المسافرون – قصة خيال علمي – ترجمة: سنا ربيع

المسافرون – قصة خيال علمي – ترجمة: سنا ربيع

 سنا ربيع

الفصل الأول: السلام لم يعد كافياً

في عالمٍ آخر وبُعدٍ آخر، كان أو بالأحرى سيكون… ربما خلال 5000 عاماً، كانت تعيش كائناتٌ شديدة النقاء وموهوبةٌ إلى جانب معرفتها الكبيرة في حالةٍ من السلام الكلّي، كان عالمهم مختلفاً جداً عن عالمنا، كان عالماً من النور.

هذه الكائنات المسماة “الشالغراميين” كانت تسكنُ في قلب محيطٍ من الضوء الأحمر والذهبي. كانوا يسبحون في هذا الضوء مثل السمك في بحرٍ من الصمت فيبلغون حالةً من التناغم والاكتمال دون أن تتملكهم أية رغبة، إنّ “الشالغراميين” ليسوا مثلنا من لحمٍ وعظامٍ ولكن يتكونون من النور بالكامل، إنهم كائناتٌ صغيرةٌ جدّاً، مثل نقاط الضوء الصغيرة أو النّجوم المجهرية، ومع ذلك فإن أرواحهم وعقولهم وشخصياتهم تعكس الكمال المطلق. يطوف “الشالغراميون” في مسكن النور الصامت ، مثل كوكبةٍ سماويةٍ، لا يشعّون جميعهم بالدرجة ذاتها: لبعضهم أشعةٌ من الضوء والطاقة في حين أن لمعان بعضهم الآخر خافتٌ وضعيف. يتّحد أقواهم معاً فيشكلون مسبحةً من الزخارف غايةٌ في التفصيل وجميلةٌ جداً كنهرٍ من الماس يعكس آلاف الأضواء، أما المركز فكان لأقوى “الشالغراميين” جميعاً. وحول هذه الكائنات المشعة سلاماً وتناغماً، حول مولدات الطاقة الصغيرة تلك، يجتمع بقية “الشالغراميين” كما لو أن قوةً مغناطيسيّةً تجذبهم نحوها.

إن أقوى هذه الكائنات وأجملها كان يعيش في وسطهم بالضبط، وكان يشعّ بقوةٍ وثباتٍ جعلت الآخرين يرغبون بالبقاء على مقربةٍ منه فقط. كان يمتلك معرفةً كاملةً عن الكون كله. في الواقع، امتدت معرفته لتصل كل كوكبٍ بما فيهم كوكبنا نحن. كان يعرف الأسرار الأكثر خفيةً عن الوقت نفسه وخلال ثانيةٍ واحدةٍ كان يستطيع أن يسافر إلى أبعد المناطق في الفضاء. إنه يفهم الماضي والحاضر والمستقبل ويمكنه أن يفعل كل ما يريد.

“الشالغراميون” هم الكائنات الأكثر روعةً التي يمكن أن توجد، ومقارنةً بهم فالبشر فقراء جداً.

وبالإضافة لهذا فلم يكن لدليل “الشاليغراميين” ــ وكان مُفعماً بالخير وغايةً في اللطافة ــ أيّة نيةٍ للقيام بأي ضررٍ من أي نوع، جُلُّ ما يريده أن يرى السلام يسود في جميع أنحاء الكون، وفي كل مرةٍ تُفسِد عمليةٌ ما هذا السلام، يتصرّف بسرعةٍ لإعادة هذا الكون إلى حالته الأصلية. كان اسم هذا الكائن الأسمى “شيفاه”، وكان جميع “الشالغراميين” يعدّونه أباً لهم.

في عالم النور هذا كان كل شيء يسير بسلاسةٍ وبسرعةٍ تامةٍ إلى أن جاءت لحظةٌ وجد فيها “الشالغراميون” الواحد تلو الآخر أن هذا المنزل لم يعد جذاباً بالنسبة لهم. فعالم الصمت الذي يتواصلون فيه مع بعضهم البعض على مستوى أكثر دقةٍ من التفكير، يفتقر بكل بساطة إلى شيءٍ واحد: التسلية، والتغيير، والسعادة. وهكذا تواصل أحد أقوى “الشالغراميين” مع والده “شيفاه” وقال له الطفل: “أريد أن أستكشف عالماً آخر، اسمح لي أن أذهب مع البعض، وسوف نكتشف بعداً آخر. نحن نتمنّى أن نخوض هذه التجربة.”
سأله “شيفاه” على سبيل التسلية:
– “يالك من طفل لطيف، وأين ستذهب؟”
– “لا أعرف ولكن يجب أن يكون هناك عالمٌ يستحق الاستكشاف، هنا نعرف السلام، لكننا نسينا ما هي التجربة، نود أن نبني شيئاً جديداً! هذه هي رغبتنا، فهل هناك مكانٌ يمكن أن ترضي فيه البيئة رغبتنا؟”
فكّرَ الآب للحظةٍ، إنه يعرف بالفعل ما يعنيه هذا، وفي غضون ثانيةٍ، قام بقياس الحدود النهائية للأبدية في عقله وأجاب:
– “نعم. لا يمكن تحقيق رغباتك إلا من خلال العالم المادي، مع النجوم والكواكب”.
وتابع “شيفاه”:
-“معظم العوالم فارغةٌ، إنها موجودةٌ فقط للحفاظ على توازن الجاذبية، بحيث لا ينزلق الكون. ولكن هناك مكانٌ ما، كوكبٌ في الفضاء البعيد؛ إنه عالمٌ ماديٌّ رباعيُّ الأبعاد. هذا الكوكب هو جوهرةٌ من الجمال لا مثيل لها ويمكنك جعله عالماً من السعادة. اذهبوا يا أطفالي، وليكن عددكم كافياً لإنشاء مستعمرة. سيكون عليكم أن تحضّروا المعدات للذهاب إلى هناك، وللقيام بذلك سوف تحتاجون إلى ملابس فضائية، ولكن سوف أساعدكم في كل شيء. اذهبوا وكونوا سعداء، إنكم تستحقّون السعادة. وإذا حدث أمرٌ سيءٌ فاتصلوا بي وسأقدم لكم المساعدة قدر المستطاع.”

كان الأطفال الأكثر قرباً يشعّون بالبهجة. قرروا على الفور أن تذهب مجموعةٌ من 900000 مسافرٍ لاستعمار الكوكب البعيد. سيقود هذه المجموعة الأولى الطفل الذي طلب الرحيل، ويقف إلى جانبه كائنُ يشعّ بقوّةٍ أيضاً.

يستحسن أن تعرفوا أن “الشالغراميين” متطوّرين جدّاً لدرجة أنهم لم يكونوا بحاجة إلى سفنٍ فضائيّةٍ للسفر. لقد غادروا عالم النور ببساطةٍ بواسطة قوة أفكارهم المتطوّرة ووصلوا إلى بُعدٍ جديدٍ وغريب.
لقد كانت هذه بداية رحلةٍ طويلةٍ لا تنسى، لن يرى فيها المسافرون وطنهم الآمن لمدّةٍ طويلةٍ. طويلةٍ جدّاً.

الفصل الثاني: الرحلة الكبيرة

استعدّ مسافرونا للنصر، وعبروا أولاً محيط النور، ثم طبقةً بيضاء ضبابيةً معروفة بظواهرها العجيبة العديدة: إنها منطقةٌ ساحرةٌ سمعوا بها بالفعل وكانت بمثابة باب بين البعدين.
طاروا خلالها ودخلوا عالم الفضاء. وعلى الرغم من أنه كان لا يزال متبقياً ملياراتٌ من الأميال للسفر إلا أن رحلتهم كانت تقترب بالفعل من النهاية، وبمجرد الوصول إلى هناك، توجهوا إلى كوكبٍ متوسط الحجم ، يشبه كوكبنا إلى حدٍّ بعيد، إلا أنه كان لا يزال نظيفاً: كانت زرقة البحار شديدةً، وكانت الجزر مغطاةً بأزهار غير عاديةٍ وكان هناك قارةٌ واحدةٌ وسط المحيط. بالإضافة إلى ذلك، كان محور الكوكب يميل بطريقةٍ تجعل الربيع يستمر في هذا البلد السحري.
وكان “الشالغراميون”، أثناء تحليقهم في مدار هذا العالم الجديد، يكتشفون مصادر جديدةً من البهجة دون توقف. لقد أدركوا أن هذا العالم أكثر سحراً حتى من أحلامهم الأشد جنوناً. إنّها الجنّة الحقيقيّة.

يبدو أن الذهب هو أكثر المعادن شيوعاً، وجميع أنواع الأحجار الكريمة كالماس، والياقوت، والزمرد تتلألأ في العديد من المناجم الطبيعية المفتوحة، في حين كانت الأنهار تتدفق في قلب البلاد مشكلةً حمامات السباحة الرائعة والشلالات المُحاطة بالنباتات العطرية الطبية. كانت درجة الحرارة معتدلةً، والكوكب يدور حول نفسه فيتعاقب الليل والنهار. كان كل شيءٍ ساحراً للغاية ما جعلهم يقررون الاستقرار فيه دون تردد.

ومع ذلك، لم يحلّوا مشكلة بقائهم على سطح الكوكب؛ فالغلاف الجوي سيمنعهم من التحرك كما كان عليه الحال في عالمهم الخاص، وسيكون تواصلهم أكثر صعوبةً أيضاً؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن قدراتهم على الانتقال والحركة اعتماداً على الفكر لن تنجح في عالم المادة هذا. لذلك كانوا بحاجةٍ للبدلات الفضائية حتى يتمكنوا من العيش. ولكن كيف لهم أن يحصلوا عليها؟ بدا هذا السؤال غير قابلٍ للحل إذ لا بدّ من وجود بدلاتٍ فضائيةٍ ليكون من الممكن صنع غيرها. كيف لم يفكروا في هذه المشكلة قبل المغادرة؟
وهنا أدركوا أن اعتمادهم الكامل في هذا النوع من الأسئلة كان على “شيفاه”، وأنه لم يذكر أي شيءٍ يتعلق بهذا الموضوع.

على أي حالٍ، لم يتبقَّ شيءٌ للقيام به سوى النزول ورؤية ما سوف تقدمه البيئة لهم. فذهب قائد الحملة أولاً. وقبل حتى أن يخترق كتلة الهواء التي أحاطت بالكوكب، شعر بنداءٍ قويٍّ وجميلٍ في آنٍ واحد، إنها دعوةٌ مألوفةٌ غالباً ما كان يتلقاها عندما كان في وطنه محاطاً ب”شالغراميين” أخرين. وقد تبع مصدر ذلك الخط الفكري الناعم. وهناك، على سطح الكوكب، رحب به “شاليغراميان” يشعان بالنور. كانا يرتديان بدلات الفضاء، وكانا قد أعدّا واحدةً له أيضاً. ارتدى المسافر الذي كان اسمه “كري شانا” البدلة وبدأ يطرح الكثير من الأسئلة:
– “ماذا تفعلان هنا ؟”
– “شيفاه” الأب تذكّر أنكم ستحتاجون هذه البدلات الفضائية فأرسلنا في المقدمة لنصنعها لكم. أما بالنسبة لنا، فقد بنينا بالفعل العديد من المنازل من أكثر المواد شيوعاً (الذهب الخالص)، وسنعود قريباً إلى ديارنا.”

عندما اعتاد “كري شانا” على بدلته الفضائية الجديدة، بدأ يتعمّق فيها. لقد كانت تبدو كالرجل الآلي ولكن أكثر جمالاً وطبيعيةً. لقد تم تصميمها بفضل طاقة الحب الأكثر جمالاً وبفضل الذكاء الاستثنائي للخلايا البيولوجية. كان شكل جسم هذا الآلي كأجسامنا نحن عدا أنه كان مصنوعاً من أنقى العناصر ولا ينطوي على أي تشوه. كانت للبدلة الفضائية عيوناً كأعيننا، وكانت غرفة التحكم التي أقام فيها “كري” في منتصف الجبهة بين الحاجبين. يوجد في هذه الغرفة أيضا كمبيوترٌ رائعٌ يسمح ل”كري” بالتعامل مع الآلي بالضبط كما يريد. وبالفعل تعلم قيادتها بسرعةٍ ورشاقةٍ.

في وقتٍ لاحقٍ، نزل المسافرون الآخرون على هذا الكوكب، وتلقوا بدورهم عرباتٍ رائعةً للتجول وإنجاز أعمالهم كافةً. وعلى “الشالغراميين” ألا يخرجوا من عرباتهم طوال المدة التي يرغبون فيها بالبقاء على سطح الكوكب فهذه العربات لا تعمل ولا تحافظ على نفسها إلا من خلال طاقتهم القوية. كانت هذه الآلات مريحةً جداً وجذّابةً وقد كانت في الواقع المفاجأة الأفضل للرحلة بأكملها وقد سمحت لهم بالقيام بالعديد من التجارب الجديدة.

التفت “كري” إلى “الشالغرامي” الذي ساعده، والمدعو راي، وقال له:
– “سنبقى هنا. هذا العالم هو الجنة الحقيقية. سوف نتعلم صنع عرباتٍ أخرى باستخدام قوة أفكارنا ومن ثم سنقوم بدعوة الأخوة الآخرين للانضمام إلينا، ستكون مستعمرةً عظيمةً هنا.”
– سأله “راي” “ما الاسم الذي سنطلقه على بلدنا الجديد؟”
– أجابه كري: “فلنسمه باراثا”
ملأت رنة هذه الكلمة الجو فرحاً لدرجةٍ دفعت “كري” للغناء في جسده الآلي. ووجد الجميع أن هذا الاسم مناسبٌ تماماً.

حكم “راي” و”كري” “الشالغراميين” كونهما كانا الأقوى والأكثر هدوءاً. ومع الحفاظ على الهدوء والوئام الذي كانوا يتمتعون به بالفعل في منزل النور، كانوا يؤدون أنشطتهم بفرحٍ وحماسٍ. تم بناء القصور بالإضافة إلى سفن الفضاء المسماة فيمان “veemans” والتي تقودها قوة الفكر. وأثناء لعبهم خلال النهار بنت هذه الكائنات فائقة الذكاء كل ما تحتاجه من أجهزةٍ تكنولوجيةٍ في لحظاتٍ قليلة. لعبوا بالكلمات وأطلقوا على اللعبة اسم “الشِّعر”. لعبوا أيضاً بالأصوات وسموها “الموسيقا”. أما بالنسبة للألعاب مع المركبات، فقد أطلقوا عليها اسم “الرقص” وبجمع كل هذه الفنون، ابتكروا لعبةً جديدةً اسمها “المسرح”. في الحقيقة، لقد قضوا وقتاً طويلاً في اللعب بهذه الطريقة.

كانوا يتذكرون والدهم “شيفاه” عند النظر إلى الشمس أثناء النهار، وفي الليل تُذَكّرهم النجوم بإخوتهم الذين ما زالوا يعيشون في كوكب النور. وهكذا، مع هذه الصور المألوفة لهم في السماء لم يشعروا بالوحدة أبداً.
كانت المجموعة غنيةً بالضحكات والجمال والكمال. لقد وجدوا بالفعل ما كانوا يبحثون عنه: السعادة.

في البداية، حرص كل من “كري” و”راي” على العناية بكل فردٍ في المجموعة، وعند تأكدهما من أن كل أخوتهم كانوا يفعلون ما يرغبون فيه بالضبط وأنهم جميعاً في غاية السعادة، قررا صنع بدلة فضاءٍ لدعوة أحد أخوتهم لترك كوكب النور فيتعرف بدوره على سعادتهم الكبيرة. واكتشفوا أنه بتوحيد قدراتهم العقلية، يمكنهم أن يصنعوا زياً فضائياً جديداً، ويجب شيئاً فشيئاً أن يأخذ شكل زي الأخ “راي”. وكونه المسؤول عن صنع هذا الزي فقد منحه صفة “الأنثى”. وما إن تم تجهيز الزي الجديد حتى أرسلوا موجةً قويةً جداً من الأفكار إلى وطنهم، وبسرعةٍ، ظهر أحد إخوتهم الذين كانوا متلهفين للانضمام إليهم وارتدى الزي الجديد.
نظر الأخ الجديد من حوله وأخذ يتأمل وقال:
– “أنتم تعيشون في قصرٍ حقيقيٍّ”.
ضحك “راي” بسعادة:
– “إنه فقط قصٌر صغيرٌ! أنت داخل بدلتي الفضائية. وعندما تخرج، سترى القصور التي بنيناها هنا. ولكن لا داعي للعجلة. ابق في عربتي بعص الوقت ورافقني.”

خلال هذا الوقت، كان “كري” ينظم رحلاتٍ جميلةً إلى الجزر المجاورة. وقد جرّب “الشاليغراميون” آلات الطيران التي لها شكل إوزاتٍ ذهبيةٍ والتي سمحت لهم باستكشاف العالم الخيالي الذي أصبحوا فيه أسياداً. أخذ كري لقب “نارا يان”، الذي تمت تسميته الإمبراطور الأول، أما “راي” فقد أخذ اسم “لاك شامي” والتي أصبحت الامبراطورة الأولى.

في نهاية قرن أو نحو ذلك، كانت أزياء الإمبراطور والإمبراطورة هي المستخدمة. لذلك أخذوا أشخاصاً جدداً وعلموهم كيفية استخدامها بمثل مهارة الآخرين. وبذلك، تركوا مناصب الإمبراطور والامبراطورة لأخوة آخرين لأن العديد منهم الآن بات قادراً على قيادة المملكة.
لم يقلق “الشاليغراميون” عندما بدأ الزي يخسر صفاته، وبفضل القوة الفكرية، انتقلوا إلى جسمٍ جديدٍ، إلى عربةٍ أخرى. ثم أحرقوا التي تخلّوا عنها. وبما أن المركبة الجديدة كانت أفضل من سابقتها، لم يشعر أحدٌ بالأسف، ولم يخطر لأحدهم أن يخاف من هذا التغيير.

استمرت هذه الحياة السعيدة سنةً بعد سنةٍ، قرناً بعد قرن، ألفيةً بعد ألفية. وفي عالم النور، تلقى “الشاليغراميون ” المزيد من النداءات الفكرية من إخوتهم ودعواتهم للانضمام إليهم في مملكتهم السعيدة.
وهكذا ازداد عدد السكان تدريجياً: فمن 900000 شاليغرامياً غادر وطنه الأم، إلى ما يقارب 330 مليون نسمة الآن. كان عليهم بناء قصورٍ أقل سحراً من سابقتها، لهذا استبدلوا الذهب بالفضة.

أخيراً، وبدلاً من مملكةٍ عظيمةٍ، كان هناك العديد من الممالك الأصغر، وعاش الجميع في سلامٍ ووحدةٍ في عهد الإمبراطور والإمبراطورة. عندما كانوا يلتقون معاً، لم يكونوا يعلقون أهميةً خاصةً للأزياء لأنهم كانوا يعلمون في أعماقهم بأنهم كائناتٌ شالغرامية، حتى لو لم يعد بإمكانهم رؤية بعضهم البعض على شكل الضوء النقي الذي كانوا عليه منذ مدةٍ طويلةٍ في وطنهم. إذاً فإن ارتدائهم للملابس الفضائية أصبح طبيعتهم الثانية؛ كان هذا رائعاً ولكن ليس أكثر أصالةً، لذا لم يعودوا متحمسين كالسابق.

الفصل الثالث: العودة

في أحد الأيام، بعد آلاف السنين من إنشاء المستعمرة الأصلية، حدث ما من شأنه أن يزعزع السلام والنظام والسعادة التي كانت سائدةً حتى ذلك الحين: “فيكا رحوم”، الذي كان في ذلك الوقت أحد الحكام، دعا أحد إخوته الذي كان يقود عربة “أنثى” وقال له:
-“يالها من عربةٍ جميلةٍ تلك التي تقودها، هل لي بلمسها؟”
ضحك الشقيق وقال:
-“كيف ستتمكن من لمسها؟ هل ستخرج من عربتك؟”
-“لا، بالطبع لا، و لكن دعني ألمسها بيدي عربتي.”
منذ ذلك الحين تحول اهتمام “فيكا” أكثر فأكثر إلى سيارة أخيه. كان يُقَدّر ببساطة السرعة، والإطارات، والحركات، واللون والقوة. وأمام تصرفه هذا، تألم الأخ صاحب العربة كون “فيكا” لم يبدِ له أي اهتمامٍ به، وكان أكثر اهتماماً بسيارته وطريقة عملها ودفئها وسرعتها، الخ.
-“كم هذا مهينٌ” قال الأخ.

رغم اللامبالاة، كان هذا هو أول شكلٍ من أشكال الأنفة والكبرياء في تلك المملكة الساحرة. في قلبه لم يرغب “فيكا رحوم” أن يترك عربته لكائنٍ آخر لأنه لم يكن يعرف كيف ستبدو المركبة الجديدة… وهكذا ظهر الالتزام والتمسك لأول مرةٍ أيضاً.
-“من الأفضل أن أعرف كل ما يمكن تجربته في هذه العربة طالما لا زالت لي.” هذا ما قاله “فيكا رحوم” في أحد الأيام وهو يشعر بالخوف مما يمكن للمستقبل أن يحمله… لتكون هذه بداية الجشع.
للأسف ، لم يكن “فيكا” هو الوحيد الذي لديه هذه الأفكار الجديدة والرهيبة. بدا “الشاليغراميون” فجأةً متعبين ولم يعودوا يلعبون كالمعتاد. كان اهتمامهم ينصب أكثر فأكثر على البدلات الفضائية، حتى أنهم تعلموا تشغيلها من خلال “الطيار الآلي” ، وهم نائمين في الداخل.

بسرعةٍ، أصبح اللعب بمركبات الآخرين اللعبة الأكثر شيوعاً، فقط بهدف زيادة الأحاسيس التي يسجلها هذا الكمبيوتر. وهكذا ومع غياب الاتصال المباشر بين بعضهم نسي “الشاليغراميون” قدراتهم على التواصل تماماً.
وقد جاء اليوم الذي تحدث فيه الطيار الآلي لإحدى العربات مع الطيار الآلي لعربةٍ أخرى دون أن يأمرهما “الشاليغراميان” بذلك، فقد حل الكمبيوتر مكانهما، وأصبح “الشاليغراميون” عاجزين، وسجناء داخل الزي، ما جعل الرجال الآليين هم المسيطرون.

بدأت المركبات بإعادة تنظيم المجتمع؛ فاستبدلوا أسيادهم الضعفاء الواحد تلو الآخر، أولئك “الشاليغراميين” الذين بقوا بعيداً عن منازلهم لفترةٍ طويلةٍ جداً والذين يفتقرون الآن إلى قوة التركيز الضرورية لاستعادة تفوقهم على المادة.
استولت الأجساد على السلطة! وسعت العقول قبل كل شيءٍ إلى التواصل مع الأجسام الأخرى، لأنها كانت ترغب في زيادة الأحاسيس اللطيفة التي تعلموا تسجيلها. لقد أحدث هذا الاضطراب الهائل حالةً من الارتباك جعلت “الشاليغراميين” عاجزين عن التصرف حيال هذا الوضع. عندما حاولوا إعادة بسط سلطتهم، تصرفوا بغضبٍ شديدٍ أوبغطرسةٍ أوجشعٍ، وهذا أدى إلى الصراعات فانكسرت رابطة الأخوة وانهارت المملكة.

كان انفجار الطاقة المدمرة عنيفاً جداً لدرجة أن القارة التي كانوا يعيشون فيها تصدعت تحت أقدامهم. وبعد سلسلةٍ من الزلازل الهائلة والعنيفة، تخلخلت الأرض فاتسعت الخنادق وتصدع باطن الأرض في جميع الاتجاهات مما شكل العديد من القارات الأصغر. غرقت القصور في هذه الكارثة الطبيعية وتدمرت جميع المعدات التكنولوجية بما فيها الفيمان “veemans”، وللمرة الأولى عرف السكان ما هي التعاسة باستثناء مجموعةٍ صغيرةٍ كانت قد بقيت حيث تم تأسيس المستعمرة الأصلية.

تذكرت هذه الكائنات والدها بعد مدةٍ طويلةٍ كانوا قد نسوا فيها وجوده في بعدٍ آخر بعيداً عنهم: والدهم “شيفاه” الخالد والقوي. بدأوا يتصلون به ويتوسلون له فبعث لهم رسولٌ ليسألهم:
– “هل تريدون العودة إلى المنزل؟”
-فأجابوه: “إننا جميعاً نحب هذا المكان، ولكن لو يمكن أن تمحو هذه المعاناة فنحن لا نحبها.”
بعد أن نسوا أنهم “شالغراميون”، بدأوا في التعرف على الأجسام التي كانوا يشغلونها. لقد أصبحوا منومين داخلها.

الفصل الرابع: الظلام يخيم

مع مرور الوقت، غادر الكثير من “الشالغراميين” عالم النور إلى هذا الكوكب. لقد سمعوا عن السعادة التي تم العثور عليها، ولكن لم يعلموا بشأن المشاكل التي سادت هناك. صُنعت بدلاتٌ خاصةٌ لهم أيضاً ولكن تصميمها الآن اعتمد على قوة المادة لأنهم أضاعوا سر قوة الفكر.
كان لدى العديد من القادمين الجدد جاذبيةً معينةً لأنهم كانوا يتمتعون بقدراتٍ جديدةٍ، في حين استهلك من بقي على هذا الكوكب جزءاً كبيراً من طاقتهم. وذكّر القادمون الجدد أخوتهم القدامى بالطريق إلى الوطن، لكن معظم الذين استمعوا لهم لم يشعروا بشيءٍ لأنهم بقوا على هذا الكوكب لفترةٍ طويلةٍ جداً فتمكّن منهم الفتور والخمول.

من ناحيةٍ أخرى، تفاجأ بعض هؤلاء الوافدين الجدد بأن الحياة لم تكن على الإطلاق كما تصوروها. لم تعد العلوم والتكنولوجيا موجودةً لأن كل شيءٍ قد تم تدميره ونسيانه؛ كان الساكنون فقراء، وأصيبت العديد من البدلات بالتلف، كما أصبحت الطبيعة قاسيةً. فالربيع بات الآن يتناوب مع الفصول الأخرى وكان الشتاء قاسياً جداً. وبدلاً من مملكةٍ واحدةٍ، أصبح هناك الآن عددٌ كبيرٌ من الجماعات والثقافات المعزولة، حتى أن الغالبية نسيت وجود الآخرين.
إنهم يوثقون جميع الذكريات التي احتفظوا بها لأوقاتٍ مميزةٍ، ومع أن أساطير كل الثقافات كانت متشابهةً، إلا أنهم لم يلتقوا أبداً لمقارنة ذكرياتهم، فتوصلت كل مجموعةٍ منهم إلى لغةٍ خاصة.

عندما جاءهم أحد “الشالغراميين” المتمتع بقوةٍ خاصةٍ من البعد الآخر برسالةٍ من “شيفاه”، كان الجميع منتبهاً للغاية، وبدأت الأفكار المرتبطة بذلك الأب تكثر وتتباين. أسموه “إيشاور” “Ishawar” أو”جاهي با” “Jahu Bah” وأحبوه بطرقٍ عديدة. علاوةً على ذلك، كانوا على ثقةٍ من قدرته على رؤية وسماع كل شيءٍ، وقد فهموا أنه لم يكن لديه جسدٌ مثلهم، ولكن المكان الذي يعيش فيه أصبح لغزاً ل “الشاليغراميين”… حتى أنهم نسوا كيف كان بإمكانهم العيش بدون جسد.

وبسرعةٍ كبيرةٍ، شيّدَ الذين بقوا حيث تأسست الإمبراطورية الأولى تماثيل تمثل أجساد الحكام الأوائل. فهم يعتقدون الآن أن هؤلاء الملوك والملكات ينتمون إلى سلالةٍ قويةٍ ومتفوقةٍ ممن حكموا الكوكب من خلال قوىً خارقةٍ للطبيعة، وأنه لا يزال بإمكانهم اليوم التأثير على أحداث هذا العالم، من نجومٍ وأبعاد مجهولةٍ. إلى جانب ذلك، كانوا يعتقدون أن هذه الكائنات ستعود في يومٍ من الأيام، لذا كان لا بد من ذكر أعمالهم والتغني بها في المباني التي نصبت فيها تماثيلهم، كما كان لا بدّ من تقديم أدلةٍ على التبجيل من أجل كسب فضلهم ومساعدتهم.

هكذا أصبح اسم “كري شانا” مشهوراً؛ وغالباً ما كان يُذكَر في أغانيهم. لكنّ أحداً لم يعد يتذكر من هو “الشالغرامي” الذي كان يرتدي هذا الزي الفضائي، لأنهم هم أنفسهم لم يعودوا يتذكرون أبداً أنهم كانوا “شالغراميين”.
البعض ممن سببت لهم تلك الأحداث اضطراباً كبيراً تركوا مستعمرتهم ليعيشوا في الغابات. وهناك، أمضوا وقتهم بصمتٍ يفكرون في العديد من الأفكار العميقة، مثل:
-“نحن لسنا فقط هذه الأجساد، إننا نملك أرواحاً”، قال أحدهم.
– وسأل آخر: “ولكن ما هي الروح؟”
– ” لست متأكداً. على أي حالٍ، إنها لم تعد هنا ولا هناك، هي غير مرئيةٍ!”
هكذا جرى الحديث، وفي وقتٍ لاحقٍ، اقترح أحدهم:
– “ربما الروح هي نفس الروح العليا ل “إيشاور””.
– “طبعاً” أومأ له آخر وتابع: “لا بدّ أنها كذلك. الروح هي “إيشاور”. ونحن نبحث عن السمو!”

وحالما انتشرت هذه الفكرة الجديدة، تحركت الأمور بشكلٍ أسرع ، كما شعر الكثير منهم بقربهم من “إيشاور” وآمنوا بمعرفتهم لنواياه. وبدأ السكان يشيعون أن “إيشاور” يكره من لم يؤمن منهم بهذه الفكرة، وأنه يريد أن يراهم يغزون المستعمرة المجاورة، وأنهم إذا ماتوا وهم يحاربون جيرانهم الشياطين فسيكون هو راضياً عنهم.
الكثير من المستعمرات كانت مقتنعةً جداً بكل تلك الأفكار التي عُمّمت عليهم. وفي الحال انضموا إلى الجيوش التي حاربت لتمجيد اسم والد “الشالغراميين”… كان ما يعرفونه عن النوايا الحقيقية لوالدهم قليلٌ جدّاً.

أدى انتشار تلك المعتقدات الزائفة إلى ازدياد عدد الحروب. وتقاتل المستوطنون مع بعضهم، مدمرين المزيد والمزيد من البدلات الفضائية، وبدأت العربات تتزايد بشكلٍ متسارعٍ لتحل محلها.
وفي كل مرةٍ يُضطر أحد “الشالغراميين” أن يترك زيّه يُدرك مرةً أخرى أنه كان نقطةَ ضوءٍ، وأن هذه كانت هويته الحقيقية. لكنه في الوقت نفسه كان مرتبطاً للغاية بالجانب المادي للحياة، لدرجةٍ أنه نسي هذه الحقيقة على الفور، وعاد مرةً أخرى ليسكن جسداً جديداً وشاباً.

إنّه لمضحكٌ حقاً أن نرى كل هذه النقاط الصغيرة من الضوء تتخذ لها مركباتٍ كبيرةً مصنوعةً من المادة، وبهدف إرضائها والعناية بها تكرس لها كلّ وقتها. ومع اقتناعهم بذلك استسلم “الشالغراميون” للملذات وغضبوا من ظلّ خطرٍ يهدد تلك الملذات. وهكذا تزايد بينهم الجشع دون توقفٍ.

استمرت أعداد القادمين من عالم النور بالازدياد فقد كان فضولهم يدفعهم للقدوم ورؤية ما يحدث على هذا الكوكب. وكان كلّ واحدٍ منهم يرغب بتأدية دورٍ ما في هذه المسرحية العظيمة التي تجري. سرعان ما خلا عالم النور من سكانه، ولم يبقَ إلا شيفاه، الأب الأعلى للشالغراميين. ومع أنه لم يتحرك إلا أنه كان على درايةٍ وعلمٍ بكل ما يجري، وانتظر حتى يحين الوقت المناسب ليفعل شيئاً.

الفصل الخامس: نهاية المسرحية

ثم جاءت اللحظة التي عجّ فيها الكوكب بالسكان. حوالي 8 مليارات “شالغرامي” يعيش في أجسامٍ أصبحت أقل جودةً من السابق، وأصبح عمرها أقصر، إضافةً لكونها الآن عُرضَةً للتشوهات والعيوب.

لقد وجد السكان، وخاصةً القادمين الجدد، المعرفة العلمية والتكنولوجية التي ضاعت منذ فترةٍ طويلةٍ، وأيضاً تحررت معظم المستوطنات من عزلتها، واستعادت جميع أنواع الاتصالات بينها. لكن بدل أن يصبحوا أصدقاء، اشتدت منافستهم أكثر فأكثر. لم يعد أي “شالغرامي” يثق في الآخر لأن الشك كان أقوى، وسرعان ما أشعلت نيران الحروب العظيمة الكوكب بأكمله. وقد استخدمت المعرفة الجديدة لإنشاء أسلحةٍ مرعبةٍ وأكثر تطوراً لتدمير المركبات المعادية. لم يعد أحد يتحدث عن الروح معتقدين أن الموت هو المصير المحتوم لساكني تلك الآلات بمجرد إيقافها عن العمل. أصبحت هذه الكائنات الصغيرة ضعيفةً جداً وغير نقيةٍ حتى أنّها لم تعد تملك أدنى مستوىً من المعرفة عن “الشالغراميين” الذين يعيشون داخل هذه الأجسام.

بدأوا يكرهون أنفسهم أكثر فأكثر عندما قلّتْ الأشياء الضرورية للحياة لأن الأرض لم تعد تزودهم بها بوفرةٍ، وحتى الوقود اللازم لتشغيل آلات الطيران التي أعيد اختراعها نقصت كميته، كما قلّ عدد الكراسي ذات العجلات التي كانوا ينتقلون عليها من مكانٍ إلى آخر أسرع من الريح. أما عن الطبيعة التي انتُهِكَت وتعرّضت للتدنيس والتخريب فلم تعد تتسامح معهم. وكانت كل ملذاتهم الأنانية مليئةً بالتهديدات، أما فخرهم وغطرستهم فقد أصبحا مرعبين. كانوا يريدون أن يقتلوا ولم يتخيلوا وجود أي حلٍ آخر غير الجريمة والدم للتعامل مع الاكتظاظ السكاني الذي ساد الكوكب. وكانوا يحرصون على احتكار موارد الكوكب حفاظاً على مجموعاتهم. لهذا فقد اخترعوا أسلحةً تمكنهم من القتل بطريقةٍ فعالةٍ.

لم تكن الحياة أسوأ من ذلك. كان أولئك الذين تبعوا رسالة “شيفاه” يكرهون كل من تبع أحداً غيره. وبوجود أنواعٍ مختلفةٍ من المركبات الفضائية، فإن أولئك أصحاب المركبات البيضاء سيحتقرون أولئك أصحاب المركبات السوداء، والعكس صحيح. كذلك هو الأمر بالنسبة لمن يمتلك عرباتٍ مذكرةً وغيرهم ممن لديه عربةً مؤنثةً سيضطهدون بعضهم وسيسعى كل منهم إلى إرضاء رغباته الخاصة بكل طريقةٍ ممكنةٍ ومُتَخيّلةٍ. يستخدم “الشالغراميون” الآن قدراتهم فقط للتلاعب والاستغلال، فقد أصبح المال والسلطة آلهتهم الجديدة. وبسبب كل هذا، تحول كامل الكوكب إلى نارٍ ودماء. وتحولت أزهار الحديقة إلى أشجار شائكةٍ.

في هذا العالم الآخذ بالانحطاط، حتى أقوى “الشالغراميين” وأكثرهم استقامةً لم يعودوا قادرين على التفاهم مع بعضهم كالسابق. وعليه فقد استقرّ شعورٌ كبيرٌ من الإحباط في قلوب كل سكان الكوكب. نسي “الشالغراميون” مجدهم القديم بالكامل، ولم يعودوا يؤمنون سوى بأكاذيبَ لا تصدق. تحوّل الخير إلى شرٍّ والشر إلى خير، تبدلت جميع القيم والمرجعيات، لم يعد أحدٌ يفهم أي شيءٍ. من جهةٍ ثانيةٍ فقد استفاد بعضهم من هذه الحالة فخلقوا المزيد من الألم والمعاناة فقط بهدف السيطرة على الآخرين بسهولةٍ أكبر. ولكنهم كأي شالغرامي آخر فقد عانوا الكثير في داخلهم… اختفت السعادة والسلام تماماً، وتحولت الجنة ببطءٍ إلى جحيمٍ دون أن يدرك أحد شيئاً…

ومع ذلك ، بقي هناك البعض منهم، ممن رأوا، في أعماق ذاكرتهم، كيف كانت الأحوال في السابق. تذكروا أن السلام والتناغم والسعادة المطلقة سادت طويلاً. فكان من البديهي أن يدركوا أنه في مكانٍ ما كان يعيش شخصٌ يمكنه تطهير هذا العالم القذر وتحويله إلى سعادةٍ أكثر مثاليةٍ. لكن من كان هذا الشخص؟ أين هو الان؟

أخذ الطفل الشالغرامي، الذي كان أول إمبراطورٍ في بداية العصر الذهبي لهذه الحضارة، عدداً كبيراً جداً من المركبات المختلفة. ومثل كل الآخرين، كان قد نسي هويته الأصلية ممضياً معظم وقته وهو يتعبد صور “نارا يان”، أول إمبراطور، ومع أنه كان هو نفسه هذا الامبراطور لكنه نسي ذلك.
كان يعشق هذه الصور ويعتقد أنها تمثل الأب الأسمى لشعب الكوكب. وعلى الرغم من حالة العالم التي يرثى لها، فقد كان واحداً من القلائل الذين عاشوا حياةً حلوةً وهادئةً مكرسةً بالكامل للعبادة ولجلب السعادة للآخرين، كان دائم التفكير بالأب الأعلى متسائلاً متى سيأتي في النهاية؟ كم من الوقت ستستمر هذه الضائقة؟ 1000 عام أو 40000؟ 1000000 سنة؟ للأبد أم أنها 100 سنة فحسب؟ هل يمكن أن يحدث هذا؟

إن الأمور تسير من سيئٍ إلى أسوأ، والحروب والمجاعات تزداد باستمرار، والطبيعة نفسها لا تزال أشد قسوةً لأن الناس قد لوثت عناصرها، مما اضطرها إلى السعي للانتقام. زلازل هائلةٌ وقعت وموجاتٌ عارمةٌ روّعت المستوطنين الذين توسلوا إلى الأب لإنقاذهم.

وأخيراً انتهى الأمر بسماع شكاويهم…
وعندما عرف “شيفاه” أنهم في النهاية كانوا صادقين علم أن الوقت قد حان ليتدخل.
كان الإنهاك قد استحوذ على المسافرين بما فيه الكفاية. إنهم يريدون العودة إلى ديارهم، إلى كوكب النور، ولكنهم كانوا سجناء في ملابسهم بسبب تعلّق حواسهم الخمس بالملذات. لذا قرر الأب الذهاب والعثور عليهم، لتعليمهم كيفية الطيران مرةً أخرى وإعادتهم بأمانٍ إلى محيط السلام.
وعندما حانت اللحظة المناسبة، نزل “شيفاه” مثل نجمٍ ضعيفٍ على الكوكب. دخل بدلة الطفل الذي بقي الأنقى والأكثر ولاءً طوال هذه الإقامة الطويلة على الكوكب وجلس بجانبه في غرفة التحكم بين الحاجبين وقال:
– “مرحبا، أنا “شيفاه””.

وسحبت الروح العليا الشالغرامي من جسده لتكشف له عن شكله الحقيقي. ثم بدأ شيفاه بتعليم هذا الطفل كيفية الطيران مرةً أخرى ليصبح قادراً على ذلك مثله تماماً.
قال شيفاه: “فقط تذكرني، وستصل إلى كمالك مرةً أخرى. ولتطِر منتصراً إلى وطن النور”.

انتشر خبر وصول “شيفاه” بسرعةٍ. وبما أن شيفاه لم يكن لديه جسدٌ، فقد استعار زي الطفل الأول الذي سماه (براهما) وتحدث باستخدام فمه. وهكذا، أدرك الشالغراميون الواحد تلو الآخر هويتهم الحقيقية من جديدٍ.

في جميع أنحاء العالم، كان من المعروف أن الأب خلال بضع سنواتٍ سيُعيد الجميع إلى ديارهم. ظلّ البعض تائهاً وجاهلاً لحقيقة الجسد والمادة لدرجة أنهم لم يصدقوها. أما البعض الآخر فقد فهم ببساطةٍ لأنهم ولدوا من جديد وهم يصغون إلى الحقيقة المتعلقة بهويتهم.
وعندما وصلت الرسالة للعالم بالفعل، استيقظ الأطفال مرةً أخرى، وبدأت تراودهم رؤىً رائعةً عن الجنة القديمة التي أعادتهم إلى روحهم وفهموا أن شيفاه قد جاء لتحريرهم من تلك الأجساد ورأوا أنفسهم كنقاطٍ صغيرةٍ من الضوء من عالمٍ آخر. وتابع الزمن دورانه.

قال شيفاه لأطفاله: “هذه ليست المرة الأولى التي آتي فيها إلى هنا. عدت كما في المرة السابقة لإعادة الجنة على هذا الكوكب نفسه وكلما حان دوري في هذه اللعبة اللامحدودة سأعود. أما الآن فقد حان وقت الانفصال عن أزيائكم الخاصة والعودة إلى منزلكم الحقيقي. انتهى التمثيل”
لكن الشر وصل إلى ذروته واندلعت حربٌ ضخمةٌ عندما أدرك السكان أن الأب قد جاء أخيراً. سقطت أجسامٌ معدنيةٌ في بعض المدن المكتظة، ودمرت الحروب الأهلية مدناً أخرى، واختفى عددٌ كبيرٌ من المستوطنات في الدخان والرماد. وتكفلت الأمواج العارمة والزلازل وغيرها من الكوارث الطبيعية بما تبقى. تم إنقاذ مجموعةٍ صغيرةٍ فقط. وتم تحرير الشالغراميين أخيراً من سجونهم الجسدية. تبع الجميع شيفاه وطاروا نحو المنزل، وقلوبهم خفيفةٌ ومشعةٌ بالفرح.
أحرارٌ أخيراً!

الفصل السادس: السلام لم يعد كافياً بعد الآن…

عاش الشالغراميون مرةً أخرى في محيط السلام، وعاد بريقهم يشع من جديدٍ والتفوا حول الأب الذي كان سعيداً بعودتهم جميعاً إلى المنزل.
سرعان ما نسي الجميع رحلتهم العظيمة، ولم يعد أيٌّ من الأطفال الشالغراميين يستطيع أن يتذكر أحداث الماضي الصاخبة. يبدو أنهم يطوفون في هذا المحيط الصامت، كما لو أنهم لم يتركوه أبداً.

وعندما قال طفل:
– “هذا لا يكفي… أريد ان أعرف السعادة، أريد أن أستكشف عالما آخر”
ابتسم الأب، ونظر بهدوءٍ إلى ولده وبعد أن توقف لحظةً أجابه: 
– “حسنًا! حسنًا… لقد حان وقت الرحلة الرائعة…”

المسافرون
تأليف: أنجلا دو فرانس
قصة خيال علمي نشرت سابقاً في مجلة الأدب العلمي العدد /٥٨/ حزيران ٢٠١٨

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: