الشِّعر كحنينٍ أنثويٍّ إلى عهد ما قبل اللّغة – فادي أبو ديب

فادي أبو ديب
فادي أبو ديب

ما الّذي يفعله الشّاعر بهذه الأداة الطيّعة العصيّة على الاختراق الّتي تُسمّى “اللّغة”؟ هل يوقِّرها بقصائده وبالصّور الّتي يُريد لها ألّا تنتهي، بالكلمات المتنوّعة، بالفواصل الّتي لا تكاد لا تُلاحَظ بين المعاني، بالرّموز، بالمعاني الّتي تقف خلف المعاني، والّتي قد لا يعرف هو نفسه ما يريده منها وإلى أين سيصل بها أو تصل هي به؟ هل يوقّرها حقّاً كأداةٍ سحريّةٍ أم هي كآلهة التّمر الّتي يُعبَد بعض جسمها ويُؤكَل بعضه الآخر؟


حين يهمّ الشّاعر بالتّحليق محمولاً على أجنحة الصّور، مهما تفاوتت اعتياديّتها وغرابتها، فإنّه يسعى في حقيقة الأمر إلى الوصول إلى ما وراء الملموس أو المظهر الخارجيّ للأشكال والظّواهر والتّفاعلات الحاصلة في المجتمع والطّبيعة، سواء أعلى المستوى الفرديّ أم على مستوى السّيرورة/ الصيرورة التّاريخية. المرأة، على سبيل المثال، الّتي يصف عينيها أو جسدها أو إيماءات خجلها وتردّدها أو جرأَتها واندفاعها وأطوارها المتعددة، لا تعود مجرّد شخصٍ موجودٍ في الزّمان والمكان يقوم بأفعاله وردود أفعاله نتيجةً لأحداثٍ معيّنةٍ، بل عبر الصّورة وعن طريق المعنى الّذي ينتقل إلى ذهن الشّاعر تتحوّل إلى قناةٍ تنقل حقيقةً مطلقةً كونيّةً بالنّسبة للشّاعر، بقدر ما هي تجربةٌ ذاتيّةٌ لا تعود نابعةً من بنات أفكاره، بل كأنّها مخلوقٌ وليدُ لحظةٍ بعينها يتخاطب فيها ومن خلالها المطلقُ والشاعرُ في عالم بينيّ بين الوعي واللاوعي.


الصّورة الشّعريّة في حدّ ذاتها هي محاولةٌ للتّمرّد على اعتياديّة اللّغة والمعاني الّتي تسبغها الخبرة البشريّة على الألفاظ عبر التّاريخ، “النّور الّذي يتخلّل الجسد” ليس نوراً بمعنى الضّوء، وليس نوراً بمعنى “الحقّ”؛ إنّه يدلّ على معنىً خارج كلّ القواميس اللّغوية الّتي تنقل المخزون البشريّ الاعتياديّ، إنّه صنفٌ من الالتماع الذّهنيّ لمعنى لم يستطع أن يعبّر عنه الكاتب بلفظٍ غير “النّور”، هنا بالضّبط تفقد اللّغة أهميّتها ومصداقيّتها كناقلٍ أمينٍ للمعاني الموضوعيّة (إن كان لها حقّاً مثل هذه السّمة) وتصبح وسيلةً لتجاوز كلّ الخبرات المعروفة أو تلك الّتي يمكن معرفة معانيها ومؤدَّياتها.


تتابع الصُّوَر وومضاتها المتلاحقة الّتي توحي بالتّحليق أو الغرق أو الانغماس أو الصّراخ اللّامتناهي أو الرّغبة في السّبات العميق أو الأبديّ كلّها في النّهاية تتوجّه إلى مُشتهىً غير محدّد بدقّة يتراوح بين الانحلال والذّوبان في محيطٍ من الماء أو النّور أو الدّفء، أو الاستيعاب لكلّ شيءٍ، أو التّوحّد مع كينونةٍ لا متناهيةٍ في جسد الحبيب أو الحبيبة أو في رحم الأرض أو السّماء أو في بطن الفضاء الفسيح أو في قلب الألوهة- يتراوح بين هذا كله وبين البقاء في حالة من المشاهدة القريبة-البعيدة، التي تسمح للشاعر بإدراك نفسه والشيء الذي أماه في ضوء جديد ولكنه لا يخلط العناصر ببعضها لينعدم تمايزها. هنا يبدو الاستعمال الشعري للّغة، مجدداً، أداة لحالة بينيّة، تتأرجح بين الانعماس والانسحاب، بين الاتحاد والانفصال. إنّه رغبةٌ في الوصول إلى الصّمت المطبق الّذي لا يحتاج بعد إلى عناء التّعبير، أو إلى الإدراك الّذي ليس بحاجةٍ إلى اللّغة حيث تكون كلّ الكائنات والموجودات بالنّسبة له بيتاً أبديّاً لا يتهالَك ولا يَفنى، ورغبة أخرى في الوقوف على مسافة من الأشياء، مسافة تسمح للأشياء بكشف جوانب أخرى غير معروفة سابقاً.


أيكون الشِّعر الّذي يخرج نقيّاً من نبع الحبّ حنيناً إنسانيّاً لعهد الطّفولة عند الإنسان الفرد؟ أم هو تعبيرٌ عن توقٍ جمعيٍّ بشريٍّ لاواعٍ، ينتقل عبر الشّاعر كنبيٍّ للعودة إلى حالةٍ روحيّةٍ تسبق “الانحدار” نحو اللّغة. تَعاقب الحضارات البشريّة المعروفة يعلّمنا بأنّ ازدهار حضارةٍ ما يترافق بازدهارها لغويّاً، سواء أكانت اللّغة صورةً أم كتابةً. ولكن ماذا لو كانت هذه فقط حالة البشريّة بعد سقوطٍ مريعٍ من حالةٍ إدراكيّةٍ غير معروفةٍ استوجبت اختلاق اللّغة لمحاولة استعادة ذلك النّمط من الإدراك؟ ماذا لو كانت اللّغة هي أداة قتل نفسها وضرورة استعادة نقيضها؟بحسب فريدريك ديليستون Frederick Dillistone فإنّ إحدى النّظريّات الّتي تبحث في منشأ اللّغة تقول بأنّ اللّغة ليست إلّا مقاطع صوتيّةً نشأت عن رغبة الإنسان بتقليد إيماءات الجسد عن طريق إيماءات الشّفاه (Christianity and Symbolism, 139)، ولكن ماذا لو كان الشِّعر هو محاولة الرّوح لإخراج إيماءاتها ونشاطها العصيّ على التّصوّر إلى ضوء النّهار؟ حينها يكون الشِّعر تمرُّداً من الرّوح على محدوديّة الجسد. ومن ناحيةٍ أخرى يمكن النظر إلى الشِّعر على أنه ليس إلّا تسلُّل الأنوثة إلى اللّغة الّتي تمثّل قوّة الكلمة- الذّكر


يطرح إيريش فروم فرضيّةً بأنّ الأسطورة البابليّة الّتي تتحدّث عن خلق الإله للعالم بقوّة الكلمة ليست إلّا رمزاً لتمرّد الذّكورة على الأنوثة، حيث أرادت الأولى أن تخلق قوّةً تواجه بها قوّة الحمل والإنجاب الطبيعيّة عند الأنثى، لقد أرادت أن تهزم السّيرورة الطّبيعيّة بالاقتحام الّذي يغيِّر ويشكِّل ويبني ويهدم (نفس المرجع السّابق، 145). لو كان هذا التّحليل للّاوعي الجمعيّ الإنسانيّ قريباً من الحقيقة، فإنّ الشِّعر بكونه إماتة الكلمة عن طريق الكلمة -ونحن هنا نقف أمام بارادوكس (تناقضٍ ظاهريٍ) من النّوع المدهش- يكون محاولة العنصر الأنثويّ في الإدراك البشريّ للعودة إلى ساحة الوجود في مواجهة تَفلُّت العنصر الذّكوريّ الّذي اختلق اللّغة ليحكم عبر محدوديّتها ومنطقها نفسَه والعالم وفق قواعدٍ صارمةٍ في الدّين المنظَّم والعِلم والقوانين السّياسيّة.


الشِّعر إذاً رسالةٌ كامنةٌ في اللّغة منذ عهودٍ طويلةٍ، في المخزون اللّاواعي للإنسان، والشّاعر هو لسان هذا اللّاوعي ورسوله. أمّا الشّاعر الّذي لا يتيقّن من وجود ما يكتب عنه حقّاً أو لا يسعى لكي يتيقّن منه، ساعياً إلى الاتصال بالعنصر الّذي يوحِّد العناصر المختلفة ويمنحها التّوازن، هو مجرَّد “كاتبٍ” أو “ناظِمٍ” يسعى إلى إبهار الجماهير كمشعوذٍ رخيصٍ، فالشِّعر هو سعيٌ محمومٌ لتجاوز اللّغة وليس إبرازاً لعجائبيّتها. إنّ في هذه الرّسالة الغرائبيّة أملاً لإعادة الإنسان الفرد أولاً نحو التّوازن الضّروريّ بين ذكورته الاقتحاميّة الخالقة المغيِّرة، الّتي تحدوها رغبةٌ لا تتوقّف بتحويل المحيط إلى نموذج قابل للسيطرة، وأنوثته الانسحابيّة المستقبِلة لقوى الطبيعة وما يكمن خلفها بأناةٍ وصمتٍ.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: