«الفهد» سينما البطولة في وطن رايته ممزقة – نوار عكاشه

نوار عكاشه

عُرِفت مرحلة السبعينات من القرن العشرين، بأنّها المرحلة الأهمّ والأغنى والأكثر انتاجاً لروائع السينما العالمية، وقد واكبت السينما السورية تلك المرحلة عبر عدّة انتاجاتٍ هامةٍ لاقت القبول الكبير والمتابعة الواسعة حينها، كما بقيت موضع اهتمامٍ وتقديرٍ حتى وقتنا الحالي، ويُعرف عن تلك المرحلة من تاريخ السينما السورية؛ انحسار انتاج القطاع الخاص، وانطلاق القطاع العام المتمثل بالمؤسسة العامة للسينما بقوةٍ نحو ميدان السينما، ودعمها وتهيئة الوسائل الفنية والحيوية المساعدة، وتشجيع البحوث والترجمة والتأليف، والاهتمام بالدراسة الأكادمية لفنون وعلوم السينما، فالمؤسسة العامة للسينما التي تأسست في دمشق عام 1963، بعد خمسةٍ وثلاثين عاماً على بداية الانتاج السينمائي في سوريا، عملت على تهيئة الكوادر العلمية والفنية وتدريبيها لعدة سنواتٍ قبل أن تقرّر انتاج أوّل فيلمٍ روائيٍّ طويلٍ «سائق الشاحنة» (1968)، لتنتقل في فترة السبعينات بين عامي (1970-1980) نحو مرحلةٍ جديدةٍ اتسمت بغزارة الانتاج وعُلو مستواه الاحترافي، فأنتجت تسعة عشر فيلماً روائياً طويلاً، بالإضافة للعديد من الأفلام القصيرة والوثائقية.

وحين متابعة أفلام تلك المرحلة يلمع الفيلم الروائي الطويل «الفهد» (1972 ، 145 د)، سيناريو وإخراج نبيل المالح (1936 ، 2016)، عن قصةٍ بنفس العنوان للكاتب «حيدر حيدر»، كَأحدِ أهمّ أفلام تلك المرحلة وكَعلامةٍ فارقةٍ في تاريخ السينما السورية، وأكثرها اشتغالاً على جمالية هذا الفن وقرباً لجمهوره، موازياً ثقافياً بين مفهومي البناء الإنساني والمتعة الفنية، فالفيلم المقتبس عن أحداثٍ واقعيةٍ حصلت في إحدى قرى منطقة (مصياف) التابعة لمحافظة (حماة) السورية، أخذ من الرواية الشعبية فكرتها الأساسية وسردها القصصي ومعالم شخوصها وخصائص بيئتها، وحوّلها إلى فيلمٍ سينمائيٍّ مُتقن الصنعة رغم محدودية الإمكانات في تلك المرحلة، متجاوزاً الصعوبات والقلة والعوائق، ليقدم وثيقةً سينمائيةً خالدةً في أرشيف السينما السورية والعالمية.

يروي الفيلم حكاية «أبو علي شاهين»، أدى الدور الممثل «أديب قدورة» في أوّل ظهورٍ سينمائيٍّ له، الفلاح البسيط، الذي يكتشف أنّ السلطة الاقطاعية ليست سوى امتدادٍ للسلطة الاستعمارية حين انتزعت منه أرضه، بل تكاد تكون أشد ظلماً وبطشاً حيث تواطأت مع باقي السلطات الحاكمة والمتفقة معها في أطماعها ونزعاتها اللاإنسانية.
عند أول اعتراضٍ على الظلم وتمرّدٍ على الواقع، يدخل السجن، ويُعذّب، ويُهان، وتضيع كرامته ويُعامل بوحشيةٍ من قبل أدوات القمع ممثلةً بالدرك، يهبُّ من السجن، فَيحمل بندقيته متجهاً نحو الجبال، ويبدأ صراعه الدامي مع الدرك وعصابات الاقطاع، يلقى تعاطف الفلاحين معه، ويسعون لمؤازرته، لكن إرادتهم ليست قويةً مثله، فَيقع في معضلة تمرّده الفردي، وغياب الحالة الجماهيرية المنظّمة والمحقّقة لشروط نجاح الثورة الشعبيّة، فينتهي بِه الحال مُعتقلاً في أيدي الدرك، لينفذوا حكمهم بِه.
لم يَغفل الفيلم عن أهمية دور المرأة في النضال، فالزوجة «شفيقة»، أدت الدور الممثلة «نهاد علاء الدين» المعروفة بِاسم «إغراء»، تكون خير معينٍ لزوجها، فتقف معه في خياره الصعب صابرةً ومتحملةً عواقب ومرارات ذلك الخيار من وحدةٍ ومضايقاتٍ وخوفٍ وضيقٍ للحال، نراها توافيه في الجبال في بعض الأحيان لتمدّه بالرعاية والمواساة، وحين اللزوم تحمل البندقية وتشاركه في معركته غير آبهةٍ الموت.

يُفتتح الفيلم بلقطةٍ قريبةٍ جداً (Extreme Close-up shot) لوجه البطل، الاقتراب من المشاهد والصدام المباشر معه، تتكرر تلك اللقطة عدّة مرّاتٍ في سياق الفيلم، مقسمةً إياه لفصولٍ متوالفةٍ ومشدودةٍ بمتانة، لِسرد حكايته عبر أسلوب الاسترداد العكسي (flash back) وفي لقطته الأولى يروي الفيلم مكنون حكايته بوصيةٍ نثريةٍ بِصوت البطل يقول فيها:
“دعهم يأخذون الدفء والمعاطف، جسدك والطمأنينة، وفي الليل تحوّل حلماً، رؤيا، صوتاً، صدىً، ثورةً، واسكن في الريح، اخفق من الشرق والغرب، والشمال والجنوب، طالعاً من جسد الأرض، عابراً في الصنوبر، مارّاً فوق جراح البشر، ثمَّ اختم الرقصة الأخيرة، واسقط في حفرتك الضيّقة، ولا تتأوّه، ولادتك تاريخ الدم، وموتك وطن رايته ممزقة.”
يسير الفيلم وفق سيناريو محكمٍ بأصول الكتابة السينمائية، مستعرضاً مراحل تطور الشخصية ومآلاتها، فَيروي في مقدّمته المسبّبات والأعذار الماديّة والوجدانيّة التي شكّلت الحدث المحرّك الأوّل والأساسيّ لِمسار الفيلم، لينتقل في عرضه نحو الصراع السينمائيّ المتجسّد في علاقة البطل ومعاركه مع الخصوم من الدرك وعصابات الإقطاع، وتوهّج فكرته الثورية وتبلورها بِدعم باقي شخصيات الفيلم لقضيّته، فأرواح الفلاحين معه ومندفعين لمؤازرته، حتى بلوغ الحد الفاصل بين العرض والخاتمة، حيث نشهد ذروة الفيلم باصطدام الشخصيّة بواقع مأساة الثائر الفرد، الثائر الوحيد الذي انطلق بِثورته على أساس ردود الفعل الآنيّة، مفتقداً لرؤيةٍ شموليةٍ للعالم والإنسان، وفي غياب وعيٍ سياسيٍّ طبقيٍّ لدى الجماهير، فَكانت نهايته المتوقعة مبررةً بِطبيعية العلاقات التفاعلية لعناصر هذا العالم التي لا تدعم وحدة الفرد في ثورته.

قدم المخرج فيلمه بطريقةٍ ملحميةٍ، عبر بناءٍ متينٍ مال بِه نحو الصيغة السردية التوثيقية، مشكلاً أرضيةً صلبةً للبناء الدرامي، فَاعتمد بصرياً على طبيعة المكان، مستخدماً مواقع حقيقية للتصوير في الريف السوري، وأناساً حقيقيين شكّلوا مجاميع الفيلم حيث حافظ بهم على بساطة وعفوية الشكل الفيلمي.
أما في صورته السينمائية؛ والتي كان السيناريو سيّدها، قدّم المخرج سياقات عرضٍ فكريةٍ وشعوريةٍ بِبساطةٍ ورهافةٍ مشهديةٍ ملائمةٍ للحكاية الشعبية، انطلاقاً من الكوادر الطبيعية الغنية والعاكسة لطبائع سكان تلك البيئة الريفية، ومُصوراً بِلقطاته المتنوّعة الحجم والإطار ما وراء تلك النفوس من عوامل شكّلت طبائع النفوس واختلاجاتها الوجدانية، وبدا في الفيلم اعتناء المخرج بِشريط الصوت كَجزءٍ أساسيّ من الصورة السينمائية، فَواكب ملحميّة القصة بحواراتٍ رشيقةٍ مختزلةٍ، وموسيقا تصويريةٍ منتقاةٍ بِعنايةٍ لملاءمة الموضوع والبيئة، قام بتأليفها الموسيقار الراحل «سهيل عرفة»، الذي انتبه إلى جماليّة ربط الحكاية الشعبية بالأغنية، فَكرّسها في لقطاته الفاصلة بِعدّة مقاطع غنائيّةٍ باللهجة المحكيّة تتغنّى بالبطل، من كتابة الأديب الراحل «ممدوح عدوان»، كما اختار المخرج تقديم صورته بتمازجٍ لونيٍّ بين الأبيض والأسود، رغم توفر التصوير بالألوان في سينما تلك المرحلة، لكن المخرج ذهب بفيلمه نحو هذا الخيار، مُشتغلاً بِه على التباين اللوني ودرجات الإضاءة أثناء التصوير، لعلّه الأنسب لتوثيق حالة الصراع الحاصل، محافظاً بذلك على تركيز المشاهد على الأفكار المتضمنة ودعم فكرته الأساسية.

لقي الفيلم انتقاداتٍ واسعةً طالت نهايته من سكان المنطقة الأصلية للقصة، متّهمين إيّاه بتغيير الحقائق، لكنّ ذلك لا يمسّ سينمائيته ولا يؤثر على حرفيّة صنعته، حيث أنّه بالمقابل لاقى الإعجاب والنجاح الكبيرين كَفيلمٍ سينمائيٍّ لن يتكرّر، كما حاز على عدّة جوائز في مهرجاناتٍ دوليةٍ منها: جائزة لجنة التحكيم في مهرجان دمشق السينمائي الدولي 1977، جائزةٌ تقديريةٌ من مهرجان لوكارنو السينمائي 1972، وجائزةٌ تقديريةٌ من مهرجان كارلو فيفاري 1972، كما شارك في مهرجان (بوزان الدولي للأفلام الآسيوية) 2005 في كوريا الجنوبية، وحصل على جائزة المهرجان تحت عنوان “الأفلام الخالدة” كواحدٍ من أهمّ الأفلام في تاريخ السينما الآسيوية.


صورة الشخصية الأصلية والحقيقية المعروفة بمنطقة مصياف
بوستر الفيلم

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: