الهايكو الياباني – عصام حسن

عصام حسن
عصام حسن

لم أعد أتذكّر التاريخ بدقّة وربما يكون عام 1991. في تلك الأيّام لم يكن هناك من سمع بالشعر الياباني “الهايكو” في سوريا. أو ربما كانوا قلّةً من سمعوا بهذا الصنف الجميل من الأدب.
في ليلةٍ من ذلك العام زرتُ المرحوم الباحث والمفكر “بو علي ياسين” في بيته في اللاذقية. وأثناء الحديث قال لي: سأعرفكَ إلى “الهايكو” الياباني وأظنك ستحبّه. ومثلي مثل الكثيرين لم أكن قد سمعت بهذا “الهايكو” من قبل. وغاب لدقائقَ ثم عاد وفي يده دفترٌ مدرسيٌّ بسيطٌ، فتحته فوجدت العنوان مكتوباً وسط الصفحة الأولى بخط اليد (آهٍ يا نفحة الأبديّة) وتحته جملة “أشعارٌ يابانية” ثم اسم “تويتا ماتسونو” وهي الشاعرة صاحبة الديوان. ثم وجدتُ مقدمةً بسيطةً عن حياة الشاعرة التي توفيت بمرض السل عن عمرٍ لا يتجاوز الـ 32 عاماً. ثم اسم المترجم “عبدو زغبور”.

تصفحت الدفتر وأوّل ما قرأته كان المقطع التالي الذي جعلني أقع في غرام هذا النوع من الشعر:
“حائرٌ بين الغبطة والخوف
يُصارعُ طفلٌ كلباً شارداً.
يبدو لي
وكأنني أنظرُ في قلبي”.

وهكذا مقطعاً تلو الآخر نسيت “بوعلي” الذي كان يدخن ويشرب الشاي ويراقبني بهدوء. أخيراً وبعد استفاقتي من نشوة السحر قال لي: عثرتُ على هذا الكنز بين أغراضي القديمة. سلّمني إيّاه المترجم الصديق “عبدو زغبور” كي أقرأه قبل طباعته. ثمّ نسيه وسافر خارج البلاد. وها أنا أكتشفه اليوم بعد سنوات. فطلبتُ منه استعارة الدفتر. لكنه أبى وقال إنه يخاف عليه من الضياع، وهذا أمانةٌ قد يطلبه صاحبه في أي يوم. لكنه سمح لي بنسخه على أن يتم ذلك في غرفته وعلى مكتبه بحيث لا يغادر الدفتر البيت. وهكذا نسختُ الكتاب على دفتر صغير بخط أنيق. وصرتُ أقرأ منه على أصدقائي وأعرّفهم إلى هذا الشعر الجميل. وكلّما أعجب أحدهم به قمت بنسخه وإهدائه له. وهكذا (في ذلك الوقت) حفظته عن ظهر قلب.

بعد سنة أو أكثر عاد الأستاذ “عبدو زغبور” من السفر وكان في زيارةٍ لـ “بوعلي ياسين” الذي فاجأه بالدفتر، وتبيّن أن الأستاذ “عبدو” كان قد نسي أنه أعار الدفتر لـ”بوعلي” وكان قد فقد الأمل بالعثور عليه معتقداً أنه أضاعه في مكانٍ ما.
هكذا عاد الكتاب إلى صاحبه وقام بنشره في دار “الحصاد” عام 1993 ضمن غلافٍ جميلٍ بسيطٍ صمّمه الفنان السوري “عبد الهادي الشمّاع”. وصار “الهايكو” الياباني في متناول الناس عبر هذه الشاعرة الجميلة وبفضل المترجم “عبدو زغبور”.
وهكذا تعرّفتُ إلى “الهايكو” عن طريق الشاعرة “تويوتا ماتسونو” وبقيتُ لفترةٍ طويلةٍ أظنّ أن “الهايكو” هو هذا الذي تعرّفتُ إليه.

بقي الأمر كذلك حتى التقيت بعد أعوامٍ بالأستاذ “وفيق خنسة” العائد من اليابان حيث كان يدرّس في إحدى جامعات طوكيو. فسألته عن الحياة والثقافة اليابانية، وعرفتُ (كما ذكر لي وأنا أثق برأيه) أن اليابان ومثلها كوريا ـبجزأيهاـ يدينون بالكثير للصين ثقافياً ومعرفياً. كذلك عرفتُ منه أن “الهايكو” شيءٌ خاصٌّ جداً بالثقافة اليابانية، ومن الصعب فهمه ” تذوّقه” بالنسبة لنا نحن أبناء الصورة والمجاز والتشبيه. وعرفتُ أيضاً أن “تويوتا ماتسونو” لا تمثّل “الهايكو” الياباني، بل تعتبر تجربةً حديثةً، وفيها خروجٌ عن أصول “الهايكو” لذا تعتبر “ماتسونو” مجدّدةً، وهناك الكثير من اللغط حول نتاجها الشعري، ونتاج الجيل الشّاب الذي يحاول مثلها التنصّل من القواعد والأصول. رغم ذلك لم يخفّ إعجابي بشعرها بل وجدتُتي أنظر إليها بإعجابٍ أكثرَ بغضّ النظر عن اسم وتصنيف ما تكتبه. وقد أوردتُ لاحقاً في قصّتين من قصصي مقاطع من “آهٍ يا نفحة الأبدية” لأعرّف الناس أكثر إلى هذه الشاعرة كالنص التالي الرقيق:
” في الليل
حين تشعر في المدينة الغريبة
بلمسةٍ رقيقةٍ على قلبك
فاعلم أنها يدي”.

هذه المعلومات شجعتني على البحث، وعرفتُ أشياء أخرى وأحببتُ هذا “الهايكو” أكثر. إلى أن التقيتُ عام 2010 الأستاذ “محمد عضيمة” الذي أهداني نسخةً من كتابه “كتاب الهايكو” وبعنوانٍ فرعي “ألف هايكو وهايكو” على غرار “ألف ليلةٍ وليلة” الصادر في العام نفسه عن دار “التكوين” مُترجماً من قبل الأستاذ “محمد عضيمة” و “كوتا – كاريا” وحدّثني الأستاذ “محمد” عن “الهايكو” وجمالياته الغريبة عن ثقافتنا. ثم قرأتُ لاحقاً الكتاب ومقدمته الهامّة التي جعلتني أفهم ما هو “الهايكو” تماماً، ولا أدّعي أنني تذوّقت كلّ ما جاء في الكتاب لكنني بتّ أستوعب أكثر ماهيّة ما أقرأه. ووجدت في المقدمة إن لفظة “هايكو” تتألف من مقطعين: الأوّل “هاي” ومن معانيه الأولية التي وضع لأجلها، المتعة والامتاع، الضحك والإضحاك، أن تغيّر مظهرك الخارجي وتسلي الآخرين، التمثيل. والثاني: “كو” ومعناه لفظة أو كلمة أو عبارة. وإذا ترجمنا حرفياً سنقول: “عبارة أو كلمة ممتعة، مسلية، مضحكة”. ثم إذا أخذنا تطوّر دلالة اللفظة التاريخي، وانحرافاتها هنا وهناك والحالات التي سلكتها سنصل إلى ما يمكن أن نسميه “حسّ الطرافة بشكل جدّي، المزاجيّة الظريفة، العبثيّة المسليّة”.

سأكتفي من المقدمة بهذا القدر بعد أن أضيف هذا التنويه الصغير الضروري كي تكتمل الفكرة: “…والواقع إن لفظة “هايكو” هي اختصارٌ لكلمتين كانتا تستخدمان في بدايات هذا الفن، الأولى “هايكاي” والثانية “هوكّو”. وسأترك للقارئ أن يبحث بنفسه عن باقي المعلومات وهي كثيرةٌ.
– لماذا لا نتذوّق بسهولةٍ “فن” الهايكو؟
يجيبنا الأستاذ عضيمة عن هذا السؤال قائلاً: “…لأن قصيدة الهايكو لا تستعير ولا تجيز، أي ليست استعارةً ولا مجازاً، ولا تعني أبعد مما تقول” …. ” فهي نقلٌ أمينٌ وذكيٌّ لواقعٍ ملموس”.

أصعب ما يواجه الشعر هو عملية الترجمة. حيث من شبه المستحيل ـ إن لم نقل مستحيلاً ـ نقل المعاني الخفيّة للكلمات ودلالاتها الثقافية من لغةٍ إلى أخرى. ومهما كان المترجم متمكّناً من اللغتين اللتين يعمل عليهما فسيبقى هناك ما يغفل عنه أو يعجز عن نقله بشكله الأمثل. لذلك قيل في الشعر المترجم: “إنه كالقبلة من وراء الزجاج” و “إنه الوجه السفلي للسجادة” وأظن إن هذين القولين يعبران عن صعوبة الأمر بطريقة لا تحتاج للشرح أكثر.
فما بالكم بنوع من “الفن” الأدبي الخاص جداً كـ “الهايكو” الياباني! ماذا ستفعل الترجمة بمقطعٍ شعريٍّ مكثّفٍ بعدة كلمات؟ كيف سينقل المترجم روح الكلام المكتوب. وهذا أهمّ ما في “الهايكو”: الروح.

عبّر الأستاذ “محمد عضيمة” عن هذه المصاعب فقال في مقدمة كتابه “ألف هايكو وهايكو” بتواضعٍ وثقةٍ بالنفس قلّ نظيرهما: “شخصياً لا أعرف كيف أتذوّق هذا الهايكو حتى الآن، ولا أعرف أين عبقريته” ص11. وفي مكان آخر يقول: “…إن قصر الهايكو ومعناه الجلي غالباً لا يتيحان الكثير من المناورة والتدوير اللغويين” ص19. ثمّ: “…يقول الهايكو ما يريد قوله بأقصر وأسرع صيغةٍ ممكنةٍ، وكأنه لا يقول شيئاً، يرفع الرأس أو يتردد في القول، أو يستحي مما يقول. إنه مزحةٌ فنيّةٌ خاصّةٌ بأولاد الشّمس المشرقة، ولذلك يبدو نقله إلى لغةٍ أخرى شبه مستحيل …” ص19.
أرجو أن نتذكّر أن كاتب هذا الكلام يعيش في اليابان ويتكلم اللغة اليابانية ويقرأها ويعيش تفاصيل الحياة اليابانية. إن إعجابي وثقتي بهذا الرجل (الأستاذ محمد عضيمة) جعلني أعتمد عليه في فهم هذا “الفن” أو على الأقل في محاولاتي لفهمه وتطوير ذائقتي في هذا المجال. وفي المقدمة ذاتها نقرأ: “…لا قيمة تذكر ـ للهايكو ـ خارج لغته في نظر أي ياباني. ويكاد الأمر يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ علاقة المسلم بالقرآن، أو علاقة القرآن باللغة العربية في نظر هذا المسلم ..” وكي نفهم خصوصية الهايكو الياباني أكثر، أرجو أن تقرأوا الكلمات التالية بهدوءٍ وتمّعنٍ: “…الجدير بالذكر هو رغبة الياباني عموماً، لا سيما المثقف، في أن تتاح له فرصة كتابة هايكو واحدٍ قبيل الموت يختصر فيه حياته. وهذا تقليدٌ معروفٌ، وله تاريخه. لكن ألا يذكرنا هذا الأمر برغبة المسلم في أن يلفظ الشهادتين قبيل الموت إن استطاع، إلى هذا الحد، وربما أكثر، علاقة الياباني بفن الهايكو”.

بعد هذا العرض هل يمكننا أن نتذوّق أهم ما كُتبَ في الهايكو الياباني؟ جرّبوا ذلك. وأرجو من الأصدقاء المعجبين مثلي بهذا “الفن” التمعّن بهذا المقطع والتفكّر فيه. وما سأعرضه لكم الآن هو: “..أشهر هايكو في اليابان حتى اليوم. وليس هناك ولدٌ أو والدٌ، مدرّسٌ أو دارسٌ، إلّا ويعرفه عن ظهر غيب، وهو مُترجمٌ إلى جميع لغات العالم الحيّة، بما فيها العربية، ……. وقد أسال من الحبر في اليابان وخارجها بما قد يملأ بركتين عوضاً عن البركة. يقول باشو (وهو أشهر من كتب الهايكو في اليابان) 1644-1694
“يا للبركة العتيقة
قفزتْ ضفدعةٌ
صوتُ الماء”.
“…وما من يابانيٍّ يسمعه أو يردده حتى ينتابه شعورٌ معينٌ بالسعادة، ويُعتبر مثالياً لاحتوائه على جميع العناصر الضرويّة المكوّنة للهايكو. ويُحكى أنّ “باشو” كتبه عشرات المرّات ليصل في النهاية إلى الصيغة التي بين أيدينا. وهذا هو الهايكو الذي سيعارضه في ما بعد هايكوي كبير ـ نسبةً إلى من يكتب الهايكو ـ يدعى “ريوكان” 1758-1831:
“يا للبركة الجديدة
قفزتْ ضفدعةٌ
لا صوتَ للماء”.

إحدى مشاكل الهايكو الياباني بالنسبة لنا ـ نحن الغرباء عن هذه الثقافة ـ هو أن الهايكو ليس فقط كلماتٍ ذات معنىً مرصوفة جنباً إلى جنب. بل هي أيضاً بالإضافة إلى ذلك مقاطع صوتيةٍ مرتبطةٍ بالنص المكتوب ومؤثرةٍ فيه وفينا كمستمعين وقرّاء. والأمر ليس عشوائياً كما قد نظن للوهلة الأولى.
وأعود إلى مقدمة الأستاذ “عضيمة” لأنقل لكم ما يلقي الضوء على هذه المسألة: “…أهم ما يميّز الهايكو من حيث الشكل هو القِصَر. ويُكتب على يمين الصفحة من الأعلى إلى الأسفل، موزّعاً على ثلاثة أسطر وفق مقاطع صوتيةٍ محددةٍ العدد هكذا: 5-7-5 أي في السطر الأول خمسة أحرف (أصوات) قد تكون كلمةً واحدةً أو كلمةً وحرفاً يجد تتمته في ما يجيئ بعده أو كلمتين، وكذلك في السطر الثاني سبعة أحرف قد تكون أيضاً كلمةً أو أكثر أو أقل، وأخيراً نختم بخمسة أحرفٍ بحيث يتكون المعنى. ونقول عن كل حرفٍ مقطع صوتي…”.
إذاً الأمر ليس اعتباطياً وفيه من الدقّة والانضباط ما يدمّر مقطع الهايكو لو انحرف قليلاً عن القاعدة الذهبية تلك. وأرجو منكم قراءة ما يلي بدقّة شديدة كي نفهم أكثر أهميّة الربط بين الصوت والكلمة:
“…وهناك شبه إجماعٍ على احترام هذه القاعدة الذهبية القديمة لعدد المقاطع الصوتية، ليس لأنها قاعدةٌ وينبغي التقيد بها كشرطٍ للهايكو الناجح وحسب، بل ولأنها في الأساس أيضاً تؤكد على التطابق بين المدة الزمنية التي يستغرقها النّفَس عند إطلاق آهة التعجب أو التمتّع بشيء، وبين المدّة الزمنية التي تستغرقها قراءة سبعة عشر حرفاً أو مقطعاً صوتياً. أي أن قراءة الهايكو الواحد تكون بجرّة نفس واحدة وبدون أدنى ضغط على النفس. وهذا ما يعادل الزمن الذي تستغرقه صرخة “آهٍ يا سلام ما هذا الجمال”. لذلك يُربط بين معنى اللفظ الأساسي (الإمتاع) وبين هذا الحجم المحدد للهايكو وبين الموضوع الذي ينحصر بنقطةٍ ممتعةٍ، مثيرةٍ واحدة…” … “.. إن كتابة قصيدةٍ قصيرةٍ ناجحةٍ أصعب بكثيرٍ من حكايات صاحبكم ت.س. إليوت …”. وللدلالة أكثر على خصوصيّة الهايكو الياباني والعوائق التي تمنعنا من تذوّق هذا الفن الرفيع أنقل لكم أيضاً من المقدمة ذاتها “…من الصعب جداً كتابة نطق الحروف اليابانية بالعربية كاملةً، وذلك لغياب أصواتٍ لا بدّ منها اليوم في العربية… مثل الأصوات الثلاثة التالية P.G.V وربما هناك أصواتٌ أخرى أيضاً نحتاجها…”.

يمكننا الآن أن نتصور مقدار ما يفوتنا من المتعة عندما نقرأ الهايكو مترجماً إلى العربية أو غيرها من اللغات. كذلك يمكننا أن نتصور مقدار جمال هذا الفن الذي رغم ما سبق استطاع أن يأسر قلوبنا أو يرسم ابتسامة على شفاهنا كما في المقاطع التالية. ولكن هذه المرة من كتابٍ آخر من ترجمة الأستاذ “محمد عضيمة” و”كوتا كاريا” جاء تحت عنوان “الأعمال الكاملة” للشاعر “إيشاكاوا-تاكوبوكو” صادرٌ عن دار التكوين عام 2015 وأعتذر عن نقلي لهذين المقطعين دون أذنٍ من الناشر أو المترجم:
“من الغيرة
فعلت مثله
الكلب الذي تثاءب طويلاً على طرف الطريق”.

“منذ ثلاثة أعوام وأنا أردّدُ:
سوف أقضيه بالنوم
يوم عطلتي القادم”.

ولكن هل بقي الأمر كذلك؟ هل بقيت القاعدة الذهبية مرجعاً ودليلاً لكتّاب الهايكو من الجيل الشّاب؟ هل بقي المجاز والاستعارة خارج عالم الهايكو؟
للإجابة عن هذه الأسئلة أحيلكم إلى جواب الشاعر المعاصر المعروف “تانيكاوا-شونتارو” عندما سُئل عن سبب كتابته للشعر الحديث فقال: “لا أستطيع أن أعيش على ضفدعة باشو طوال حياتي” ولكن رغم محاولات الجيل الشاب لكتابة شعرٍ مختلفٍ بقي الهايكو الأصيل بثقله وأصالته يهيمن على روح الثقافة اليابانية. “….لم يستطع الشاعر الياباني الحديث رغم الدعاية المحليّة الهائلة له تجاوز حدود البلاد على طريقة الهايكو…” إذاً هذا حصل ومن الطبيعي بنظري البحث عن آلياتٍ جديدةٍ للابداع والابتعاد عن القديم ـ رغم عظمته ـ للتعبير بكلماتٍ جديدةٍ وصياغاتٍ جديدةٍ عن روح العصر الحديث، وهذا حقٌّ للشباب بل هو واجب. ومن هنا جاء إعجابي بـ”تويوتا ماتسونو” وغيرها من الجيل الجديد حين قدّموا شيئاً جديداً في هذا المجال.

والآن، هل يحق لنا أن نتساءل إن كان من الممكن كتابة الهايكو بلغةٍ أخرى ومن قبل شعراء ينتمون إلى ثقافاتٍ أخرى؟
من حيث المبدأ فالسؤال مشروعٌ حول أي أمرٍ. ولو أردتُ الإجابة عن هذا السؤال لكان عندي رأيان متناقضان… يا للغرابة!
الرأي الأول:
إن خصوصيّة الهايكو من حيث انغماسها حتى الإشباع بالثقافة والحياة والتفاصيل اليومية اليابانية حتى إنها ارتبطت بكلمة “ياباني” فمن المستحيل أن تقول هايكو دون أن يتبادر إلى ذهنك كلمة “اليابان” مباشرةً. كل ذلك جعل من المستحيل برأيي صياغة “هايكو” بلغةٍ أخرى وثقافةٍ أخرى. فالهايكو يابانيٌّ وفقط ياباني. علماً أن هناك من كتب الهايكو في فرنسا وغيرها ولكن هل هو هايكو حقاً. انظروا إلى هذه المقاطع الجميلة من الهايكو الفرنسي وسأترك الحكم لكم:
“قالت: نَعَم
لكنها أجابت على عجل
فهمتُ: لا”
/جورج سابيرون/

“أنت بارد بين ذراعي
أتريد أن أدفيء
الريح”
/جين بينشو/

“عاد الصيفُ
نسيتُ
النمْلَ في المطبخ”
/كريستوف روهو/

وكي أوضّح رأيي الأول سأسوق هذين المثالين :
أ) كأن يقوم بعض الراقصين الألمان في ألمانيا بإنشاء فرقة للدبكة الشعبية الفلسطينية. ربما بالتدريب المكثّف يصلون إلى مرحلةٍ يجيدون فيها الدبكة الفلسطينية. وقد أحرص أنا شخصياً لحضور إحدى حفلاتهم وقد أستمتع بمهارتهم. ولكن، كم فرقةٍ “ألمانيةٍ” للدبكة الشعبية الفلسطينية ستنشأ في ألمانيا؟ وكم سيتفاعل الشعب الألماني مع هذه الفرق؟ وما هي حظوظهم بتأسيس فنٍّ جديدٍ ألمانيٍّ يدعى “الدبكة الشعبية الفلسطينية”؟
ب) كأن يقوم مجموعةٌ من الشعراء السويديين بكتابة قصائد شعريةٍ على شاكلة الشعر الجاهلي العربي. ويختصون بكتابة المعلّقات! كيف سنستقبل ـ نحن العرب ـ قصيدةً لشاعر من السويد من صنف “من المعلّقات العربية”. فالمعلّقات العربية الجاهليّة معروفةٌ ومحدودةٌ وخاصةٌ بالبيئة الثقافية العربية في زمنٍ محددٍ وظروفٍ محددةٍ. كيف ستكون هناك معلّقات “سويدية” وأين ستعلّق؟ أين كعبتهم؟ أين خطوطهم العربية؟ أين ماء الذهب الذي ستكتب به؟ أين سوق عكاظهم؟ بالمنطق لا يمكنهم كتابة شيءٍ أو اختراع صنفٍ أدبيٍّ سويديٍّ جديد اسمه “المعلّقات” إن كانوا يقصدون المعلّقات العربية التي نعرفها بكل ما تحمله من ثقافة المنطقة.

الرأي الثاني:
أجد نفسي مع كلّ جديدٍ. ومع اجتراح الحالات الإبداعية ومع الجنون. ويكفي أن يعجبني ما أقرأه ويدخل إلى قلبي حتى أنسى كلّ قاعدةٍ أو مقياسٍ. لذلك أجد أنه من الممكن كتابة أي نوع من الأدب وبأي لغةٍ وتبعاً لأية ثقافةٍ ومن الممكن تغيير المعايير بل نسفها من جذورها لصالح معايير جديدةٍ إن كانت تخدم الجمال والإبداع والرقي.

وبناء على هذين الرأيين المتناقضين اللذين وجدتُ نفسي عالقاً بينهما بطريقةٍ مضحكةٍ. أشجّع كتّاب الهايكو السوريين والعرب عموماً، وأعبر هنا عن اعجابي الشديد بالكثير مما أقرأه لهم. ولكن أناشدهم عدم استسهال الأمر. وعدم الاستخفاف بهذا الفن المخادع الذي يبدو سهلاً. ومن النادر أن تجد شخصاً قرأ الهايكو إلا وحاول كتابة شيءٍ مماثلٍ معتقداً أن الأمر بهذه البساطة.
أخيراً شكراً لكل الأصدقاء الذين عانوا معي في قراءة هذه السطور وصبروا إلى النهاية.
عصام 2017.7.17

2 thoughts on “الهايكو الياباني – عصام حسن

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: