«المتهم البريء» الهوية السينمائية السورية الأولى – نوار عكاشه

«المتهم البريء» الهوية السينمائية السورية الأولى – نوار عكاشه

نوار عكاشة

كانت سوريا من طليعة الدول في تعرّفها وتفاعلها مع فنّ السينما، ويُحسب لها استقبالها للعروض السينمائية في فترةٍ مبكرةٍ من عمر تبلور هذا الفن، بفارق سنواتٍ قليلةٍ عن أول العروض السينمائية في العالم، فكان أول عرضٍ سينمائيٍّ على أرضها عام 1908 في مدينة (حلب)، لفرقةٍ أجنبيةٍ قادمةٍ من (تركيا)، عرضت صوراً متحركةً عبر آلةٍ متنقلةٍ تُحرك الصور أفقياً، إلّا أنَّ البداية الحقيقة للعرض السينمائي كان عام 1912 في مدينة (دمشق) حيث عرض «حبيب الشمّاس» صوراً متحركة عبر آلة عرضٍ تُدار باليد، ويتولد الضوء فيها من مصباحٍ يعمل بغاز الاستيلين، لتتوالى بعدها العروض السينمائية وتنشأ صالات العرض من قبل مستثمرين راغبين بالكسب المادي السريع.

ولكنّ العروض السينمائية في تلك المرحلة تسببت بكوارثَ كبيرةٍ، نتيجة عدم خبرة المستثمرين وغياب معرفتهم بالشروط الضرورية للعرض، مما أدى إلى وقوع حرائقَ عديدةٍ في الصالات، وتوسّعها لتلحق الضرر بالمحلات والبيوت المجاورة لها، فأخذت بالتطور التقني وصولاً إلى صالاتٍ آمنةٍ ومراعيةٍ لشروط سلامة العرض والجمهور المقبل بكثافةٍ على هذا الفن الساحر.

كانت مصر أوّل دولةٍ عربيةٍ تنتج فيلماً سينمائياً عام 1927، لتلحقها سوريا بعامٍ واحدٍ فقط، بانتاج أول فيلمٍ روائيٍّ طويلٍ سوريٍّ بعنوان «المتهم البريء» عام 1928.

بدأت فكرة انتاج الفيلم كمغامرةٍ فنيةٍ ومحاولةٍ جريئةٍ لمجموعةٍ من هواة التمثيل (أيوب بدري، أحمد تللو، محمد المرادي) جمعهم تعلّقهم بهذا الفن الجديد، متأثرين بما شاهدوه من أفلامٍ أمريكيةٍ في تلك المرحلة، ومعجبين بما قدمته تلك الأفلام من بطولات رعاة البقر وما احتوته من حيلٍ سينمائيةٍ كانت تمر عليهم، فَتملكتهم الرغبة بتصوير فيلمهم الخاص، ورؤية أنفسهم ممثلين على الشاشة الفضية، فَاستوردوا لهذا الغرض جهازاً ألمانياً صغيراً للتصوير السينمائي قياس (35 ميللمتر) طراز (كينامو)، عن طريق التاجر «ناظم الشمعة».

من كواليس تصوير الفيلم

ولكنهم فوجئوا بأن انتاج فيلمٍ سينمائيٍّ يتطلب تقنياتٍ محددةً في التصوير واستعمال الكاميرا لا يتقنوها، رغم وجود تعليماتٍ مكتوبةٍ مرفقةٍ بالكاميرا، فأرشدهم التاجر إلى «رشيد جلال» الهاوي السينمائي صاحب تجربةٍ فيلميةٍ وثائقيةٍ لاقت التشجيع من شركة (Pathe) الفرنسية، كان قد صوّره بكاميرته السينمائية الخاصة قياس (9,5 ميللمتر)، وتمَّ الاتفاق معه على تصوير الفيلم وشراكته معهم تحت مُسمى «شركة حرمون»، شركة لم تحمل في الحقيقة سوى اسمها، جمعت المغامرين الأربعة لانتاج الفيلم السينمائي السوري الأول، وشمل الاتفاق أن يقوم «رشيد جلال» بكتابة سيناريو الفيلم بعد طرحهم خطوط الفيلم الأساسية، فكان السيناريو حسب معرفته المحدودة، مقتصراً أدبياً على كتابة القصة وتقطيعها لمشاهد منفصلة، وإخراجياً على تحديد قرب أو بعد الكاميرا أثناء التصوير وطريقة إيضاح انفعالات الممثلين.

عند مناقشة أمر اختيار الممثلين، وقع الخلاف بين «رشيد جلال» وشركائه الثلاثة، فهم -حسب ما روى- لم يكن يهمهم من الأمر سوى رؤية أنفسهم على الشاشة لميلهم الشديد لتجربة التمثيل السينمائي، معتقدين أن التمثيل السينمائي أسهل وأكثر تحرراً من المسرح، فَميزة الانتقال وانتقاء المواقع تحرّرهم من حدود الكادر المسرحي، وتفتح أمامهم فرص استحضار عناصر متعددةٍ على عكس المسرح، وحين فشل المخرج في إقناعهم بعدم أهليتهم -حسب رؤيته- للتمثيل السينمائي، وإشراك شخصٍ يُدعى «اسماعيل أنزور» في الفيلم لتوظيف إلمامه الفني بالسينما التي اختبرها عن قرب في النمسا وتركيا، حاول إقناعهم بالعدول عن الفيلم والتوجه لتصوير فيلمٍ عن الآثار السورية، وبيعه للشركات السينمائية الأجنبية الراغبة بهذا النوع من الأفلام، ولكن شركاءه الثلاثة أصرّوا على تنفيذ الفيلم.
فتمت المباشرة بعمليات التصوير، وكانت قصة الفيلم مستوحاةً من أحداثٍ واقعية، حصلت إبّان حكم الملك فيصل، عن عصابةٍ من اللصوص ألحقت الأذى بمدينة دمشق وما حولها وأرعبت سكانها، مع تغييرٍ في مسار القصة وإشراك عنصر المرأة في الفيلم، فكانت قصة الفيلم تروي منافسة صديقين يعملان في مزرعةٍ على فتاة، فينجح الأصغر سناً في كسب حُبِّها، مما يولد الغيرة فى قلب الحبيب الآخر، فَيسعى إلى التفريق بين العاشقين، يستغل صاحبُ المزرعة هذه المنافسة، فيقوم بقتل والد الفتاة، ويلقى بالتهمة على الشاب الأكبر سناً، ويدفعه للهروب من المزرعة، كي يفلت من العقاب، وهو يقصد من ذلك، أن يثبت عليه التهمة، ولكن الحبيب الأصغر ينجح في كشف الحقيقة، ويتم القبض على صاحب المزرعة.

من كواليس تصوير الفيلم

جسدت الدور النسائي آنسةٌ من عائلةٍ دمشقيةٍ عريقةٍ لم تذكر أية مصادر اسمها، كان قد أحضرها حلاقٌ نسائيٌّ يُدعى «وديع شبير» وشارك هو أيضاً كممثلٍ في الفيلم بدور “المستنطق” وهو ما يُسمى “المحقق” في أيامنا هذه، بالإضافة إلى مشاركة عدة هواة تمثيلٍ إلى جانب تللو والمرادي، أما البطولة فَأُسنِدت إلى «أيوب بدري» أكثرهم تعلقاً واندفاعاً للفيلم.

تمت المباشرة بتصوير الفيلم، واستمر لمدة ثمانية أشهر، تنقلت بها الكاميرا بين تصوير المشاهد الخارجية في كهوف جبل قاسيون، وتصوير المشاهد الداخلية في بيت «رشيد جلال» وهو بيتٌ عربيٌّ واسعٌ في منطقة (المهاجرين جادات)، وكانت تقنية الإضاءة بدائيةً، تعتمد على ألواحٍ عاكسةٍ لامعةٍ باللون الأبيض، صُنِعَت خصيصاً لغرض تقوية الإضاءة.

بعد انتهاء التصوير تمَّ الانتقال إلى مرحلة تحميض السلبيات، فقام «رشيد جلال» بطلب تصنيع عدة أسطواناتٍ خشبيةٍ كبيرةٍ لغرض التحميض من صديقٍ له يعمل في مهنة النجارة، كانت العملية تتم بِلفّ الفيلم على كل أسطوانةٍ باستيعابٍ قدره 15 متراً، وهو مقدار استيعاب الكاميرا «كينامو»، وبمعدل نصف دقيقة عرض، ثمَّ وضعها في وعاءٍ معدنيٍّ (الزنك) مُطلى بمادةٍ غير قابلةٍ للتأثر بالسائل الحمضي، ثمَّ يتم ملء الوعاء بالسائل المُظهر، وتدوير الأسطوانة حتى ظهور الصور على الفيلم، وتثبيتها وتنظيفها وتنشيفها بنفس الطريقة، ثمَّ تركيبها على نفس الفيلم السالب، ليتم إرسال المواد للطبع إلى شركتي «اكليرتيراج و G.T.M» في فرنسا، كما أُرسلت العناوين والحوارات مطبوعة على أوراق كرتونية بقياس 13×18 باللغتين العربية والفرنسية، لسحب الفيلم عليها.
وللإعلان عن الفيلم، تمًّ التقاط عدة صورٍ ثابتةٍ من مشاهده، بكاميرا عاديةٍ قياس 10×15، ووضعها على مدخل السينما قبل العرض.

أصبح الفيلم جاهزاً، وبلغ طوله 800 متراً، ومدته حوالي 30 دقيقةً، وكان فيلماً صامتاً، وتم عرضه تجريبياً أمام الممثلين في سينما «الكوزموغراف» التي أُشيدت عام 1924 في منطقة البحصة بدمشق وتحول اسمها لاحقاً إلى «سينما أمية»، وحضر العرض السيد «توفيق حبيب الشماس»، وتمَّ الاتفاق على عرضه للجمهور في الصالة نفسها، وبدأت عملية الإعلان والترويج للفيلم، ونشرت مئات الإعلانات المطبوعة على جدران دمشق، مكتوباً عليها عبارة: «قريباً… المتهم البريء… أول فيلم سوري… انتاج حرمون فيلم».

من كواليس تصوير الفيلم

وتقدمت الشركة إلى سلطات الاحتلال الفرنسي بطلب الترخيص للعرض، ولكن الطلب لاقى الرفض بعد مشاهدة لجنة الرقابة الفرنسية للفيلم، معترضين على الدور النسائي، حيث أن الآنسة مسلمةٌ وغير محترفةٍ، مما قد يسبب خللاً بالأمن العام بعد احتجاج رجال الدين على وجودها.
حاولت الشركة إقناع سلطات الانتداب بعرض الفيلم، وقدموا العقد الموقع بين الشركة والآنسة، وأشاروا إلى موافقة أهلها وتجاوزها سن الخامسة والعشرين، كما لجؤوا إلى الواسطات لدى الحاكمين والمساعي لدى رجال الدين، إلّا أنَّ السلطات رفضت بشكل قاطع عرض الفيلم بنسخته الحالية، وطلبوا من الشركة حذف مشاهد الآنسة، واستقدام ممثلةٍ محترفةٍ غير مسلمة.

شكّل الرفض خيبة أملٍ للشركاء، بعد أن كانوا قد قدّموا كلّ أموالهم، وبذلوا جهوداً كبيرة على مدار ثمانية أشهر، ولكنهم لم يجدوا حلاً سوى إعادة تصوير مشاهد المرأة، فقاموا بالاتفاق مع راقصةٍ ألمانيةٍ مُلِّمة بالتمثيل، تعمل في ملهى «الأولمبياد» تُدعى «لوفانتيا»، ثمَّ عادوا للتصوير من جديد، وتمّ تصوير مشاهد بطول 270 متراً، أُرسِلَت أيضاً إلى فرنسا لطبع الإيجابيات، وقد سببت العملية تأخر عرض الفيلم ستة أشهر.

حصلت الشركة أخيراً على ترخيص العرض، وتمَّ عرض الفيلم لأول مرةٍ في سينما «الكوزموغراف»، ولاقى إقبالاً كبيراً، لدرجة أن عناصر الأمن أقاموا حاجزاً على مدخل الشارع لمنع الازدحام وتنظيم دفعات الدخول، كما عرض الفيلم في أغلب المدن السورية، بالإضافة إلى بيروت وطرابلس.

كان فيلم «المتهم البريء» الانطلاقة الأولى للانتاج السينمائي السوري، وكان نجاحه والإقبال عليه حافزاً قوياً للمستثمرين لانتاج الأفلام، لتتوالى بعده عدة انتاجاتٍ سينمائيةٍ متفرقةٍ بشروطٍ فنيةٍ أفضل، وافتتاح الصالات بتقنيات عرضٍ وأمانٍ مطورة، مع مواكبة الحداثة السينمائية العالمية، حتى استطاعت السينما السورية بانتاجاتها الرفيعة المستوى، إثبات هويتها والوصول لأهم المحافل السينمائية في العالم، رغم كلّ ما مرّت به عبر عقودٍ من الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

المراجع:
كتاب (تاريخ السينما السورية) للكاتب (جان الكسان) الصادر عن وزارة الثقافة السورية عام 1987.
كتاب (قصة السينما في سوريا) للكاتب (رشيد جلال) الصادر عن المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الآداب و العلوم الاجتماعية عام 1963.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: