بعلٌ وعناة.. وأسطورة التّكوين الكنعانيّة – الجزء الأوّل من أساطير بعلٍ الأوغاريتيّة – لمى سلامة

لمى سلامة

لمى سلامة

تُعدّ أسطورة (أو مجموعة أساطير) بعلٍ من أهمّ الأساطير الأوغاريتيّة، وتشكّل في العديد من أجزائها حجر الأساس في اللّاهوت الكنعانيّ. ويمكن عدّها أسطورة التّكوين الكنعانيّة، حيث تتحدّث في قسمٍ من ألواحها عن صراع الإله بعلٍ مع المياه البدئيّة الّتي كانت تنشر الفوضى وتسود هذا العالم والّتي تمثلت بالإله يمٍّ إله البحر.
تنبثق هذه الأسطورة بمفرداتها وتجلّياتها من الطّبيعة وتغيّراتها، حيث تتّجه لتفسيرها بطريقة توق الإنسان الكنعانيّ المستمرّ لاستمرار الخصب في الأرض والحيوان والإنسان ودوام اتّصال دورة الطّبيعة. وتشابه في كثيرٍ من أجزائها أساطير التّكوين الّتي عرفها المشرق القديم، مع بعض الخصوصيّة الكنعانيّة الّتي فرضت نفسها على النّصّ وميّزته.

وقد تحدّرت الأسطورة إلينا على ألواحٍ كثيرة العطب والتّشويه، ومعظمها عبارةٌ عن قطعٍ غير كاملةٍ من ألواحها الأصليّة، وجرى العثور عليها مرتّبةً وفق نظامٍ معيّنٍ وغير معنونةٍ، ولا يُعلم حقّ العلم أجميع هذه اللّوحات أجزاءٌ من أسطورة بعلٍ أم أجزاءٌ من أسطورةٍ أخرى، الأمر الّذي يجعل من الصّعب علينا متابعة حبكة القصّة في ترتيبها الأصليّ، يُضاف إلى ذلك كثرة الاجتهادات الشّخصيّة الّتي اختلفت فيما بينها من حيث سياق الحوادث، فكاتب الألواح لم يعطها تسلسلاً معيّناً، غير أنّ معالم النّصوص واضحةٌ، وتدور حول بعلٍ أو حددٍ، ربّ المطر والسّحاب والصّاعقة، الإله الرّئيسيّ في البانثيون الأوغاريتيّ وتؤكّد أهميّته في الحياة الدّينيّة الأوغاريتيّة.

على الرّغم من أنّ الإله إيل كان يُعبد في أوغاريت، وله مكانةٌ خاصّةٌ في عددٍ من النّصوص، إلّا أنّ بعلاً كما يبدو قد أزاحه وحلّ مكانه كإلهٍ رئيسٍ في أواخر الألف الثّاني قبل الميلاد، وهذا الأمر ليس بالغريب لما يمثّله الإله بعلٌ من القوّة الكامنة في العالم والمفعّلة لظواهره. فإذا أخذنا بالحسبان ندرة الأمطار في معظم الأقطار المشرقيّة، لا يفاجئنا كون إله العاصفة الأكثر أهميةً وحضوراً بين الآلهة، والّذي يقع على عاتقه عبء إحلال الخصوبة ووفرة إنتاج الأرض.

ولأنّ نوع الإله الكامن في العالم الطّبيعيّ تحدّده مجريات هذا العالم نفسه، نجد بعلاً في النّصوص الميثولوجيّة يواجه ثلاثة أعداء. العدوّان الأوّلان يمثّلان قوى التّدمير الكامنة في الطّبيعة، وهما الإله يمٌّ (البحر)، وآلهة الصّحراء المدعوّون بالمفترسين، والعدوّ الثّالث هو موتٌ الّذي يعني اسمه الموت والفناء. ولقد نجح بعلٌ في إخضاع يمٍّ وآلهة الصّحراء، ولكنّه ينهزم بدوره أمام موتٍ (واسم هذا الإله غير واردٍ في النّصوص الطّقسيّة لأنّه لا أحد محصّنٌ ضدّ الموت بما في ذلك الآلهة أنفسهم).
تحتوي ألواح هذه الأسطورة على ثلاثة أجزاءٍ مهمّةٍ في دورة حياة بعلٍ، وهي:
معركة بعلٍ مع يمٍّ.
بناء بيت بعلٍ.
المواجهة بين بعلٍ وموتٍ.
وقد أطلق عليها ناشرها ومترجمها الأول “فيرللو” اسم “الإلهة عناة” نسبةً للدّور الّذي تلعبه في الملحمة. ولكن وجد فيما بعد أنّها تُسمّى “البعل”، بحسب لوحةٍ تبدأ بكلمة “للبعل” أي حول بعلٍ.

الفنان اسماعيل نصرة.

الفنان اسماعيل نصرة.

هنالك أعمالٌ معيّنةٌ مرّةً يقوم بها بعلٌ ومرّةً أخرى نجد عناة نفسها الّتي تقوم بها، في تشابهٍ يكاد يكون حرفيّاً، ممّا أثار دهشة المترجمين وتركهم حيارى لا يستطيعون لها تفسيراً. ولكنّ العجب يزول إذا نحن نظرنا للعلاقة الوثقى بين الطّرفين، حيث يتكافأ هنا دور الإلهة الأنثى الممثّلة للقوّة الإخصابيّة الكونيّة والإله الذّكر الّذي يمثّل قوىً لا غنىً عنها للقوّة الأولى، ألا وهي قوّة السّحاب والمطر والنّدى مدعومةً بقوّة البرق والصّاعقة والرّعد.

فعناة الّتي هي أخت أو حبيبة الإله بعلٍ وروح الخصوبة الكونيّة، و الّتي هزمت عدوّه موتاً، (كانت تلقب بالعذراء تبجيلاً لجمالها وشبابها إلّا أن المشاكسة وحبّ القتال ميزتاها الرّئيسيّتان)، لا تستطيع أن تكون فاعلةً بقوّتها الإخصابيّة دون مساعدة الأمطار في الشّتاء والنّدى في الصّيف؛ فكانت علاقة عناة ببعلٍ علاقةً وثقى لا تنفصم، وكان حبّهما الأبديّ ووثاقهما الجسديّ ضرورةً لا غنىً عنها للحياة الزّراعيّة. ولقد غذّى هذه الفكرة نوعيّة المناخ والأقليم في سوريا حيث لا غنىً عن الأمطار للزّراعة، وحيث لا تشكّل الأراضي المرويّة بواسطة الأنهار إلّا نسبةً ضئيلةً.

في قراءةٍ مختصرةٍ لمجموعة أساطير بعلٍ، تبدأ هذه الأساطير كما ذُكر في البداية بصراع الإله بعلٍ مع الإله يمٍّ ابن إيلٍ والسّيطرة على المياه البدئيّة، حيث يلعب إله الخصب بعلٌ نفس الدّور الّذي لعبه مردوخٌ الرّافدينيّ في الإينوما إيليش في قهر المياه الأولى وإحلال نظام الكون. وعندما يصبح اللّوح الفخاريّ واضحاً للقراءة، نجد الإله يمّاً وقد بدأ النّزاع مع بعلٍ، فهو يتلو على رسوليه كتاباً موجّهاً لمجمّع الآلهة، ويطلب فيه تسليم بعلٍ ليصبح عبداً له، والظّاهر أن بعلاً قد تحاشى الصّدام مع يمٍّ في البداية ولجأ إلى مجمّع الآلهة؛ لكنّ المجمّع نفسه لا يستطيع أن يحمي بعلاً من سطوة يمٍّ الّذي كان يتمتّع بقوّةٍ فائقةٍ وسلطةٍ واسعةٍ.

وعندما يصل الإلهان الرّسولان يتوجّهان مباشرةً للمجمّع بالرّسالة دون أن يقدّما فروض الطّاعة والاحترام لأحدٍ، ويقرأان مطالب يمٍّ. فيثور بعلٌ، ويقفز إلى سلاحه لقتل الرّسولين إلّا أنّ الإلهتين عناة وعشتارت تحولان دون ذلك، لأنّ العرف يقضي بصيانة حياة الرّسل. يضيع حديث الإلهتين مع تشوّه اللّوح الفخاريّ الّذي يستمرّ إلى نهاية النّصّ.

أمّا بقيّة القصّة فنعثر عليها في لوحٍ آخر ناله من التّشوّه ما نال اللّوح الأوّل. ونلمح فيه الإلهين الصّانعين الماهرين كوثر وحاسيس، وهما يصنّعان الأسلحة السّحريّة للإله بعلٍ ليستخدمها ضدّ يمٍّ، حيث يقوم السّلاح الأوّل بشلّ حركة يمٍّ، ويتكفّل الثّاني بالقضاء عليه؛ بعد الانتهاء من صنع السّلاحين، يتقدّم الإلهين لبعلٍ راكب الغيوم بنبؤتهما الّتي تبشّره بديمومة ملكه وسيادته على الكلّ وهزيمته لأعدائه.
بعد قضاء بعلٍ على يمٍّ تضطرب الآلهة لهذا الحدث وينقسمون بين راضٍ وساخطٍ، وتتوجّه عشتارت بالقول إلى بعلٍ: “مزّقه يا بعل العليّ،ّ بعثره يا راكب الغيوم، لقد مات يمٌّ وقضى نحبه، فليسد بعلٌ ويحكم”.

صورة ومخطط نصب الإله بعل من أوغاريت - متحف اللوفر بباريس

صورة ومخطط نصب الإله بعل من أوغاريت – متحف اللوفر بباريس

بعد هذين اللّوحين يأتي لوحٌ ثالثٌ ربّما كان استمراراً للتّرتيب المفترض للألواح. حيث نجد عناة وقد دعت الآلهة إلى وليمةٍ فاخرةٍ، ربّما احتفالاً بانتصار بعلٍ المؤزّر على المياه وتوطيد ملكه، (تقابل هذه الوليمة، الوليمة الّتي أقيمت لمردوخٍ البابليّ بعد انتصاره على المياه). تأتي الآلهة جميعاً إلى مأدبة عناة، حيث يُقدّم اللّحم والخمر، وينشد المنشدون وتصدح الموسيقا. وبعد ذلك يمضي بعلٌ إلى جبل صفون.

هنا يأتي الجزء الثّاني من الأسطورة المتمثّل ببناء بيت بعلٍ؛ بانتصار بعلٍ على المياه، تنتصر قوى النّظام والحضارة على قوى الفوضى والعماء. ونستطيع أن نفترض أنّ بعلاً بعد انتصاره ذاك قد قام بتنظيم الكون ووضع أسس الحضارة، ولكنّ بعلاً بعد انتصاره يلزمه بيتٌ لسكناه، كما هو شأن الآلهة الكبرى. فنجده يطلب المعونة من حبيبته عناة في الحصول على بيته ويرسل إليها رسله، (هنا تختلف التّرجمات من حيث ترتيب الأحداث)، يخبرها بعلٌ برغبته في الحصول على بيتٍ خاصٍّ به (البيت هنا هو المعبد). فتتوجّه عناة لمقرّ كبير الآلهة إيلٍ للحصول على موافقته بشأن بناء معبدٍ لبعلٍ، ومهدّدةً إيّاه باللّجوء للعنف في حال رفضه. فتتطوّع زوجة إيلٍ وأولادها لتأييد دعوى عناة. فينزل إيلٌ عند رغبتهم، ويجري إرسال مبعوثيّ الآلهة عشيرة وهما قادش وإمرار إلى الإلهين الحرفيّين كوثر وحاسيس يحملان الأمر ببناء البيت. وتتكفل عناة بنقل الخبر إلى بعلٍ الّذي جلس ينتظر حضور الإله الصّانع. وعندما يصل كوثر وحاسيس إلى صفون (جبل الأقرع) قادماً من موطنه في كريت، يستقبلهما بعلٌ بالحفاوة والتّرحيب، ويذبح لأجلهما ثوراً ويقيم مأدبةً عامرةً، يبدأ على إثرها بناء البيت الّذي جُمعت موادّه من الفضّة والذّهب واللّازورد. إلّا أنّ خلافاً يقع بين بعلٍ وكوثرٍ حول تصميم البناء، فبينما يقترح كوثرٌ أن يكون للبيت نوافذٌ، يصرّ بعلٌ على أن يكون البيت خلوّاً منها. ويُحسم الخلاف لصالح كوثرٍ، فيقوم بفتح نافذةٍ وحيدةٍ توصف على أنّها شقٌّ بين الغيوم. وعندما ينتهي الهيكل، يأتي آيةً في الجمال والإبداع، كتلةً من خشب الأرز والفضّة والذّهب يعتلي قمّة جبل صفون.

ينتقل النّصّ بعدها إلى عناة ليصف لنا بإسهابٍ مذبحةً دمويّةً ومعركةً شنّتها بعد الوليمة ضدّ الأعداء، وهذا الموضوع الّذي يدور حول عناة وبعلٍ اختلفت حوله التّرجمات فيما إذا كان قبل أو بعد بناء البيت، وفيما إذا كانت رسالة بعلٍ هي نفسها الّتي أُرسلت لاستدعاء عناة لمساعدته في مبتغاه، أي الحصول على البيت، أم أنّها فقط لأجل إحلال السّلام ونشر الحبّ في الأرض، حيث يرسل بعلٌ مبعوثيه لاستدعائها في أنشودةٍ غنائيّةٍ طالباً منها أن تضع السّلاح وترفع راية السّلام، واعداً إيّاها بكشف أسرار الطّبيعة إن هي أتت لزيارته، حيث تبدأ الأنشودة كالتّالي:
“رسالة بعلٍ الظّافر
كلمة قاهر المحاربين
أزيلي الحرب من الأرض
انشري الحبّ في الأرض
اسكبي السّكينة في قلب الأرض
وليهطل الحبّ مخترقاً جوف الأرض
أسرعي، هلمّي، اندفعي
اركضي إليّ تحملك قدماكِ
فلديّ كلمةٌ أسرّها لكِ
لديّ قصّةٌ أسرّها لكِ
كلمة الشّجر وسحر الحجر
همسة السّماء إلى الأرض
ونجوى البحار إلى النّجوم
فأنا أفهم البرق الّذي لا تعرفه السّماء
والكلمة الّتي تجهلها الكائنات البشريّة
تعالي، وسوف أكشفها لكِ
في وسط جبلي صفون المقدّس
في حرمي، في جبل ميراثي
في المكان المبهج، في المرتفع الّذي غزوت”.

الإلهة عناة في ملابسها المحاربة التي تشبه ملابس بعل وخوذته.

الإلهة عناة في ملابسها المحاربة التي تشبه ملابس بعل وخوذته.

عندما ترى عناة رسل بعلٍ، يتملّكها الخوف من أن يكون مهدّداً من قبل عدوٍّ آخر. ولكنّ الرّسل يؤكّدون لها عدم وجود أيّ خطرٍ يحيط به، وينقلون لها رسالته، فتجيبهما ملهوفةً:
“سأضع في الأرض خبزاً
وسأضع في التّراب لفاحاً
وسأسكب في الأرض قربان السّلام
والتّقدّمات في وسط الحقول”
ثم إنّها لا تنتظر عودة الرّسولين بالجواب، بل تطير لتوّها قاطعةً مئات الأميال تطوي الفيافي والقفار. وعندما يراها بعلٌ قادمةً من بعيدٍ، يرسل جمعاً من النّساء لاستقبالها، ويذبح من أجلها ثوراً، ويحتفل بها احتفالاً مشهوداً، وبقدومها تبتهج الطّبيعة، فيرقص النّبات، ويتكاثر الحيوان.

ننتقل إلى الجزء الأخير والأهمّ من هذه الأسطورة ألا وهو صراع بعلٍ مع موتٍ إله العالم السّفليّ، الّذي سيكون موضوعاً مستقلّاً.

المصادر والمراجع:
المعتقدات الكنعانيّة – خزعل الماجديّ.
لغز عشتار – الباحث فراس السّواح.
مغامرة العقل الأولى – الباحث فراس السّواح.
ملاحمٌ وأساطير من رأس شمرا – أنيس فريحة.
موسوعة تاريخ الأديان، الكتاب الثّاني (مصر- سوريا- بلاد الرّافدين- العرب قبل الإسلام)- فراس السّواح.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: