المُنيرة .. – ليندا ابراهيم

ليندا ابراهيم

إلى الوفية العزيزة العظيمة

التي أشعلت زهر اللوز.. ثمَّ غابت… أمي

وهيَ التي مُذْ أذَّنَ الملكُوتُ في بالِ الزَّمانِ باِسْمِهَا، سَجَدَتْ لحَضْرَتِهَا المَواسِمُ والكُرُومْ…

وهي التي مُذْ عرَّشَ الظِّلُّ اللَّطيفُ السِّرِّ في دوحاتها، انبثقَتْ بكَامِلِ وَردِهَا، وَتَلَألأتْ كَزَبَرْجَدِ الإصباحِ، فامتلأ النَّسيمُ بِطَلعِهَا، زيتونةً قُدسِيَّةَ الإثمَارِ، والأسرَارِ، والنُّورِ العظيمْ…

وهيَ التي ألقت لعرَّافِ الجمالِ بأبجديَّاتِ البنفسجِ عند بالِ الرِّيحِ، فازدحمَ القرنفُلُ قربَ ماءِ عُيُونها..

وهي التي مُذْ كَوَّنَ الرَّبُّ العليُّ ممالكَ التَّكوين، صَلَّى لانبثَاقِ أريجِهَا لوزٌ وتينْ…

وهي التي لِغِنَائِها قربَ الحُقُول مَوَاسِمُ الرُّمَّانِ، غزلانٌ تَهَادَى في السُّهوبِ السُّمرِ، أحزانُ المواويلِ الشَّجِيَّةِ، عُتِّقَتْ بغِناءِ أرواح الحُداة الطَّيِّبينْ…

مُذ عَلَّمَتْنِي رَسْمَ وجهِ الخُبزِ في الأعيادِ، ميقاتَ اليَتَامَى في الدُّرُوبِ، وأنشَدَتْ قُربي نشيدَ الخِصبِ والجُوعِ المُعلَّلِ بالأماني…

كانتْ تقُومُ العمرَ لي مهدَيْ أراجيحٍ، وقامةَ راهبٍ من أخضَرِ التَّكوين، عَيْنَيْنِ ائْتَمَنْتُهُما على أسرارِ رُوحي…

أبداً أُحاولُ قمحَها العالي، وأدَّخرُ القوافي سُنْبُلاتٍ يانعاتٍ أخصَبَتْ منْ ماء عينَيْهَا، وأستبِقُ الشَّذا لفَرَاشِ كفَّيها، أهيلُ مواكبَ النُّورِ الخضيلةَ فوق مِصْطَبَةِ التَّرَقُّبِ، قربَها، فلعلَّ قافلةَ الزَّمانِ تعيدُ أبناءَ الحياة الراحلين..

كمْ رتَّبَتْ في بالها كُلَّ المَواعيدِ الشَّذيَّةِ بانتظارِ هُطُولِهِمْ، نَطَرَتْ مَكَاتيبَ الدُّمُوعِ على دُرُوبِ إيابِهِمْ، ومضَتْ لتَحْرُثَ ذلكَ القلقَ المُسافرَ قربَ أدْيِرَةِ الحَنينِ، تبُثُّ أعشاشَ العصافيرِ اليتيمة شجوَ شجوِ حنينِها…

يا صَدْرَها مَأوَى قُلُوبِ الخَائِفِين…

يا كفَّها كم بِتَّ تعجن خيرَ أيَّامي، وتُطْعِمُني رغيفَ النَّاجِحِين…

أو دَمْعُهَا ؟ ياااااااا دَمْعَهَا…

كنزُ الفقيرِ…

وراحتاها: سهلُ قمحِ الجائعين…

هيَ “زينبُ” المظلوم، “فاطمة” اليقين،

و”مريمُ” الأحزانِ إذ تَهَبُ النَّدى للبائسينْ

صَلْصَالُهَا نورٌ..

وفَائِضُ رُوحِهَا ضَوءٌ..

وسَلْسَلُ دَمعها حِبرُ اليَقينْ..

وهي العليَّة، والسَّمِيَّةُ، والسَّنيٍّةُ، والأمينةُ، والرَّؤُومْ…

وهي “المُنِيرَةُ “…

شمسُ دربِ التَّائهين…

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: