذه الطريقة؟” ولا أعلم لماذا شعرتُ بالخجل فعلاً، وكنتُ على وشك الاعتذار عندما خاطبتني بلهجةٍ فوقيّة: “لو كنتَ امرأةً لما سألتَ هذه السؤال. المرأة يا صديقي لا تخون. المرأة في مثل هذه الحالات تعمل على تقويم اعوجاج الكون.” للحقّ لم أفهم تماماً ما رَمَت إليه. لكنّ القول أذهلني، فابتسمتُ معجباً، ما جعلها تعود إلى طبيعتها الساخرة لتهمس بتهكّم: “أيُّ كاتبٍ أنت؟!” ثمّ تتركني مبتعدةً، وتتّجه نحو الهاتف، قبل أن تذهب إلى المطبخ، لتكلّمَ مالينا وتدعوها إلى المجيء لتتناول الطعام معنا.

***

وصلتْ مالينا يسبقها غضبُها، وتلقّيتُ كلامَها العاصفَ بهدوء، واعتذرتُ عن تأخّري. لم تسامحني مالينا رغم تدخّل حنّة، التي حوّلت الموقفَ إلى نكتة، فقالت بلؤم: “حبيبكِ رَجل؛ لا تؤاخذيه.” جاءني كلامُ حنّة ثقيلاً وجارحاً، لكنّي آثرتُ الصمت. ولحسن الحظّ لم تسألْ مالينا عن مغزى الكلام، وبقيتْ متمترسةً خلف عبوسها، واكتفت بالقول: “دعونا نأكل.”

أثناء تناولنا الطعامَ، دار حديث بينهما لم أنتبه إليه؛ فذهني كان في مكانٍ آخر تماماً. وبعد انتهائنا من الطعام، هدأت العاصفةُ قليلاً، وتبادلنا عدّة كلماتٍ لطيفة، بل سمحتْ لي بتقبيلها. وكنتُ أحدّث نفسي: “إنْ كان تأخّري لساعاتٍ قليلةٍ فعل بها هذا، فكيف كانت ستتصرّف لو عرفتْ بقيّة القصة؟” واجتاحتني رعشةٌ خفيفةٌ لمجرّد مرور الفكرة في ذهني. وعاتبتُ نفسي قائلاً: “ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟!”

في صبيحة اليوم التالي، استيقظتُ على رنين جوّالي، ورأيتُ اسمَ حوّاء يتوهّج على شاشته. لم أحْتَج إلى أكثر من صوتها وهي تقول: “صباح الخير” حتّى أتراجعَ عن كلّ وعدٍ قطعتُه على نفسي مساء البارحة. واتّفقنا على أن نلتقي بعد ساعةٍ في المقهى البحريّ، حيث أحبّ أن أقضي ساعاتِ الصباح عادةً. وهناك، وجدتُها تنتظرني كما أشتهي أن أُنتظر: حوّاء الفاتنة بكامل أناقتها، وابتسامتِها الساحرة، ومن خلفها الأزرقُ العظيم وبعضُ الغيم، ونوارسُ تروح وتجيء، ومراكبُ مزركشةٌ تعبث بالمشهد كأنّها ريشةُ فنّانٍ تترك علامةً هنا وأخرى هناك وخطوطاً بيضاء تتقاطع ثمّ تتلاشى. جلسنا ساعتين، لم نتكلّم فيهما حرفاً واحداً عن الأدب أو الرواية أو الجائزة أو اللقاء الذي كان سبباً لوجودنا معاً.

***

خلود خويص
خلود خويص

أجلس الآن في المكان ذاته الذي جلسنا فيه قبل عقدين من الزمن، خلف الطاولة ذاتها. إلّا أنّ الطقس في الخارج لا يشبه طقسَ ذلك الصباح الربيعيّ الجميل، ولا أنا أشبِهُ الشخصَ الذي كنتُه. أجلس وحيداً وأتذكّر كيف مضى الوقت، يومها، من دون أن ننتبه؛ وكيف وضعتُ يدي فوق يدها بحركةٍ عفويّة، وكيف أبقتْ أصابعها تحت كفّي، فضغطتُ عليها برفق، ثمّ سحبتُ يدي وتابعتُ الحديث كأنّ شيئاً لم يحصل. كنتُ حينها مضطراً إلى السفر، بعد يومين، إلى عمّان من أجل الاتّفاق مع دار نشرٍ هناك اهتمّتْ بنشر روايةٍ جديدةٍ لي لم أنتهِ منها بعد. فذكرتُ الأمرَ أمامها، راجياً في سرّي حدوثَ معجزة تجعلنا نسافر معاً. لكنّ الله ــــ كما يبدو ــــ لا يحبّ هذا النوع من المعجزات، فلم يأبه. وعندما سألتُها إنْ كانت تعرف أحداً في عمّان، قالت ضاحكةً: “أنا أردنيّة الأصل، لكنّي ولدتُ في دمشق، وعشتُ في سوريا مع والديّ، متنقّلةً بين عدّة محافظات.” وعندما سألتُها عن أخبار القلب، قالت: “سأروي لك قصّتي مع الحبّ في ما بعد.” قلت: “بل الآن. مَن يعلم؟ ربما نموت غداً!” لكنّها أصرّت على تأجيل الحديث إلى حين عودتي من السفر. وبعد لحظاتٍ من الصمت، قالت: “كي أُرضي فضولك فقط، يمكنك القولُ إنّني لم أذق طعمَ الحبّ الحقيقيّ أبداً.” ثمّ فتحتْ حديثاً آخر عن عائلتها الكبيرة في الأردن، وزوّدتني برقم هاتف عمّها، وأخبرتني أنّه يعرفني وسيفرح كثيراً لو زرتُه. ثمّ انتقلتْ إلى حديثٍ آخر، وأنا شاردٌ في حركاتها وابتساماتها الساحرة.

هناك أشخاصٌ يزيدهم الابتسامُ جمالاً، وآخرون – إنِ ابتسموا – قلتَ: “ليتهم لم يفعلوا.” وتذكّرتُ شخصيّة “نوسة” في روايتي الأخيرة، وابتسامتَها التي ساعدتْها على الخروج من عدّة مآزق مع الرجال. وتذكّرتُ شدّةَ عذابي في البحث عن أعذارٍ لها بسبب خيانتها زوجَها، وبقيتُ حتّى آخر الرواية أدافعُ عنها أمام شكوك الزوج وغضبِ العاشق الذي كان يطالبها بأكثر من طاقتها. لم أخطّط لإدخال نوسة عالمَ روايتي بهذا الشكل الفاعل، لكنّني كنتُ في حاجة إلى حدثٍ جانبيٍّ يكسر السردَ التقليديّ الذي كنتُ أسير فيه. كنتُ في حاجة إلى خَدش المثاليّة المفرطة التي يفرضها الدينُ والتقاليدُ والتربيةُ والأفكارُ المتشدّدة. كنتُ في حاجةٍ إلى القول: “إنّ هناك مجتمعاً آخر غير هذا الذي يطفو على السطح؛ مجتمعاً يعلن احتجاجَه بلا ضجّة؛ مجتمعاً أكثرَ رحمة.” وهكذا فتحتُ لنوسة باباً واسعاً دخلتْ منه إلى عوالم الرواية، وتمدّدتْ فيها، حتّى أصبحتْ تلك العوالمُ – على اتّساعها – ضيّقةً عليها؛ الأمرُ الذي جعلني أعيد النظر في أحداث الرواية كلّها، فأعيد كتابتها، لأضع نوسة – مع ابتسامتها – في مركز الدائرة. وبسبب ذلك، كما كتب بعضُ النقّاد، نلتُ تلك الجائزة. وأذكر كيف عبّرتْ حنّة عن إعجابها بـنوسة عندما قالت لي: “مبروك آدم، لقد خلقتَ مَن سيُخرجُك من الجنّة. لقد أصبحتَ حرّاً.” وأشادت بطريقة معالجتي لمغامرة نوسة العاطفيّة خارج المؤسّسة الزوجيّة قائلةً: “جعلتنا نتعاطف معها رغم كلّ شيء.” كنتُ بحقٍّ مَدينًا لنوسة التي كانت، في ذلك اليوم، تجلس أمامي منتحلةً شخصيّةَ حوّاء التي لم تخرجْني من الجنّة فقط، بل من عقلي أيضاً، وجعلتني أقف أمام قناعاتي وجهاً لوجه، فأبدو ضعيفاً، جباناً، غريقاً يتعلّق بقشّة. ولم يحصل كلُّ هذا لأنّ حوّاء أغوتني (فهي لم تفعل)، لكنْ كان يكفي وجودُها – مع ابتسامتها الفاتنة وصوتها الدافئ – لأهوي من شاهق قِيَمي ومبادئي، وأتحطّمَ أمامها كتمثالِ ديكتاتور. انتهى ذلك اللقاء، ولم نتكلّم عن الرواية والجائزة. وكان هذا سبباً لموعدٍ آخر بعد عودتي من عمّان.

***

سارت الأمور مع دار النشر على أفضل ما يرام. وفي اليوم التالي لوصولي إلى عمّان، التقيتُ عمَّ حوّاء وقضيتُ معه وعائلته وقتاً لطيفاً. في تلك الليلة حلمتُ حلماً غريباً، كانت حوّاء شريكتي فيه: كانت تقف أمامي عاريةً، وكنتُ أقبّلُها في أنحاء جسدها، وأمرّر أصابعي فوق تفاصيله. ومع كلّ لمسةٍ، كانت تصدر نغمةً موسيقيّةً، كأنّني أنقرُ فوق مفاتيح بيانو، أو أضربُ على أوتار غيتار. واصلتُ العزفَ صاعداً هابطاً على مفاتيح جسدها، أطلقُ النغمات، وأملأ السكتات بضغطات خفيفةٍ من أصابعي هنا وهناك، أو بقبلاتٍ أشبهَ بالفراشات، لا تكاد تحطّ في مكانٍ حتّى تطير ساحبةً خلفها ظلالَها، لتعود وتعانق جسدَها من جديد. وكانت حوّاء تتلوّى بما يتّفق مع لمساتي، وفراشاتي الحائمة. كنّا ثنائيّاً مدهشاً أثرنا إعجابَ الحضور – لمحتُ بينهم مالينا – ممّن احتشدوا حولنا، وصفّقوا لنا طويلاً عند انتهائنا من هذه الملحمة التي تُوِّجَت بالتحامٍ قويّ لجسدينا، وبمئات الأجنحة التي رفرفتْ وحملتنا بعيداً إلى المحطّة الأخيرة حيث ينتهي الحلم، لأستيقظ من فرط الإجهاد، وأجدَ نفسي مبلّلاً بالعرق واللذّة.
لا أذكر أنّني استمتعتُ في الحياة الواقعيّة كما استمتعتُ في هذا الحلم. ولا أذكر أنّني حلمتُ مثل هذا الحلم مذ كنتُ مراهقاً. وعرفتُ أنّ الله استجاب لدعواتي، لكنْ على طريقته؛ إذ وجد حلّاً معقولاً يرضيني ولا يخالف القوانين.

***

في طريق عودتي إلى الوطن مررتُ ببيروت، ومن هناك توجّهتُ إلى دمشق، ثمّ إلى مدينتي الساحليّة حيث كانت تنتظرني نهايةُ مرحلةٍ مهمّةٍ من حياتي. عند مدخل المدينة، أخرجتُ جوّالي واتصلتُ بحوّاء، قبل أن أتّصل بـمالينا التي كانت تنتظرني على أحرّ من الجمر. “ألو،” جاءني صوتُ حوّاء كنسمةٍ جبليّةٍ باردةٍ في يومٍ قائظ. بقيتُ صامتاً لبرهةٍ، ما جعلها تعيد متسائلةً: “ألو… آدم؟” “نعم، آدم،” قلتُ وقلبي يرقص فرحاً، ثمّ استرسلتُ في الكلام، كما يفعل المراهقون، ورحتُ أحدّثها عن رحلتي. عن عمّان. عن صاحب دار النشر. عن عمّها اللطيف. عن حلمي الغريب معها، من دون ذكر تفاصيله رغم إصرارها. عن بيروت وأصدقائها. عن دمشق وغربائها. عن اشتياقي إليها. لم أستطع منع نفسي من التلفّظ بـ”اشتقتلِّك.” ولم أسمعْ منها جواباً. لكنّها قالت بعد تردّد: “يجب أن أراكَ غداً من أجل اللقاء الصحفيّ.” قلتُ مجدّداً: “اشتقتلِّك.” “هل يمكننا أن نلتقي غداً صباحاً؟” قالت وبدا صوتُها أكثرَ ليونةً. “اشتقتلِّك،” قلتُها هذه المرّة همساً. فسمعتُ ضحكتها اللطيفة مثلها، ثمّ قالت بإصرار: “هل سنلتقي غداً؟” ولم أتراجع، بل تابعتُ: “اشتقتلّك.” ساد الصمتُ للحظات. كنتُ أسمع تنفّسَها. وعرفتُ من إيقاعه أنّها مربكة. فقررتُ إنهاءَ الأمر، وقلتُ: “وأنتِ اشتقتيلي كمان.” فضحكتْ وقالت: “طيّب، متل ما بدّك.” ثمّ اتّفقنا على اللقاء صبيحة اليوم التالي، أيْ قبل زفافي بيومين فقط!

التقيتُ مالينا فور وصولي. وجدتُها تنتظرني على شرفة بيتهم. وما إنْ رأتني أخرج من السيّارة حتى ركضتْ ورمت بنفسها عليّ. احتضنتُها بقوّة وقبّلتُها. وكانت تردّد طيلة الوقت: “بحبّك.” وكنتُ أشعر بالذنب مع كلّ كلمة. قضينا معاً معظم ساعات النهار، ووضعنا الترتيباتِ الأخيرة لحفلة العرس. وفي المساء، تفرّغتُ لبعض أصدقائي الذين اتّصلوا بي خلال النهار. صبيحة اليوم التالي، كنتُ مزروعاً في المقهى بانتظار حوّاء. ولم أنتظر طويلاً؛ فها هي تظهر بأناقتها البسيطة وابتسامتها الساحرة ورائحة عطرها المميّزة. شربنا القهوة. وتحدّثنا ثانيةً عن زيارتي إلى عمّان وبيروت. ثمّ أخرجتْ جهاز تسجيل صغيراً، وبعد مقدّمةٍ بسيطةٍ بدأتْ حوارها كالآتي: “كيف ينظر الروائيُّ إلى التاريخ؟” أعجبني أنّها بدأتْ بهذه الطريقة. وأعجبني أكثر عندما اكتشفتُ، بعد عدّة أسئلةٍ، أنّها حضّرتْ جيّداً لهذا اللقاء، فجاءت أسئلتُها متسلسلةً بشكلٍ منطقيّ، لتصنع من الإجابات صورةً بانوراميّةً عن رحلتي في عالم الرواية.

مضى أكثر من ساعة ونصف الساعة ونحن نتكلّم. وكنتُ سعيداً باللقاء، على خلاف كلّ اللقاءات السابقة التي كنتُ أجد نفسي فيها متَّهماً، وعليّ الدفاع عن نفسي وعن كتابتي، في حين كنتُ أشعر في مقابلتي مع حوّاء أنّني أمام مرآةٍ وضعتْها قبالتي. تحدّثتُ حتّى تعبتُ. وكانت حوّاء سعيدةً أيضاً، ولا تتدخّل بعد طرحها السؤالَ إلّا في حالاتٍ قليلةٍ لتذكّرَني بتفصيلٍ معيّن، أو لتفتحَ لي نافذةً جديدةً تؤدّي إلى موضوع ٍجديد. أخيراً، طلبتُ منها استراحةً فوافقتْ. دعوتُها إلى الغداء في مطعمٍ جبليٍّ أتردّد إليه عادةً، فوافقتْ أيضاً. خلال دقائق، كنّا خارج المدينة في طريقنا إلى الجبال، حيث الهدوء والهواء النقيّ، وحيث تتوقّد المشاعر وتفرض نفسَها على أرواح العاشقين. ولكنْ، هل أنا عاشقٌ حقّاً؟ ماذا أسمّي مشاعري تجاه حوّاء؟ وإنْ كانت حبّاً، فماذا أسمّي مشاعري تجاه مالينا؟ وتلذّذتُ بيني وبين نفسي بوصفها بالخائنة؛ نعم، مالينا خانتني مع حنّة؛ نعم خانتني. إذاً، واحدةً بواحدة! ولا يهمّ إنْ كانت خانتني مع رجل أو امرأة. المهمّ أنّها منحتْ جسدَها أحداً غيري. لم أكن مقتنعاً، في قرارة نفسي، بهذه الأفكار. لكنّها كانت الطريقةَ الوحيدةَ لتبرير مشاعري تجاه حوّاء. كنتُ بحاجة إلى هذا التبرير، وقد منحتني إيّاه حنّة!

في المطعم، شعرتُ بحوّاء أكثر قربًا منّي، وصارت تتقبّل غزَلي وتردّ عليه بشكلٍ ملتبس. ولم تُبْعد يدَها عندما أمسكتُها، بل خفضتْ نظرها، واحمّرت من الخجل، وارتبكتْ، وتنهّدتْ، ثمّ قالت كأنّها تشتكي: “لم أشعر هكذا منذ سنواتٍ طويلة.” وبعد هذه الجملة تغيّر كلّ شيء. تغيّر الحديثُ واللهجة والموضوع. وتغيّرتُ أنا شخصيًاً. صرتُ أكثر جرأة. وسألتُها عن مشاعرها تجاهي. لكنّها لم تجبني، وقالت بخجلٍ: “بكّير.” لكنّني كنت مستعجلاً. وأعدتُ السؤال بطريقة المزاح. فضحكتْ قائلةً: “ما بعرف. بس حاسّة حالي بعالم تاني. عالم كنت إحلم فيه.” في تلك اللحظة، فهمتُ دوافعَ الأشخاص الذين يعبّرون عن فرحهم بإطلاق الرصاص. وتخيّلتُ نفسي أسحب مسدّساً من خصري وأطلق عدّة رصاصاتٍ في الهواء مع صيحة: “يسعد الله.” أخبرتُها بما راود ذهني، فضحكتْ حتّى بكت، وساح كحلُها فوق خدّيْها. كانت قد تخلّت عن رزانتها نهائيًاً، وأطلقتْ ضحكتها لتردّد صداها الوديانُ القريبة، ولأضحك معها وأشاركَها هذا الهبلَ الطفوليّ الجميل. وكلّما التقت نظراتُنا، كنّا نعود وننفجر بالضحك كالمجانين. وكانت كلّما التقطتْ أنفاسَها تقول: “فظيع منظرك وأنت تسحب مسدّسك وتطلق الرصاص.” ولم ننتبه إلّا وكلُّ العاملين في المطعم يراقبون ما يحصل، فرفعتُ كأسي تحيّةً لهم، وردّوا التحيّة بأحسن منها ضاحكين. عندما خرجنا من المطعم كنتُ أحيط خصرَها بيدي، وكانت تسند رأسَها على كتفي وتخبرني عن مدى سعادتها بالتعرف إليّ. وكانت مالينا تلاحقُني باتّصالاتها التي اخترتُ هذه المرّة ألّا أردَّ عليها، وفصلتُ جهازي كليًاً، قبل أن أضعَه في جيبٍ جانبيّ من باب السيارة. كانت حوّاء منتشيةً تمامًا بسبب العرق الذي شربناه، وبسبب الطقس والكلام والمشاعر. وكنتُ مثلها منتشياً ومتحرّراً من كلّ شيء. كنتُ، في تلك اللحظة، على استعدادٍ لركل العالم كلّه، والصراخ في وجه الله شخصيًاً لو وقف أمامي.

“والآن، أين سنذهب لنكملَ اللقاء؟” سألتني حوّاء بطريقةٍ حلوةٍ، وبصوتٍ أقربَ إلى المواء! شعرتُ أنّها تقول لي: “دعنا نذهب إلى السرير.” سيطرت الفكرةُ عليّ، فغامرتُ قائلاً: “عندي بيتٌ ريفيّ يبعد حوالى نصف ساعة بالسيّارة. ما رأيك أن نذهب إليه؟” نظرتْ إلى ساعتها، وأشكّ في أنّها قرأتْ فيها الوقت. قالت بغنج: “بقيتْ عدّةُ أسئلة. هل يستحقّ الأمر الذهابَ من أجلها إلى هناك؟” كنتُ أريدها أن تقرّر بنفسها كي لا أبدو كمن ينصب لها فخّاً. لذا نظرتُ إلى ساعتي أنا الآخر، وقلت: “لا أعلم، ولكنْ معنا الكثيرُ من الوقت.” ثمّ أدرتُ محرّك السيّارة وانطلقتُ بهدوء، تاركاً لها الوقت اللازم لاتّخاذ القرار. عندما وصلتُ إلى مفارق الطرق التي يجب أن نقرّر عندها وجهتَنا، وقفتُ وسألتُها أن تختار الطريق الذي سنذهب فيه. كانت أمامَنا ثلاثُ وجهات: إمّا أن نستمرّ في مسيرنا إلى الأمام فنعودَ إلى المدينة، أو نذهب يساراً باتّجاه بيتي الريفيّ، أو يميناً حيث لا أدري أين يأخذنا الطريق. ضحكتْ حوّاء وقالت محتارةً: “وماذا لو اخترتُ الطريق الخطأ؟” فسألتُها: “وما هو الطريق الخطأ؟” ضحكتْ أكثر وأجابتني: “الطريق الذي لا تريدُني أن أختاره.” “وما هو الطريق الذي أريدكِ أن تختاريه؟” سألتُها بمنتهى الجدّيّة. فقالت بجدّيّةٍ مماثلة: “تريدني أن أختار طريقَ البيت الريفيّ.” ثمّ غيّرتْ لهجتها قائلةً بابتسامةٍ ساحرة: “وأنا أريد ذلك. لكنّي أريد أن ألعب هذه اللعبة معك. ودعنا نقبل نتيجتَها مهما كانت.” قلت: “موافق.” وتركتُ لها المجالَ من جديد للتفكير. كنتُ خائفاً أن تختار الوجهةَ الخطأ فعلاً، لذا قرّرتُ أن أوحي لها بالجواب الصحيح، فحرّكتُ مقودَ السيّارة حركةً خفيفةً جدًاً باتّجاه اليسار. أوحت إليّ أنّها التقطت الإشارة، فقالت بثقة: “لنذهب يساراً وليكن ما يكون.” لم أبدِ أيّ ردّة فعل. واستدرتُ بالسيّارة يساراً.

بعد أقلّ من نصف ساعة، كنتُ أركن سيّارتي أمام البيت الذي أذهلها جمالُه، وموقعُه المطلُّ على سهلٍ يخترقه نهرٌ عظيمٌ تحيط به الجبالُ من كلّ صوب. وما إنْ ترجّلنا من السيّارة حتّى احتضنتُها، فسّلمتْ نفسها إليّ. قبّلتُها كما أشتهي، وتلقّت قبلاتي كأرضٍ تشتاق إلى المطر.
دخلنا البيت، وكانت لنا جولةٌ من القبلات بعد العتبة بخطوات، ثمّ جولةٌ في كلّ غرفةٍ وأنا أعرّفها إلى المكان. إلى أن انتهينا إلى غرفة النوم ذات الواجهة الزجاجيّة الواسعة، المطلّةِ على السهل العظيم. هناك عرفتُ أنّ حوّاء خُلقتْ لي، ورأيتُ خسارتي بأمّ العين، لكنّ رغبتي كانت أعظم. كنتُ مستعدًاً للتخلّي عن كلّ شيءٍ مقابلَ هذه اللحظات. لذلك أسكتُّ كلّ صوتٍ في داخلي، وغرقتُ مع حوّاء في بحر العشق، وعشت من جديدٍ تجربةَ الحلم الذي شاركتْني فيه، وعدتُ لأعزف اللحن ذاته… لكنّي، هذه المرّة، كنتُ أعزفه بعنفٍ، وبإيقاعٍ أسرع، وبجنونٍ جارتْني به حوّاء. وتبادلنا الأدوارَ عدّة مرّات. ووصلنا إلى سابع سماء، ثمّ هبطنا إلى سابع أرض. لهوْنا كطفلين. وضحكنا كمخبولين. ثمّ بكينا كأبطال ألف ليلة وليلة. ولم أكن أعلم، قبل اليوم، أنّ اللذّة تُبكي المرء.

لم تنسَ حوّاء واجبها المهنيّ، فطلبت أن نكمل الحوار. أخرجتْ جهاز التسجيل، وبدأتْ من حيث انتهينا، ولكنْ في مناخٍ آخر، وبروحٍ أخرى، ومزاجٍ بقيتُ أعيش على ذكراه حتّى اليوم. كنّا معاً في السرير: هي في حضني، وجهازُ التسجيل فوق صدري، وأنا أسترسل في الكلام كأنّي لم أتكلّم قبل اليوم. وكنتُ أكسر الجدّيّة، كلّ عدّة دقائق، وأتكلّم كلاماً لا علاقة له بالحوار؛ كأن أقول: “… وهكذا وجدتُ نفسي أتمرّغُ في حضن حوّاء الصحفيّة الفاتنة…” فتصرخ، وتنتفض ضاحكةً، لتأخذ جهازَ التسجيل وتمسح المقطع، ثمّ تعود إلى تشغيله من جديد. وفي بعض الأحيان كان الأمر يتطوّر، فنغرق من جديدٍ في موجةٍ من القبل، ويضيع الجهازُ بين الأغطية، فيسجّل أصواتَ تنهّداتنا وضحكاتنا وشيطناتنا، فنبحث عنه، ونمسح التسجيلَ خوفاً من وقوعه في أيدي الغير.

ماذا أريد أجمل من لقاءٍ صحفيٍّ كهذا؟! كنتُ أحسد نفسي، وأتمنّى أن يطول اليومُ إلى آخر العمر. لكنّ الأمنيات لا تتحقّق لمجرّد تفكيرنا فيها، بل يحصل، في كثير من الأحيان، أن يقع ما يخالف أمانيكَ بشكلٍ لا يمكن تصديقه. وهذا ما حصل ذلك اليوم.

فما إنْ تمنيّتُ هذه الأمنية حتّى سمعتُ صوتَ سيّارةٍ تقف عند مدخل البيت، وصوتَ أبواب تُفتح ثمّ تُغلق بشكلٍ عنيف. قفزتُ من السرير كالمجنون، ونظرتُ من النافذة، لأجد سيّارةَ حنّة أمام الباب. وما كدتُ أستوعب ما رأيتُ حتّى سمعتُ صوتَ مفتاحٍ يدور في الباب الخارجيّ، وصوتَ مالينا يملأ المكان، ومن خلفها حنّة تحاول تهدئتها. نظرتُ إلى حوّاء، فوجدتُها جامدةً كتمثالٍ من الشمع، وفي عينيها ألفُ سؤال. وقبل أن أجدَ الفرصة للتصرّف، كانت مالينا تقف وسط الغرفة، ومعها حنّة التي بدت أنّها هي الأخرى قد تفاجأتْ بما رأته. وعرفتُ في ما بعد أنّها لم تعرف فعلاً إلى أين تريد مالينا اصطحابَها، وأنّها وافقتْ على مرافقتها على سبيل التعاطف معها بسبب الضغط النفسيّ الذي كانت تعانيه، والشكوكِ التي راودتْها جرّاء اختفائي اليوم كلّه وإغلاقي هاتفي الجوّالَ.

أشفقتُ على حوّاء التي تحوّلت، خلال لحظاتٍ، إلى مومياء ترتجف من الرعب. كانت لا تزال في السرير تستر عريَها بالملاءة، وتشدّها إلى صدرها بطريقةٍ مضحكة. وكنتُ أقفُ عارياً قرب النافذة أستر عورتي بكلتا يديّ. أمّا مالينا، فكانت كاللبوة المتوحّشة، ولكن الخائفة من الإقدام على أيّ فعل. أملي الوحيد كان حنّة، التي تقدّمت منّي، وناولتني شرشفاً كان على كرسيٍّ قريب، ثمّ عادت إلى مكانها من دون أن تنبس بحرف.
في تلك اللحظة ضغطتْ حوّاء، بطريق الخطأ ــــ وهي تحاول الاختفاء تحت الأغطية ــــ على زرّ التشغيل في جهاز التسجيل، وخرج صوتي ليقول: “… الرواية العربيّة تقف عند حدود الجغرافيا ولا تتعدّاها بسبب حركة الترجمة…” قبل أن تسارع بحركةٍ هستيريّةٍ إلى إيقافها، ليبقى صدى كلماتي يتردّد في هذا الفضاء السرياليّ الغريب.

كانت مالينا تتنفّس بصعوبة. وكنتُ، للمرّة الأولى في حياتي، أتنبّهُ إلى أنّها ليست جميلةً بالطريقة التي كنت أراها فيها من قبل. كنت، في هذه الأثناء، قد لففتُ نفسي بالشرشف، وجلستُ على كنبةٍ قريبةٍ بانتظار الهجوم، الذي كنت أتوقّعُه كاسحاً ولا أعرف كيف سأردّ عليه. نظرتُ إلى حنّة مستنجداً، فأشارت إليّ بأن أصمت، فلزمتُ الصمت، وبقيتُ أنقّل ناظريّ في أرجاء المكان دونما هدفٍ سوى إضاعة الوقت.
أخيراً، تكلّمتْ مالينا، ولكنْ بهدوءٍ مرعب، متوجّهةً إلى حوّاء: “أنا مالينا، خطيبةُ آدم، وعرسُنا بعد غد. وهذه صديقتي حنّة. فمن تكونين؟” كان من المستحيل على حوّاء الكلام، لذا تدخّلتُ قائلاً: “هذه حوّاء، صديقتي الصحفيّة التي تعرّفتُ إليها منذ فترة. وكانت تجري معي لقاءً صحفيًاً وتطوّر الموقف خارج إرادتنا كما ترين.” فعلتْ مالينا ما سأحترمها عليه طيلة حياتي، إذ قالت وهي تخرج من الغرفة بهدوء: “سأكون مع حنّة في الصالون.” ثمّ أغلقت البابَ خلفها، وتركتني وحوّاء المذهولة، التي قامت، وهي تبكي، لتلبس ثيابَها. لم تسمح لي بمساعدتها، ولم تتكلّم.
بعد دقائق، كنّا نجلس نحن الأربعة في الصالون. وعاد الصمت ليغلّف كلَّ شيء. هنا جاء دورُ حنّة الذي كنتُ أنتظره. قالت: “أعتقد أنّ الموقف صعبٌ على الجميع. ولكنْ يجب أن نفكّر ونتكلم بهدوء. يجب أن ننهي هذا الأمر الآن، ثمّ نخرجَ من هنا وكلٌّ منا يعرف ماذا ينتظره في الخارج. واسمحوا لي أن أبادر إلى فتح النقاش. صحيح أنّني مصدومة، لكنّني الأكثرُ تماسكاً بينكم كما أظنّ.”

كنت أشكر حنّة في سرّي، وأترقّب كلّ حرفٍ يخرج من فمها. وما كانت لتخيّب ظنّي بحكمتها التي اعتمدتُ عليها. وعندما سألتني أن أشرح ما حصل، وماذا أريد أن يحصل، قلت: “لن أشرح أيّ شيء. أتركُ لمالينا حريّةَ التصرف، ولن ألومَها مهما كان قرارها.” كانت حوّاء تنظر إلينا كأنّنا من كوكبٍ آخر. إلى أن خاطبتْها مالينا قائلةً بكلّ احترام: “مشكلتي ليست معكِ آنسة حوّاء. ومن الواضح أنّكِ لا تعلمين ما الذي يحصل هنا.” فأومأتْ برأسها موافقةً، مع ابتسامةٍ تُبكي الحجر. كنت أستمع إلى ما يقال، وأراقب الجميع، وأحدّث نفسي قائلًا: “هذا لا يحصل في الواقع عادةً. هذا يحصل في الأفلام أو الروايات فقط.” لكنّ صوت مالينا قاطع هلوساتي:
“مشكلتي مع آدم، ولا أعرف كيف سنحلّها. لا أعرف إنْ كنتُ قادرةً على متابعة حياتي معه. لا أعلم إنْ كان قادراً هو أيضاً على ذلك. من الصعب أن أقرّر الآن أيَّ شيء. ما أستطيعه، وبصعوبةٍ كبيرة، هو المحافظة على أعصابي الآن، وعلى احترامي لنفسي، ولآدم، وما يمثّله كشخصيّةٍ مبدعةٍ لها شأنٌ كبيرٌ في عالم الأدب في بلادنا. أمّا آدم الصديق والحبيب، فلا أعرف ماذا سأفعل معه أو به. لذا سأنسحب الآن، متمنيّةً على الجميع عدمَ الاتّصال بي بأيّ طريقة، إلى أن أبادر أنا إلى ذلك.”
ومع توقّفها عن الكلام قامت وتوجّهت إلى الخارج. لكنّها عادت، وخلعت خاتمَ الخطوبة، ووضعته على الطاولة مع مفتاح البيت، ثمّ استدارت وخرجتْ من جديد، ولحقتْ بها حنّة، وسمعنا محرّك السيّارة وهي تبتعد.
بقيتْ حوّاء صامتةً طوال الوقت وهي توضّب أغراضها. عندما أصبحتْ جاهزةً للرحيل، جلستْ على كرسيّ قرب الباب وانتظرتني. خرجنا معاً وتوجّهنا إلى المدينة. وعند أوّل إشارةٍ ضوئيّةٍ أقف عليها، فتحت البابَ وغادرت السيّارة من دون أن تلتفت إلى الوراء، أو تنبسَ بحرف.

***

وها أنا أجلس الآن، في المكان ذاته الذي جلسنا فيه قبل عقديْن، وأستعيد ذكرى تلك الأيّام. أذكر جيّداً أنّني عدتُ يومها إلى ذلك البيت الريفيّ. وبقيتُ هناك شهراً كاملاً منعزلاً عن البشر. وتابعتُ كتابة روايتي التي سأنشرها في عمّان. وغيّرتُ اسمَ الشخصيّة الرئيسة من لبابة إلى حوّاء. وقتلتُ كلَّ من حاول أذيّتها، أو فكّر في ذلك. كنتُ أكتب كالمسعور. واستطعتُ تغيير خطّ سير الرواية، وخلقتُ لكلّ شخصيّةٍ سبباً مقنعًا للموت، باستثناء حوّاء؛ فقد حوّلتها، في نهاية الرواية، إلى طفلةٍ صغيرةٍ تحمل آلة تسجيلٍ وجدتْها مصادفةً بين مقتنيات أمّها، التي قتلتُها، هي الأخرى، بعد إنجابها حوّاءَ، لكونها كانت شخصيّةً حقيرةً ولا بدّ أن تعامل ابنتَها بشكل سيّئ. ووضعتُ خاتمةً للرواية حطّمتُ فيها كلَّ قواعد الكتابة، وذكرتُ فيها دوافعي ككاتب لكلّ هذا القتل والدم، ثمّ أنهيتُ عملي بجملةٍ أخيرةٍ قلتُ فيها: “يؤسفني أنّني لا أستطيع فعل ذلك في الواقع وإلّا لكنتم جميعكم في عداد الأمواتِ اليوم.” وعوضاً عن كلمة “النهاية،” كتبتُ “البداية” أسفل الصفحة التي كانت تحمل الرقم 666.

***

عندما نُشرت الرواية التي كان عنوانُها غريباً – لكنّه ذو دلالاتٍ خاصّةٍ بأحداثها: الزئبق يملأ الأوردة – انتقدني كلُّ من يملك قلماً أو صوتاً. ووُجدتْ بعض المقالات تحت عنوان: “الروائيّ السوريّ آدم يسقط عن سلّم مجده،” أو “شخصيّاتٌ بلا أخلاقٍ في روايةٍ تنزّ منها الدماءُ،” أو “الزئبق يملأ الأوردة ورأسَ الكاتب،” أو “الرواية المجزرة…” وهكذا، لم تلقَ الرواية مَن يقرأها بشكلٍ منصفٍِ، ويقف عند دلالات أحداثها والعنفِ الموجودِ فيها. وأغلبُ من كتب عنها اكتفى بالحكاية السرديّة، من دون البحث بين السطور أو خلف الكلمات.
لم أسمع أيّ شيءٍ عن مالينا. ولم أتواصل معها، بناءً على طلبها. كذلك اختفت حوّاء، وباءت بالفشل كلُّ محاولاتي للعثور عليها: فأنا لا أعرف أين تسكن؛ ولا أعرف أيَّ صديق لها أو قريب لها، سوى عمّها الأردني الذي اتّصلتُ به فلم يفدْني بأيّ معلومة؛ ورقمُ الهاتف الذي كنتُ أحفظه في جوّالي كان يعطي إشارةَ عطل كلّما اتّصلتُ به. وبقيتْ حنّة تسأل عنّي، وتدعوني إلى زيارتها، لكنّني لم ألبِّ دعوتها إلّا بعد أشهر، مصطحباً نسخةً من روايتي الأخيرة.
هناك، وجدتُ عندها جريدةً احتفظتْ لي بها، وفيها اللقاءُ الذي أجرته معي حوّاء. وما إنْ قرأتُ العنوان حتّى شعرتُ بأنّ صخرةً قد أُزيحتْ عن صدري؛ فحوّاء تجاوزتْ، كما يبدو، الكارثة التي عاشتها معي؛ بل ها هي تبعث إليّ برسالة غير مباشرةٍ، كأنّها تقول لي: “سامحتك.”
وفي كلّ الأحوال، لو كانت تكنّ لي أيَّ ضغينةٍ لتناست اللقاء، أو لكتبت شيئاً انتقاميًاً، لكنّها كتبتْ: “أيّامٌ أعتزّ بها جمعتْني بالمبدع السوريّ آدم.” وتحته، بخطّ أصغر: “الروائيّ الذي يعيش عوالمه وتعيش فيه.” وصرت أسابق الكلمات، وأقرأ باحثاً عن أيّ إساءةٍ أو تحريفٍ لكلماتي. إلّا أنّ حوّاء كانت أمينةً بشكلٍ يدعو إلى الإعجاب. وصار هذا اللقاء مثالاً للّقاءات الصحفيّة الناجحة، وساعد حوّاء ــــ كما فهمتُ لاحقاً ــــ على الدخول إلى عالم الصحافة من بابه العريض. ولم أستطع الالتقاء بها إلّا بعد سنوات، إذ كانت تهرب منّي كلّما اقتربتُ منها أو عرفتُ طريقاً إليها.
كان لقاءً عابراً ساقته المصادفات. وما إنْ رأتني حتّى اقتربتْ منّي، وعانقتني بقوة، ثمّ بدأت تنهال عليّ بالأسئلة، وتمتدح روايتي الأخيرة التي لم تعجبْ أحداً من النقّاد. وعندما أخبرتُها بردود الفعل قالت إنّها تتابع هذا الهجوم المجحف، وترى أنّ الرواية إضافةٌ حقيقيّةٌ إلى الأدب العربيّ. وحسمتِ الأمر بأنّه سيأتي اليوم الذي ستحملني هذه الرواية بالذات إلى قمّة المجد، وربّما إلى ما هو أبعد. وعندما سألتها: “ما هو الأبعد؟” قالت باسمةً: “ربّما إلى قلبِ إحداهنّ.”
عندما نطقتْ بهذه الجملة شعرتُ أنّ قلبي انخلع من مكانه، وسألتُها من جديد: “هل الروايات تفعل ذلك حقّاً؟” فضحكت قائلةً بتعجّبٍ: “انظروا مَن يسأل؟!” وخلال لحظاتٍ، تحوّلتُ إلى مراهقٍ أخرق، وسألتها: “وقلبُكِ أنتِ، متى سأدخلُه من جديد؟” فعادت إلى الضحك، وأمسكتني من يدي قائلةً: “انظر إلى ذلك الرجل هناك، صاحب النظّارة الطبيّة والمعطف البنّيّ، هل تراه؟”
وكنتُ أراه: رجلاً ستينيّاً، غزا الشيبُ رأسه، لكنّ قوامَه كان قوامَ شابٍّ في العشرين. وعندما رأتني أدقّق النظرَ تابعتْ: “هذا زوجي. هلمّ معي أعرّفك إليهِ وأسأله إنْ كان يسمح لكَ بالدخول إلى قلبي أنت أيضاً.”
ذهبتُ معها، كما يذهب الطفلُ مع أمّه إلى بيت الجيران. وهناك قدّمتني إليه على أنّني صديقها القديم الذي تحبّه أكثرَ من أيّ أحدٍ آخر، والكاتبُ الذي سينال جائزة نوبل قريباً. ويبدو أنّ المغفّل أخذ الكلام على محمل الجدّ، فبدأ يسألني عن ترشيحي لجائزة نوبل، وإنْ كنتُ من ضمن القائمة المزمع تقديمُها للجنة هذا العام. وهكذا دخلتُ معه في حديثٍ طويلٍ. واكتشفتُ أنّه رجلُ أعمال، وله باعٌ طويلٌ في تجارة البناء، وأنّه بعيدٌ كلّياً عن عالم الأدب. واكتشفتُ أنّه يتمتّع بغباءٍ لا يمكن تجاهلُه، وبشخصيّةٍ نرجسيّةٍ عصيّةٍ على الوصف؛ وأنّه يتمتع، في الوقت نفسه، بثروةٍ لا يمكن تقديرها. وعرفتُ أنّ هذا هو سرُّ ارتباط حوّاء به، فأشفقتُ عليها، وعلى نفسي، وعلى كلّ من معنا في الصالة التي كانت تجمعنا لافتتاح معرضٍ فنيٍّ لأحد الأصدقاء. أشفقتُ على صديقي الفنّان، وعلى لوحاته الكبيرة المعروضة للبيع بأرقام من ستّ مراتب. وتمنيّتُ لو أستطيع كتابة روايتي الأخيرة من جديد لأقتل حوّاءَ الصغيرة كما قتلتُ أمّها، وربّما أقتل نفسي في ما بعد. ورحتُ أناقش الفكرة في ذهني وأنا في طريقي إلى خارج الصالة مبتعداً عن الجميع. ووجدتُ أنّ الموتَ سكوتٌ، وأنّ السكوتَ جزءٌ من معزوفة الحياة. لكنْ كانت تنقصني الشجاعة لبدء هذا اللحن. لذلك اخترتُ سكوتاً آخر، أقلّ كلفةً. وقرّرتُ التوقّف عن الكتابةِ نهائيًاً، والعملَ في الزراعة وتربية الدواجن، والعيشَ في بيتي الجبليّ حيث الهدوء والهواء النقيّ، وحيث تتوقّد المشاعرُ وتفرض نفسها على أرواح العاشقين.

* القصة منشورة سابقاً عام 2016 في الإصدار 19 من النسخة الالكترونية لمجلة “الآداب” اللبنانية العريقة وكذلك في كتاب “حب في بيت النار” الصادر عام 2018 عن دار الآداب اللبنانية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: