بعد نيرودا: الرّبط بين أفضل ثلاثة شعراء في أمريكا اللاتينيّة – ترجمة بشرى إبراهيم

بشرى ابراهيم

في هذه الدّراسة سنستعرض مسيرة وأعمال أفضل ثلاثة شعراء في أمريكا اللاتينية، وأوّلهم بابلو نيرودا من تشيلي وهو من جيلٍ من الكُتّاب أكثر قدماً، بينما ديفيد هويرتا من المكسيك وروبيرتو بولانو، الذي وُلِد في تشيلي وترعرع في المكسيك، فكلاهما يتبع إلى الجيل التّالي حيث وُلِد هويرتا في عام 1949 وبولانو في عام 1953، ولحسن الحظّ فإنّ هؤلاء الثّلاثة لديهم عملٌ منشورٌ في طبعاتٍ ثنائيّة اللغة بالطّريقة التي يجب أن يُقدَّم الشّعر فيها.

وُلِد بابلو نيرودا – كما كان يُلقّب بـ نيفتالي ريكاردوريس باسوالتو – بتاريخ 12 تموز 1904 في بلدة بارّال في تشيلي، وتخليداً لذكرى الشاعر التشيكي جان نيرودا كان قد بدأ في عام 1920 باستخدام اسمه المستعار عند تقديم الشعر لمجلة سيلف أوسترال الأدبيّة. وفي عام 1924 نشر عمله الأكثر شهرةً وترجمةً (عشرون قصيدة حبّ وأغنية يأس) viente poemas de amor y una cancion desesperada، وقد مُنح بين عامي 1927 و 1935 عدداً من القنصليّات الفخريّة في أماكن كـ بورما وسيلون وجافا وسينغافورة وبيونيس أيريس وبرشلونة ومدريد، وفي نهاية المطاف عَرِفَ فيديريكو غارسيا لوركا والذي أثّرت جريمة قتله السّياسيّة فيه تأثيراً عميقاً. وبالعودة إلى تشيلي عام 1943، انضمّ نيرودا إلى الحزب الشّيوعي وكونه عضواً في مجلس الشّيوخ فقد اتّخذ موقفاً قوياً ضدّ الرئيس غونزاليز فيديلا الذي انقلب ومثّل المصالح المالكة في المجتمع التشيلي على الرّغم من الاعتقاد على أنّه شعبويّ، وقد أُجبِرَ نيرودا على العيش مختبئاً لمدة سنتين وكان قد أنهى مسيرته المهنيّة بعمل (نهاية العالم) fin de mundo في عام 1969.

وفي مقدّمته إلى (نهاية العالم) يكتب وليام أودالي: “وبكونها منقّحة موسيقيّاً ومنظّمة من حيث المواضيع، فإنّ هذه القصيدة التي يبلغ حجمها حجم كتاب هي غالباً رحلةٌ تاريخيةٌ مذهلةٌ عبر الإحباط الاجتماعي والسّياسيّ، وعلى غرار “النّشيد العام”- ملحمة نيرودا عن القارّة الأمريكيّة الجنوبيّة- كان هذا العمل المتأخّر مدفوعاً من قبل عملية تصفية التّجربة في حرائق الخيال الباردة، ومن قبل السّعي وراء القضيّة المشتركة والأخوّة، ومن قبل حدسه بالتّأليف والسّمات، وبالوزن وبصوت زهرة النّرجس والكواكب، وبالأسى والحجارة”. وبعد عدّة صفحات يتابع ويقول: “في (نهاية العالم) يسعى نيرودا لينعش أملاً بأن ينهضَ مجتمعٌ أفضلُ حالاً بفضل تضحيات الشّجعان و”شعراء أثينا المكبّلين” والأبرياء الذين لا حصر لهم وتحديداً الأطفال الذين يموتون على أيادي عقداء أو ثعابين سياسيّة وبقرارٍ منهم، حيث يصوّرون أنفسهم أنّهم على حقّ أو ينظرون إلى أنفسهم على أنّهم آلهة، من قبل أولئك الذين يعيثون خراباً من منطلق خداع الذّات أو جنون العظمة”.

بابلو نيرودا وهو يسجل بصوته لصالخ مكتبة الكونغرس عام ١٩٦٦

يبدأ القسم الذي يحمل عنوان “مقدّمة” في “الباب” حيث تُسأَل العديد من الأسئلة التي لا حلّ لها: “ما هذا القرن الذي لا يتوقّف!\\ نسأل:\ متى سيسقط؟”. من خلال استخدام كلمة (يسقط) بدلاً من (ينتهي)، يبدأ نيرودا بالإشارة إلى الكتاب المقدّس، مثلاً إلى برج بابل: 
ما من أحدٍ أراد أن ينطق بكلمة فجميعهم 
كانوا خائفين من تعريض أنفسهم للخطر 
فالمسافة بين الشخص الواحد والآخر قد ازدادت 
وأصبحت اللغات مختلفة جدّاً 
حيث كان يكتفي الجميع بالصّمت 
أو يتحدثون في وقتٍ واحد

وبينما يشير نيرودا إلى بابل ، فإنّه يعبّر عن لغة الصمت في حكومةٍ استبداديّة.
يستطرد نيرودا بعيداً عن تشيلي ليناقش كامل الحضارة أو غيابها، في عام 1968 يأخذنا إلى ربيع براغ وإلى اللحظة حيث “سقطت ساعة براغ” عندما أطلقت الدّبابات السّوفيتيّة العنان في شوارع تشيكوسلوفاكيا لتقمع الإصلاحات التّحرريّة التي كانت تحدث، يردّ نيرودا قائلاً: 
والآن ونحن نحاول أن نفهم 
فإننا لا نفهم شيئاً 
وفي الوقت الذي يُفترض أنّنا نغني 
يجب أن ننقرَ على القبر بدلاً من ذلك
وكم ذلك من أمرٍ قبيح أنّهم يسمعونك 
وأنّ التّابوت يناديك

تبدو السّرياليّة الطّريقة الوحيدة للكتابة عن هذا العصر الغريب. يكتب نيرودا – الذي ربّما اكتسب هذا الاسلوب من لوركا سّيد النسخة الإسبانية والتي هي أقلّ حزماً – يكتب في “واليوم أيضاً هو”:
يُزهر هذا اليوم الشتويّ 
بزهرةٍ ميّتةٍ وحيدة
يحضّر الليلُ سفينتَه 
تتساقطُ بتلات السماء 
وتعود الحياةُ من غير وجهة 
لتلملم نفسها في كأس نبيذ

وبإعطاء الصور الخياليّة التي سبقت تلك الصفحة، فإنّ الحياة التي تملأ كأس النّبيذ هي لون الدمّ، وما تمّ احتواؤه في الجزء الثّالث هو “لماذا يا سيّدي؟” والذي يكتب فيه نيرودا عن الولايات المتّحدة:
من دون ماذا أو متى 
لقد لطّخوا أنفسهم بالعار في فيتنام 
لماذا كانوا بعيدين كلّ البعد عن الوطن 
مرغمين أن يقتلوا الأبرياء 
بينما تُفرِغ الجرائمُ النّخبةَ 
في جيوب شيكاغو؟
لماذا يذهبون بعيداً للقتل؟ 
لماذا يذهبون بعيداً للموت؟

وحالاً يقارن هذا بـ كوبا:

الاحترام ثمّ الاحترام إلى تلك الحفنة 
من الأبطال الملتحين في الفجر
الاحترام إلى الوهجِ النّاريّ الأوّل 
لشمس أمريكا اللاتينيّة

في “فنّ الشّعر” –القسم الخامس من الكتاب- يجعل نيرودا القارئ مختلساً للنظر إلى عمليّته الإبداعيّة:
كنجّارٍ شاعر 
فإنّني أبحثُ عن الخشب أوّلاً 
خشناً أو أملساً، مطواعاً جدّاً 
وبيديّ ألمس الرّائحة 
أشمّ اللون، أمرّر أصابعي 
على عبق الكمال 
خلال صمت النّظام 
حتّى أنام أو أمرّ إلى جسدٍ آخر 
أو أخلع ملابسي أو أغمر نفسي 
في عافية الخشب 
في أسوارها المستديرة

يعود نيرودا بالزّمن إلى بودلير ورامبو والشّعراء الرّمزيين الآخرين حيث تندمج الأمور ذات المغزى في عمليّة الإبداع. هل العبارة “أخلع ملابسي” إشارة إلى “رقص روسي” لـ وليام كارلوس وليام، وهل سيرقص نيرودا عارياً أمام “ظلاله الصّفراء المرسومة”؟
في قصيدة رائعة للغاية “الطّفلة الفدائيّة”، يكتب نيرودا:
لقد مرّ عامٌ واحدٌ منذ أن توفيت في أستروليبيا 
طفلةٌ فدائيّة
جميلةٌ كرمّانة
اغتيلت على أيدي رجالٍ سيّئين 
بحزنٍ وبفرح، قتل الرّجال الأخيار قاضياً
بعدها اغتال الرّجال السّيّئون 
طالباً شجاعاً
والليلة نسمع أن الأخيار 
في أداء واجباتهم 
قتلوا طبيباً بيطريّاً
أستروليبيا هي امتدادٌ ضيّق 
من الماء والبركان 
منطقة العراقة والخصوبة 
حبس الجَّمال نفسه
كما لو أنّه في حقيبةٍ زمرّديّة
ولكن أستروليبيا تستمرّ في الموت 
بين الأخيار 
والسيّئين 
حتّى يغادرونها ميّتةً
بين رشّاشَين

لا حاجة للغة القانون هنا، ولا يوجد سببٌ للأكاديميّين كي يكتبوا كتباً فإنّ أبسط ما في اللغة والانقسام الكامل بين الخير والشرّ يَدَعُوننا نعلم جميعاً أنّه ليس من المهمّ من هو المقتول ومن هو القاتل في نهاية المطاف، إذا أصبح الانتقام والثّأر الشّيء الطبيعي فسيفنى كلّ شيءٍ وستُدمَّر الأرض. ولاحظ بأنّه لم تُستخدم كلمة (شرّير) ولو اُستخدمت لكان اُستحضر أسلوب مختلفٌ تماماً ولربّما ما قبلنا بسهولة الرّسالة التي كان يبعثها نيرودا.

يُعدّ ديفيد هويرتا بالنّسبة للمكسيك كما يُعدّ بابلو نيرودا بالنسبة لتشيلي، فهو أحد أكثر شعرائها أهميّةً واحتراماً حيث وُلد في مدينة المكسيك سنة 1949 وترعرع وسط بيئة والده الشّعريّة، فوالده الشاعر المكسيكي المشهور إيفراين هويرتا. قام هويرتا بنشر مجموعته الشّعريّة الأولى (حديقة الضوء) El Jardin de la Luz في عام 1972، ويؤكّد مارك سكافر في مقدّمته:
إنّ مجموعة هويرتا الثّانية (مذكّرة تشرين الثاني) Cuaderno di noviembre هي التي أسّسته كصوتٍ شاعريّ مبتكرٍ وجريءٍ في الرّسائل المكسيكيّة وباحتوائها على خمسين قسماً غير معنوَنٍ، فإنّ المذكّرة امتازت بمعجمٍ ضخمٍ في خدمة صوتٍ تم تركيزه بشكلٍ جزئيٍّ على عمليّة الكتابة.

رفض عمل هويرتا الجديد الفكرة المتحرّرة والرّومنسيّة للقصيدة كأسلوبٍ شفّافٍ للتّواصل منقولاً باستخدام “أنا” ثابتة لا تظهر في اللغة، وبدلاً من ذلك فقد قبل السُّخرية والمحاكاة السّاخرة والغموض، وفي الوقت نفسه كانت لغة المذكّرة جميلةً مملوءةً بالصّور المدهشة وفي بعض الأحيان فلسفيّةً بشكلٍ واضحٍ.

في عام 2006 فاز هويرتا بأهمّ وأفضل جائزةٍ أدبيّةٍ في المكسيك، جائزة كسافير فيلاروتيا، عن مجموعته في عام 2005 (النسخة) Version والتي تم وصفها على أنّها “جامعة للنّغمة الاستطراديّة لـ (مذكّرة تشرين الثاني) مع خطٍ روائيّ… والنتيجة هي شكلٌ شعريٌّ ينفصل عن الغنائيّة والتّصرّف المنفعل في القصيدة”.

يقول هويرتا عن الشّعر: “بالنّسبة لي، الشّعر هو شرارةٌ في الجهاز العصبي تتجلّى من خلال كلماتٍ، كلمات فظّة ولكنّها في نفس الوقت جميلةً، ولديها القدرة على إصدار الرّنين، وحتّى الصّيغة، فإنّ صيغتها تكمن في قدرتنا على النّطق بها أو الاستماع إليها، فهي غير ملموسةٍ ولكنّها تمتلك صيغة”.

صورة لغلاف مجموعة “قبل النطق بأي من الكلمات العظيمة ”

وعن الشّاعريقول: “المسؤوليّة الرّئيسيّة التي تقع على عاتق الشاعر هي في جعل اللغة واضحة، فمن خلاله يمكننا رؤية الأشياء المهمّة في العالم والحياة وفي الموت أيضاً”.

تُقسم (قبل النطق) إلى ثلاثة أقسام: “الشّعر القديم” و “مختارات من (عضال)” و “بعد (عضال)”. يشرح سكافير تقسيم (عضال) والذي أساساً قد نُشِر في عام 1987: “في الكتب التي تلت (عضال)… قام هويرتا بإعادة تقليص قصائده، فقصائده القصيرة –قصيرة الطّول والعرض- تترك خلفها الفحص الذّاتيّ المبالغ به والتّركيز على اللغة الواضحة في (عضال)، أيّ الانتقال من اللغة الشعريّة باتّجاه التّعليق الفنيّ إلى حدّ ما”.

يستفتح (الشّعر القديم) بقصيدةٍ من غير عنوانٍ حيث يقول سطرها الأوّل “وأنا أتحسّس من خلال أعماق الموسيقا”. موضّحاً لما يلي، وبإشارته إلى “روز سيلافي” بالتّحديد وهو الاسم المستعار لـ مارسيل داتشامب، فإنّ هذا المقطع يقول:
سمعتُ ألحاناً في حديقة الأموات 
ألحاناً مثل مداعبة المواد المخدِّرة 
فكّرتُ بالحلم المزدوج لـ روز سيلافي 
وأنا أتحسّس من خلال أعماق الموسيقا 
شعرتُ بشحوب الجوع الصّامت الجاذب 
ورأيتُ عرشَ العطش مغطّى بالطّحالب 
مشيتُ عبر جناحٍ من خشخاش الأفيون 
وارتديتُ قفّازات الكوابيس.

يحتوي ذلك السّطر الأخير على تراصفٍ غير اعتياديّ للشّعر الانكليزي وليس الإسباني كأنّه مرتبط بالنّموذج الأقلّ حزماً من السّرياليّة.
مقاطع القسم الأخير من “قصائد مختارة ” لا تقلُّ جمالاً، فـ “سحابة الصيف” حسيّة جدّاً:
لقد انتظرتكِ هنا 
على الضّفاف الرّطبة لبزوغ الفجر 
ورأيتكِ كيف وصلتِ طاغيةً على كلّ شيءٍ
وشعرتُ بحرارة يديكِ على جسدي وعرفتُ 
أنّك كنتِ هنا فرعشتُكِ البطيئة وأنتِ قادمةٌ باتّجاهي 
شعرتُ بها بشكلٍ لا يقاوم وكأنّها نبوءة 
مثل قطعة خشبٍ متّقدةٍ على سطح البحر 
مثل تحليق الطّيور مبشِّرةً الأرض

وبافتراض وصول سحابة الصّباح الباكر من البحر، فإنّ القصيدة تحوّل السّحابة إلى غزل عاشقٍ. ونقرأ في القصيدة التي تحمل العنوان “قبل النّطق بأيّ من الكلمات العظيمة”:
هناك أيضاً الكلمات الحاسمة والقصيرة: نعم ولا والآن وأبداً والحب العَكِر والموت الطاهر والشعر المهتز.
وتوجد كلماتٌ أخرى تشبه الفنّ من أجل الفنّ نفسه مثل خشب الصّندل، على سبيل المثال، وكلماتٌ مثل الحمض النّوويّ، فهي متداخلةٌ ومستحوذةٌ على رشاقةٍ علميّةٍ لا تُنكَر، وهويّةٍ مستفيضةٍ وحادّةٍ ومعقّدةٍ، كلّه دفعة واحدة، كما أنّها متعلّقةٌ بتلك الكلمة الأخرى “الحياة”.

يظهر هنا قاموس للغة الحياة بعَظَمةٍ بانوراميّةٍ على الصّفحة، فالسّطور التي يكتبها هويرتا مقصودة، حيث يظهر الجمال من نتانة اليوميّات في (قبل رمي القمامة): 
أمامَ رقائقِ الألمنيوم وزوبعةِ المواد العضويّة 
وأمام أوراقِ الخسّ المتحوّلة إلى اللون الأصفر أو البنيّ
وأعقاب السّجائر سيّئة السّمعة من الليلة الفائتة، وقبل 
رمي النفايات فإنّ الأمر يستحقّ
أن ننظرَ إلى العالم بأمسياته الهادئة 
وعذوبة مقطوعاته الموسيقيّة

يأخذ هويرتا شعره إلى نطاق النّثر في آخر عملٍ له، وأفضل مثالٍ على ذلك هو “باتّجاه السّطح” حيث يقول المقطع الأخير:
تلمع العيون نحو السّطح حيث تتموّج بداخله مع أملٍ للنّجاة وإيمانٍ بالرّموز المنبعثة وبلازاروس الكَهُوف وبالموت والدّفن، تندفعُ نحو السّطح العديد من الصّور والتّذمّرات التي جعلت جدران الضّوء سوداء وشهادات الهجر وانكسار الكائنات الحيّة المتنوعة. ونحو السّطح، كراعٍ يسيرُ بعيداً خارج المسار، فإنّ القصيدة التي تاقت أن تكون مكتوبةً ولم تستطع تجاوز حويصلات الصمت، وهي متلاشيةٌ مع الامتلاء ومضيئةٌ إلى درجة التّعمية ومليئةٌ بالشّهيّة للسّطح، قد تطوّر الشّيء الوحيد الذي يمكن أن يأخذها في رحلة نهائيّة باتّجاه السّطح.

أحد آخر القصائد في هذه المجموعة “علم الشّعر\ المقالة رقم 2” والتي تبدأ بـ:
دخلتُ عيون قوس قزح الحولاء 
ووجدتُ ماءً مستديراً 
ومحاطاً بوميضٍ مائل 
دخلتُ الرّسالة الصّامتة
واكتشفتُ أجنّةً من الرّوايات الرّائعة 
وافتراءَ وأكاذيبَ رجال السّياسة أيضاً

وهنا يوظّف هويرتا إدراكه بأنّ الكلمات قادرة على خلق كلّاً من الجمال واليأس، إنّها هديّة الشاعر على أمل التّحرّك باتّجاه الأوّل وبعيداً عن الأخير ولكن إمكانيّة الأمرين موجودة، وهذا تذكيرٌ عظيمٌ للشّعراء ليحترموا فنّهم ومهنتهم (حيث أنّ لدى الشِّعر جوانبٌ من الأمرين).

وهذا أيضاً موضعٌ ممتازٌ لنترك ديفيد هويرتا وننتقل إلى الشاعر الذي سدّ الهوّة بين نيرودا وهويرتا وبين تشيلي والمكسيك.
وتلك الهوّة قد رُدِمت من قبل روبيرتو بولانو وذلك من خلال نعوته في صحيفة الغارديان، ونقرأ:
يُعدّ روبيرتو بولانو، والذي توفيّ في مدينة بلانس في شمال إسبانيا بسبب القصور الكلوي عن عمرٍ يناهز الخمسين سنة، أحد أكثر الكتاب المدهشين والموهوبين من الجيل الحديث في أمريكا اللاتينيّة. وُلِدَ روبيرتو بولانو في العاصمة التّشيليّة في سانتياغو في عام 1953 وكان نموذجاً لجيلٍ من كُتَّاب أمريكا اللاتينية والذي كان عليهم أن يتعاملوا مع المنفى ومع العلاقة المعقّدة بوطنهم الأمّ وبقيمه وطرقه في البحث عن مأوىً في ظلّ تاريخٍ مضطرّبٍ.

تحوّل بولانو إلى الأدب ليعبّر عن هذه التّجارب دامجاً السّيرة الذاتيّة والتي هي معرفةٌ عميقةٌ في الأدب مع روحٍ من الدّعابة اللاذعة في العديد من الرّوايات وكتب القصص القصيرة، والتي جعلته محطّ إعجابٍ عبر أمريكا اللاتينيّة وإسبانيا. أمضى بولانو وقتاً كثيراً في مراهقته مع والديه في المكسيك وكان قد عاد إلى تشيلي في عام 1972 ليشارك في محاولات الرّئيس الليندي لجلب التّغيير الثّوريّ إلى البلد. وبعد أن تمّ القبض عليه لمدّة أسبوعٍ بعد انقلاب بينوشيه في شهر أيلول عام 1973، قام أخيراً بالذّهاب مرّةً أخرى إلى المكسيك حيث شَرَعَ في عمله الأدبيّ. بدايةً قام بكتابة الشعر الذي يحوي بقوّةٍ على علامةٍ تدلّ على التّجريبيّة والسّرياليّة التّشيليّة، ولكن بعد الانتقال إلى إسبانيا في عام 1977 تحوّل إلى النّثر حيث بدأ بنموذج القصص القصيرة وبعدها برواياتٍ أكثر طموحاً.

وفيما إذا كان بولانو قد التقى بنيرودا سابقاً فذلك الأمر غير معروفٍ حيث عاد إلى تشيلي قبل موت نيرودا بفترةٍ وجيزةٍ، ولكن حتى لو لم يقابله فإنّه بالتّأكيد متأثّرٌ بسرياليّة شعر نيرودا. وكذلك الأمر بالنّسبة لعلاقته الممكنة مع ديفيد هويرتا ووعيه له، حيث عاش في المكسيك خلال تلك السّنوات التي انتشر فيها أول كتاب لهويرتا.
وفي المراحل الأولى من كتابه فإنّنا نجد ما يردم الهوّة وهو تلك الرّوح الثّوريّة لدى الأمريكان اللاتينيين والتي تظهر في نهاية “تصوير النّفس في سنّ العشرين”:
وثمّ 
ورغم الخوف، فإنّني أنطلق، وبوجنتي 
أواجه وجنةَ الموت 
وكان ذلك مستحيلاً أن أغلق عينايّ وأخسر رؤية 
ذلك المنظر الغريب، فهو بطيءٌ وغريب 
على الرغم من أنّه ثابتٌ وراسخٌ في مثل هذا الواقع السّريع
حيث آلاف الشّباب مثلي بوجوهٍ بريئةٍ
أو ملتحيةٍ ولكنّها أمريكيّة لاتينيّة، جميعنا
نغسلُ وجناتِنا بالموت

ليس المهمّ إلى أيّ مكانٍ يتوجّه الشّخص في أمريكا اللاتينية، فهناك تتوضّع تلك الصّرخة ضدّ الظّلم والأنظمة الرّأسماليّة الوحشيّة، بغضّ النّظر فيما إذا كانت تلك التي تمتلك القوّة أو تلك التي تهدّد باستخدام القوّة مدعومةً من النّخبة. إنّه من الصّعب على المرء أن يجدَ شاعراً في أمريكا اللاتينية بحيث يكون موقفُه السّياسيّ ليس يساريّاً، فهم إمّا أعضاء في الحزب الشّيوعيّ أو مؤيّدين له. نحن نجد تلك الرّوح الثّوريّة في كلّ من نيرودا وهويرتا والآن في بولانو، ولأنّنا مرميّين تائهين في هذا الوضع، ومن هذا المنطلق فإنّنا نختم.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: