النحت والقصيدة في تجربة المبدع أحمد اسكندر سليمان – لبانة ربيع

لبانة ربيع

لبانة ربيع

سبر مكنونات الطبيعة وربطها بالإنسان، والجنوح إلى فهم الأغوار الخفية للروح كسبيلٍ إلى الارتقاء، هي أهمّ ما يميز الفلسفة التشكيلية للمبدع والأديب أحمد اسكندر سليمان، فمنذ بدايات تجربته الإبداعية في النحت، يظهر شغفه بالتفاصيل الجمالية اللانهائية للطبيعة، خصوصاً أن الفنان ترعرع في بيئةٍ غنيةٍ بالجمال هي مدينته (جبلة) السورية.

إنّ ما يبدو من أعمال الفنان النحتية إيمانه الكبير بالطاقة الخلاقة الكامنة في روح الطبيعة، فهو يؤلف منحوتاته من حوارٍ متكاملٍ وفهمٍ عميقٍ لطبيعة المادة التي يستخدمها، ولقد تميز بحرفيته العالية وتمكُّنه الكبير بالأدوات منطلقاً من المرتكز الأساسي القائم على العلاقة بين الفكرة والمادة في تشكيل العمل النحتي.

ارتاد الفنان هذا المجال بتصوراتٍ جماليةٍ عميقةٍ ورغبةٍ في الخلق والابتكار، لم يهدف منها إلى خلق أسلوبيةٍ جامدةٍ أو محاكاة أساليبَ سابقةٍ، لكنه مضى نحو الحرية في العمل، في حواريةٍ شعريةٍ مع طبيعة الحجر والشجر والمعدن، وكأنه يرغب بالنفاذ إلى أصل الأشياء، يفككها في مخيلته ويعيد صياغتها تشكيلياً بين يديه من جديدٍ بلغةٍ معاصرةٍ تفيض بالشعر أيضاً.

تتميز منحوتات الفنان الحجرية بجنوحها إلى التعبيرية والتحوير في الشكل بما يقترب من إيحاء الحجر الخام نفسه، فقد توحي بعض الأحجار بشكلٍ معينٍ للفنان يقوم بالعمل عليه واستنطاقه ليغدو أكثر تصويريةً، أو يختار منها ما هو غامضٌ

وغير شكلانيٍّ ليخلق منه التعابير والإيحاءات الشكلية التي عبرت عن حالاتٍ إنسانيةٍ وأنثويةٍ بالإضافة إلى الوجوه العديدة التي نحتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وتصل الحالة الجمالية مداها العميق حين يُرفق الشاعر نصوصه أو شذراتٍ منها مع منحوتاته، فيصبح العمل النحتيّ  بذلك  قصيدةً تشكيليةً تفيض بالتأملات.

   

 

لم تفتح عينيها

 

لم ترغب برؤيتي

 

كانت تريد البقاء غافية

 

في الحجر

هكذا يمنح الفنان بعداً شعرياً لمنحوتته، تتجلى فيها القيم التعبيرية لإيحاءات الحجر المنحوت وتفاصيله، ونمضي لنتمعن في العينين الغافيتين محاولين تخيلهما فيما لو استفاقتا من الإغفاءة.

هذا الحالة الجمالية المتكاملة نجدها في أعمالٍ مختلفةٍ، منها ما نفذه باستخدام الخشب، الذي كوّن منه حالاتٍ إنسانيةً تحاكي روح الشجرة، والدالية، والتي ركز عليها في العديد من نصوصه ممعناً التأمل في سرها العظيم (الخمرة) كما في عمله الذي استوحى فيه من تمايل غصن الدالية محاكاةً لجسد امرأةٍ عشتاريةٍ، وحكى عن السر النابض في نسغها الخالق لروح الكرمة.

­­­­­­­­­­­­­­­­­­­  

 

 

كما لو أنها النور الكامن في العناقيد

 

كما لو أنها ضائعة

 

في نسغ الدالية

 

وفي علاقة الفنان مع مادة الخشب نلاحظ تجربةً أخرى مختلفةً في النحت البارز، وفي هذه التجربة يعيد الفنان تدوير بقايا نشارة الخشب ومواد أخرى ليحولها إلى تكويناتٍ تشكيليةٍ تقاربنا من عوالم خوان ميرو السوريالية، إنما برؤيةٍ مختلفةٍ، تتحول فيها التكوينات التي شكّلها بعناية إلى أجسادٍ متمايلةٍ تحاكي قوام الخط والنقطة لأبجديةٍ غامضةٍ، حيث تصبح الكلمة إيحاءاً تشكيلياً انسانياً.

وللفنان شغفٌ بالأسلوبية القائمة على إعادة تدوير الأشياء المنسية أو التالفة باستخدام الخردة والأدوات الزراعية القديمة والمواد المعدنية المختلفة، والتي تذكرنا بالفنان (بابلو بيكاسو) الذي غامر في هذه الطريقة وكانت أعماله بدايةً وثورةً جديدةً في عالم النحت المعاصر.

ولقد أبدع فيها الفنان (سليمان) بأسلوبه الخاص ونفّذ العديد من الأعمال بصبرٍ كبيرٍ وحرفيةٍ عاليةٍ، حيث وجد فيها ما يتقاطع فكرياً مع فلسفته الخاصة التي ناضل من أجلها شعراً وأدباً، وهو يتحدث عن ذلك: (إعادة تدوير وإحياء القطع المهملة والتالفة سلوكٌ وثقافةٌ وفلسفةٌ جديدةٌ في مجتمعاتنا تستند أساساً إلى مفهوم التجاور الأساسي في فكر ما بعد الحداثة، تجاور الأزمنة، تجاور ثقافتين، ذلك المفهوم الذي نشأ أساساً في مجتمعاتٍ تتشكل من المهاجرين، هل نستطيع تحويل مجتمعاتنا إلى مجتمعاتٍ من المهاجرين إلى المستقبل بعد أن غرقنا طويلاً جداً في أوهام ودماء ووحول الماضي المستعادة دوماً).

 

العينان مغناطيسيتان

هل ستجذبان

معدن

قلبك البارد

لقد حول الفنان في العمل المرفق مواداَ مهملة (كالمشط المعدني المستخدم في الزراعة والبكرة والمغناطيس والصفائح المعدنية القديمة) إلى وجهٍ ناطقٍ بنصٍّ شعريٍّ؛ وجه رجلٍ مترقبٍ يعيش الاشتياق لمحبوبته. وأضفى على المعدن قيمةً مختلفةً تجلّت في الإيحاء إلى قسوة قلب الحبيبة.

كوّن الفنان بهذه التقنية أعمالاً مختلفةً لوجوهٍ وهيئات محاربين وتكويناتٍ حداثيةٍ تأخذ المتلقي إلى عدة عوالم وحضارات، بكثيرٍ من الحرية والمغامرة بغية استشراف أفقٍ جديدٍ هو نمط تفكير أيضاً وليس تشكيلاً فقط، ويتحدث عن أحد أعماله: (أحيانا لا بد من تبريرٍ ما لعمل تقوم به، أحياناً لا، إذاً يمكن أن يكون الأمر مجانياً لا مردود له ويتسم بكثيرٍ من العشوائية والخفة واللامبالاة وعدم التطلّع إلى أي هدفٍ، نعم هذا ممكنٌ فالنصوص الضابطة والأطر الضابطة والكتب الضابطة والأعراف الضابطة خلقت أخيراً مجتمعات الضبط والتحكم الخانقة التي ستمنع تشكل الفرد وثقافة التذوق لاحقاً، هنا سيبدو فن إعادة التدوير كأحد الفنون الخاصة في محيط موجة ما بعد الحداثة، التي ستسمح بانهيار البنى السردية لصالح الفوضى التي ستتيح إمكاناتٍ أعلى للوحة الكولاج ولفنون إعادة التدوير التي لن تسمح لما هو جديرٌ بالموت أن يموت،  بل سوف تعطيه الفرصة لمجاورة الحياة وبشكلٍ سنرى فيه الصدأ الذي يفكك العالم ويشير إلى الوقت الذي يمضي ويصبح بطلاً في مواجهة لغة الخالدين وفي لغةٍ أكثر خفة ًلا تثقل نفسها).

هذا هو الفنان والشاعر (أحمد اسكندر سليمان) في أحد جوانبه الإبداعية التي تفرّد بها وأتقنها بحرفيةٍ وإحساسٍ كبيرين. والذي نسج من العلاقة بين الشعر والنحت عالماً إبداعياً خاصاً منبثقاً من روحٍ أزلية العشق، لم تغب عنه المرأة كملهمةٍ، وهي لديه الرمز الذي يعني الحرية والانعتاق والرغبة، هي التطلع لمستقبلٍ يتحلى بالبناء والارتقاء والتعددية بعد عصور من القسوة والتعصب والانغلاق.

  يمكن لأغصان الليمون

أن ترقص بين يدي

حين تكونين .. غائبة

 

 

أحمد اسكندر سليمان مواليد 1955

قاص وشاعرونحات سوري مقيم بألمانيا – هامبورغ

أعماله المطبوعة:

1 – الإنقلاب الصيفي (قصص) – ألف للكتابة الجديدة – دمشق 1994

2- نصوص لم تكتمل (نصوص) – إصدار خاص – دمشق 1996

3 – أعمى بلا ندم (شعر) – ألف للثقافة والنشر – دمشق 1998

4 – الكائن في عزلته (قصص) – دار البلد – دمشق 2003

5 – الحبر الضّال (شعر) – دار أرواد – طرطوس 2013

أسس وحرر موسوعة القصة الجديدة في سوريا وصدر عنها:

الكتاب الأول عام 1996 عن دار المرساة باللاذقية

الكتاب الثاني عام 1998 عن دار ألف للثقافة والنشر بدمشق

شارك بتأسيس مجلة ألف للكتابة الجديدة – دمشق 1991 – 1993

شارك بتأسيس وإدارة مهرجان جبلة الثقافي – جبلة 2004- 2010

نشر عشرات المقالات والحوارات والقراءات في الصحف السورية والعربية

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: