المرأة بين حواء وليليث ورسائل إلى الرجل – د. رندة مارديني

د. رندة مارديني

د. رندة مارديني

لم يستطع آدم أن يقرأ طلاسم عينيها، ويصل إلى عناقيدها السرية…
لم يعرف عشق الطين الخصب، والسير على مياه العماء الأولى…
خاف سطوتها الخفية التي تتسلل من الأصابع إلى القلب، فاعتبرها تفاحة غواية…
عرف سرّ اصطياد الفراشات، ولم يعرف سرّ احتراقها..
أين هو إذاً ذلك الرجل المصطفى، القادر على حلّ أحجية المرأة، بعد أن أحالها آدم إلى أنثى و حسب…

المرأة الذئبة:
لا يقع اللوم على آدم فقط، فقد استكانت المرأة واستسلمت، وأصبحت قاصرةً وربما عاجزةً عن إعادة انبعاث الروح الأنثوية العميقة، بعيداً عن قشرة الأنا الخارجية الخائفة والحامية والمطالبة بالتعاطف، لتصل إلى علاقةٍ جديدة ٍمتيقظةٍ مع النفس القوية الأكثر ثباتاً..

أصبحت المرأة عاجزة عن الإصغاء إلى طبيعتها البرية الذئبية، كما تصفها كلاريسا بنكولا عالمة النفس في كتابها “نساءٌ يرقصن مع الذئاب”.
تقول كلاريسا بنكولا في وصفها للمرأة البرية:
“إن المرأة القوية تشبه إلى حدٍ كبيرٍ الذئبة، فهي نشيطةٌ مفعمةٌ بالحياة والقوة، تهب الحياة وتعي حقوقها، مبدعةٌ وفيةٌ لما تريد ولمن حولها، وهي دائمة التحول والتبدل والبحث عن جديدها المثير”.
والمرأة، كلّ امرأةٍ تدرك بفطرتها الأنثوية الخلّاقة أنّها تتوق إلى قرينتها المرأة البرية الراقدة في أعماقها، وتعمل بوعيٍ أو بدونه على استعادة الطبيعة الأنثوية الغريزية التي أنهكتها الحياة بحضارتها ونواهيها، وحوّلتها الى كائنٍ يهدف إلى إسعاد الآخرين وإرضائهم”.

أين هي إذاً تلك المرأة الذئبة المدركة لحقيقتها، ولكنّها مع ذلك غير غافلةٍ عن حقيقةٍ أخرى أساسيةٍ ذكرتها بنكولا وتدركها كل امرأةٍ واعيةٍ ألا وهي:
“إن اختيارنا الانضمام إلى ركب الطبيعة الغريزية لا يعني قطّ أن نغير الأسود الى أبيض، واليمين إلى يسار، وأن نتصرّف بجنونٍ وفقدان سيطرة، وليس معناه أن نفقد انتماءاتنا الأساسية، أو نتخلى عن جزءٍ من إنسانيتنا، بل العكس تماماً، فالطبيعة الوحشية هي الدرع الحامي لنا”…

بين حواء و ليليث:
إحدى بديهيات الوجود أن كلّ امرأة تملك وجهين أنثويين مختلفين في داخلها، حواء وليليث، أمومةٌ وأنوثةٌ غريزية…
كلّ امرأةٍ ضمناً هي أمٌّ، هي أمٌّ لو لم تنجب، فخصوبة عاطفتها هي ما يجعلها أماً لا خصوبة رحمها، وبالمقابل، ليليث هي كلّ امرأةٍ، ولكن: هل تجرؤ كلّ امرأةٍ على اختبار هذا الجانب؟
يزدوج في الوعي البشري لقصة الخلق نمطان:
نمطٌ ثيولوجي لاهوتي، ونمطٌ ميثولوجي أسطوري، وفي كلا الموقفين يصاغ الموقف الذكوري الشائع حول خلق حواء وليليث.

في قصة خلق حواء، تُخلق حواء من ضلع آدم، ظاهرة انفصال الجسد هذه وازدواجية الجنسين نجدها في فكرة الكائن الخنثوي البدئي في مأدبة افلاطون، هذا الكائن الذي تمرّد على الإله زيوس، فعاقبه بشطره إلى نصفين، ومنذ ذلك الوقت، وكلّ شطرٍ يبحث عن الآخر من خلال غريزة الحب ليجتمع معه ويعود إلى أصله، لذلك تكون كلّ عمليةٍ جنسيةٍ هي سعيٌ وشوقٌ إلى تحقيق التوحد البدئي.
وتذهب الميتولوجيا اليهودية إلى اعتبار أنّ حواء ليست زوجة آدم الأولى، فوفقاً للتفسيرات العبرية المتأخرة كانت ليليث تبعاً لسفر التكوين هي زوجة آدم الأولى، وليليث في اللغة العبرية تعني العتمة، وهي تشير إلى الجانب المعتم والمحرّم من النفس الأنثوية.

ظهر أول ذكرٍ لليليث في الرقم السومرية، كما ظهرت في العديد من الحضارات الأخرى البابلية والسورية والإغريقية والمصرية والرومانية. وتشير الروايات إلى أنّ الرب قد خلق ليليث بالطريقة نفسها التي خلق بها آدم، إلّا أنّ ليليث لم تكن مستعدةً للخضوع الى آدم، مبرّرةً ذلك بأنها نشأت من الأصل ذاته، أي التراب، عبّرت ليليث المتمردة عن مساواتها مع آدم من خلال امتناعها أن يلقي آدم جسده فوقها أثناء الجنس، فليليث أرادت أن تكون مشاركةً في الفعل الجنسي بصورةٍ فاعلةٍ، أرادت أن تكون الفعل والتلقي معاً، الوصال الكامل.

وهكذا نتعرّف على وجهين في الوجود الأنثوي، منفصلين عن بعضهما: حواء وليليث، فهما يمثلان نمطين مختلفين من النساء، ولكنهما معاً يصنعان الاكتمال، يصنعان المرأة الآلهة، الأم والأنثى، عشتار وفينوس وإيزيس وأفروديت.
حواء، التي ترمز للخضوع والسلبية الجنسية والزواج الأحادي والأمومة المضحية والمطبخ وتربية الأولاد. وليليث، التي ترمز للمساواة والفاعلية الجنسية والرغبة ورفض الأمومة والإنجاب.
إذاً، هناك القديسة والعاهرة، والمجتمعات الذكورية البطريركية ذهبت إلى تمجيد صورة حواء، ولعنت صورة ليليث وصوّرتها على أنّها جنيةٌ ساحرةٌ تقتل الأطفال.

خَلقُ حواء من ضلع آدم وانتسابها له، وكونها التالية في الخلق بعده، شيطنة ليليث بوصفها كائنٌ شبقيٌّ، ومعاقبتها على تمرّدها بحرمانها من امتياز الأمومة، وتحويلها إلى قاتلةٍ للأطفال، تمجيد سلبيّة حواء وإذعانها للهيمنة وتحويلها إلى كائنٍ ذو طبيعةٍ مازوشيةٍ، تلد البنين بالألم ولكنها تزداد عاطفةً وحباً، واجدةٌ في عذابها لذتها، كلّ هذه الصور ساهمت في تكريس ساديّة الرجل عبر العصور.

هذه التصورات المتوارثة في الوعي الجمعي عبر الامتدادات التاريخية المتعاقبة، لم يسلم منها حتى الفلاسفة وعلماء النفس والمفكرون والأدباء، الذين رسموا مواقفهم من المرأة في ظل أحكامهم الذاتية من خلال إسقاط علاقاتهم مع النساء (سواء كنّ زوجات أو حبيبات أو أمهات..) على أفكارهم و نظرياتهم ، بدءاً بأرسطو وأفلاطون مروراً بنيتشه وفرويد وروسو وغيرهم…

ليليت بريشة دانتي غابرييل روسيتي

ليليت
بريشة دانتي غابرييل روسيتي

الخوف من المرأة:
اذاً، ما سرّ هذا التحول والانقلاب؟
هذه المرأة المقموعة اليوم كانت فيما مضى معبودةً وآلهةً، كانت محبوبةً أبديةً.
وراء تأليه الأنثى يقف نفس السبب الذي عمل على تهميشها وتمجيد استكانتها، إنّه الخوف، والخوف فقط، خوف الرجل من الأنثى.
ولو سئل رجلٌ ما: هل تخاف الأنثى؟ لأجاب بالنفي مستخفّاً، وهل يعقل أن تهاب الرجولة القوية تلك الأنوثة الرقيقة الناعمة!
يقترن الخوف اللاشعوري للرجل من المرأة بالحقيقتين الوجودتيين اللتين تقوم عليهما الهوية الأنثوية: الأمومة والأنوثة الغريزية.

والأنوثة في جوهرها مبدأٌ كونيٌّ ذو طبيعةٍ انفعاليةٍ متلقيةٍ ومستقبلةٍ ومحتويةٍ، وهي تناقض بهذا المبدأ الذكوري ذو الطبيعة النافذة الفاعلة والمتحفزة.
يعجز الرجل عن فهم تلك القوة الخلّاقة القادرة على الولادة من رحم المرأة، رحم الكون، في كلّ ولادةٍ تخوض المرأة غمار الموت لخلق الحياة، ويبدو عاجزاً أيضاً وبشكلٍ أعمق عن فهم تلك القوة الجاذبة المصرّة على إعادته إلى هذا الرحم في كلّ اتصالٍ جنسيٍّ يقوده بشكلٍ أو بآخر إلى الإحساس بالعدم والفناء.
يتجسد هذا تماماً في قولٌ كوريٌّ مأثورٌ يقول: “يولد الرجل من المرأة كما يولد الملح من الماء، وعندما يقترب منها تمتصه ثانيةً كما يذوب الملح في الماء”.

أبداً لن يفهم الرجل الذي لم يزوّد بالبطن الخلّاق إلى أي مدىً تغوص نفس المرأة في الواقع العميق، واقع الأشياء والموجودات، فقوة المرأة ناجمة عن أنها هي وحدها القادرة على الإحساس بقوى الحياة.

والمرأة من الناحية المنطقية أكثر إثارةً لخوف الرجل كلّما كانت أكثر إثارةً لغريزته الجنسية، فالنساء المعمّرات أو القبيحات أو اللاتي لا يملكن مظهراً أنثوياً، أو الطفلات منهنّ، لا يُثِرنَ فيه شيئاً من القلق، لا يظهر الخوف أيضاً أمام النساء الوادعات الطيبات شريطة البقاء كذلك، فإذا انقلبت مواقف النساء إلى تمردٍ، عاد إحساس الرجل بالخوف والخطر، والمرأة ذات الجاذبية الجنسية الكبيرة تضفي هنا شعوراً بالعدم من الناحية الرمزية، لذا لا يمكن تركها حرّةً، فالمرأة الحرّة لا بدّ أن تنساق للمجون والجنس، أو كان لا بدّ للرجل أن يجد دواعٍ قويةً حتى لا يعود إلى الخوف منها، وهكذا حولّها إلى موجودٍ رائعٍ لا غنى عنه لاستمرارية الحياة، حولّها إلى آلهة.

يبدو الرجل ممزقاً بين حواء الزوجة وليليث العشيقة، إنّه يريد كلا الوجهين، ولكنّه يبدو عاجزاً عن الربط بينهما، فكيف للمرأة الطيبة الخاضعة أن تقترن بالمرأة المغوية الثائرة، لذا كثيراً ما يعمد الرجل إلى الفصل بينهما.
أمام المرأة الجميلة، الرجل موزّعٌ بين رغبته الجسدية ونفوره الوجداني، فهو يتردّد بين أن يُحبّ وبين أن يُروّض، بين أن يقبل أو أن يرفض، أن يستسلم أو أن يدافع عن نفسه.

ماذا إذاً لو اقترن جمال المرأة بالذكاء والنشاط والقوة؟
الرجل هنا سيجمّدها سريعاً ويحاول قمعها، أو ربما يتجاهلها مبتعداً عنها. هكذا، صقل الرجل المرأة نزع عنها أنوثتها الغريزية الروحية، وحولّها إلى أنثىً صرف أو إلى مجرد شيءٍ جنسيٍّ، أما وقد حدث هذا، فقد احتقرها وكرهها.

الخدعة الكبرى:
أما المرأة فماذا فعلت بعد أن بلغ السيل الزبى؟
أرادت المرأة المساواة أو بالأحرى التسوية، ولكنها حقّقتها وفق نمط الذكر، ناضلت المرأة وحصلت على حقوقها العادلة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولكن في عالم الرجل. لم تبحث المرأة عن الوصول إلى مستوى الرجل وفق خصائصها الأنثوية، فكان أن فقدت شخصيتها وأصالتها الأنثوية، بل إن بعض النساء وفي سعيهنّ للنضال ضدّ الرجل وإثبات مساواتهنّ معه، رفضن أنوثتهنّ وأمومتهنّ. أما النساء الذكيات المتوازنات فقد أُشعِرنَ بالإثم على كافة الجهات، فالمرأة مخطئةٌ إن لم تعمل خارج المنزل، ومخطئةٌ إن عملت وتركت أطفالها، آثمةٌ إن ضجرت أو تعبت فالعمل كان اختيارها، لذا عليها أن تمشي على النصل، صرفت طاقتها دون حساب في سعيها للتخلص من شعورها بالإثم، فوجّهت اهتمامها إلى المطبخ والأولاد، وإلى مهنتها ومديرها، إلى زوجها وحبها، إلى نجاحها، كل هذا في وقتٍ واحدٍ، كنّ نساء ورجالاً معاً.

ألا يمكن للمراة حقاً أن تفوز في يومٍ من الأيام بتحقيق ذاتها وسعادتها وحريتها الداخلية دون أن تفقد روحها؟ تلك الروح التي إن لم تستعدها لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تمنحها للأرض والمعمورة، فيستعيد العالم توازنه بدل أن يستمر في الانهيار.
متى إذاً يعرف الرجل المرأة معرفةً حقيقيةً خارج الرموز التي يلبسها إياها؟

تقول الفيلسوفة الفرنسية الوجودية سيمون دي بوفوار: “إنّ تحرّر المرأة مرتبطٌ بمدى استعدادها وقدرتها على تغيير الصورة التي ينظر بها الرجل إليها ولخصائصها الجسدية والنفسية “، وفي كتابها الأهم “الجنس الثاني” تؤكد سيمون على أن هذه المسؤولية هي ما على المرأة استرجاعه، عليها أن تجد نفسها وألّا تربط هويتها بهوية الرجل.

ليس هناك من وجودٍ لطبيعةٍ مذكرةٍ أبديةٍ أو طبيعةٍ مؤنثةٍ أبدية، إذا قيل أن الهرمونات الأنثوية تحدث ميلاً إلى الداخلية والاستقرار والسلبية استنتج الناس أن المرأة تتصف بالعطالة والجمود والعجز عن الإبداع.
وإذا قيل أن هرمونات الذكر تدفع الموجود نحو العدوانية والتفتح وعدم الاستقرار استخلص الناس أن الرجل فظّ أناني متقلّب.
وبعبارةٍ أخرى يضفي الناس على الهرمونات صفاتٍ أخلاقية، وينسون بالطبع أن الرجال والنساء مزوّدون بالفئتين من الهرمونات، وهي رأس مالٍ مزدوجٍ أساؤوا جميعاً إدارته إساءةً كبيرةً.
لا بدّ لهما كي يحقّقا ثنائياً عميقاً ودائماً أن ينميّا الأنوثة والذكورة الموجودة لديهما، ليكونا موجودَين كاملين في ذاتهما، فتمتدّ أنوثة الرجل في أنوثة المرأة، وذكورة المرأة في ذكورة الرجل، وهكذا يصبحان قادرين على أن يعبّرا عن الطاقة المجمّعة وكأنهما موجودٌ واحد.

رسالةٌ إلى الرجل:
ثمة حقيقةٌ وجوديةٌ تلحّ على كلّ إنسانٍ في الظهور، إنها توقٌ من نوعٍ آخر، توقٌ لأن تعرف وتكتشف أنك أنت الحب.
وفي كلّ مرةٍ تخوض فيها حباً، تدرك أن علاقات الحب هي الوسيلة الإلهية لاكتشاف الآخر، واكتشاف ذاتك من خلاله، الحب هو وسيلتك لإدراك ذاتك العليا، لأنه وسيلتك لاختبار احتمالاتك المختلفة وصورك التي تكوّن ماهيتك الوجودية. هو وسيلتك لاختبار ما يمكن أن تفيض به عندما تحب حقاً.

ثمة رجال اختاروا أن يعيشوا حياةً طبيعيةً مع امرأةٍ عاديةٍ، حياةً مروّضةً مع امرأة سمحت لنفسها أن تُروَّض، امرأةٌ ذات وجود أنثوي مسالم.
أمّا إذا اخترت أن تحب الروح التي في داخلك، فلا بدّ لك أن تغرق في محيط الأنوثة البرية المقدس، عندها ستحتاج إلى شجاعةٍ من نوعٍ آخر، شجاعةٌ تتخلى فيها عن خوفك لتدخل في هالة امرأةٍ قادرةٍ على اختراق جوهرك، امرأةٌ كهذه ستراك كما لم تُرَ من قبل. شجاعةٌ كهذه تتطلب منك أن تقول نعم لما هو كائن وسيكون، فيتحول خوفك إلى قوة تستغني فيها عن قول لا، عندها تدرك ذاتك وتدرك الوجود.
وتذكّر دوماً، أن توقك لحبٍّ يلتهمك على كافة المستويات، يعني عدم بلوغ كيانك بعد لهذا الحب الذي يعكس ذاتك باكتمالها، نموّك يتطلب منك مستوىً من المخاطرة، ثمة فرق كبير بين نموّ نبتةٍ تمتد جذورها في إناء، وبين نموها بجذورٍ تمتدّ مع الوجود في مساحاته.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: