“بيرم وتسبين” قصة روميو وجولييت البابلية – الباحث المهندس نهاد سمعان

“بيرم وتسبين” قصة روميو وجولييت البابلية – الباحث المهندس نهاد سمعان

نهاد سمعان
نهاد سمعان

كلنا يعرف روميو وجولييت بطلي قصة الكاتب الشهير شكسبير، لكن ما لا يعرفه معظمنا أن هذه القصة قد رويت في بابل قبل كتابة شكسبير لها بزمنٍ طويلٍ جداً، ولنتعرّف معاً على هذه القصة في أصلها البابلي.

إنها قصة حبٍّ بابليةٍ رواها الشاعر الروماني أوفيديوس (43 ق.م – 18 م)، واقتبسها الإغريق ورووها بين أساطيرهم عن بابل. والقصة تدور حول الحب الممنوع الذي لا يزال ممنوعاً في أوساطٍ واسعةٍ من الشرق. وهي من ميثولوجيا الأصول – عن كيفية وجود التوت الشامي أو الرومي الأحمر القاني بعد أن كان أبيض كالثلج. وقد تبدّل لونه بشكلٍ غريبٍ. إنها مأساة، ولقد كان موت عاشقين شابين السبب في ذلك التبديل.

في بابل العظيمة، مدينة الملكة سميراميس (شمورامات) عاش شابٌّ اسمه “بيرم” وهو من أجمل فتيان الشرق، وصبيةٌ اسمها “تسبين” من ألطف بناته. سكنا في بيتين متلاصقين يفصل ما بينهما جدارٌ مشترك. ترعرعا جنباً إلى جنب ومع نموهما كان ينمو في قلبيهما حبٌّ عاصفٌ أقوى من أيّ عائق. كانا يتوقان إلى الزواج لكن تقاليد الأهل لا تسمح. وكلما حاولا إخماد حبّهما تأجّجت ناره. فالحب دائماً يجد سبيله ولم يعد بالإمكان فصلهما إلى الأبد.

في الجدار المشترك اكتشف العاشقان شقاً لم يلحظه أحد من قبل، وكأنّ العشاق لا يفوتهم شيء. تبادلا همسات الحب عبر الحائط المشقوق. تسبين من جانب وبيرم من الجهة الأخرى، حتى أصبح ذلك الفاصل المشؤوم وسيلتهما الوحيدة للاتصال. إنه يسمح للكلمات أن تخترقه ولكنه لا يسمح للقبلة أن تمرّ فيه. وفي الليل قبل أن يأوي إلى فراشه كان بيرم يطبع قبلةً على ذلك الجدار البارد ويمر بخياله عبر الجدار. وفي كل صباحٍ عندما يطل الفجر ليمحو النجوم في قبة السماء، وتذيب أشعة الشمس الصقيع العالق بالأعشاب، كانا يسرعان الخطى إلى الشق بعد ليلٍ ملؤه السهاد ليتبادلا همساتهما من جديد ويندبان سوء طالعهما وقسوة القدر، إلى أن أتى يومٌ قرر العصفور الحبيس أن يفرّ من قفصه.

فقد اتفقا ذات ليلةٍ على التسلل والهرب خارج المدينة إلى البرية، حيث يجدان الحرية من المجتمع وتقاليده، وتواعدا على اللقاء عند قبر “نينوس” مؤسس نينوى الأسطوري. وكانت تظلّل القبر شجرة توتٍ وارفة الظلال تبرز من بين أوراقها الخضر ثمارٌ بيضاء كالثلج، ويتدفّق من تحتها “فوار” ماءٍ عذبٍ، لقد تلهفا لتنفيذ الخطة وانتظرا ذلك النهار لينقضي وكأنه سنةٌ كاملة.

انحدر “شمش” نحو الغرب ليدخل في أحشاء أمه الأرض، ويختفي حيث تلتصق الأرض بالسماء ثم أرخى الليل سدوله. لكن البدر “سين” قد صعد في جلد السماء ليرسل نوراً لطيفاً يخفف حلوكة الليل. وكان ذلك مواتياً لتسبين كي تتلمس طريق الهرب إلى قبر نينوس وشجرة التوت حيث يكون اللقاء، لكنها لم تجد بيرم في انتظارها، لقد تأخر، قلقت، شدّد الحب من عزيمتها فتشجعت وانتظرت وحدها في سكون الليل. وفجأةً لمحت من بعيد لبوةً تخرج من الغابة وتهرول نحو النبع لتروي ظمأها بعد أن افترست وملأ الدم شدقيها. هربت تسبين قبل أن تراها اللبوة، ركضت لكن النسيم أسقط منديلها ولم تأبه لالتقاطه، مرت اللبوة بالمنديل فمزقته بفمها المدمى ثم شربت وقفلت عائدةً إلى عرينها في الغاب.

كيفان الكرجوسلي

حضر بيرم ولم يجد سوى المنديل الملطخ بالدم وآثار خطى اللبوة في الغبار، فتطلع حوله وإذا باللبوة تدخل الغابة. كان المشهد واضحاً وفظيعاً وخلاصته كانت واضحةً بالنسبة له. فهو المسؤول عن موت حبيبته، هو الذي تأخر وتركها وحدها تنتظر في هذا المكان الموحش، وليس بقربها سوى بقايا جثةٍ في قبر. إنها غضّة الشباب لكنها لا تقوى على الدفاع عن نفسها، وصار شعوره بالذنب قاتلاً.
صاح بيرم: “أنا من قتلتك”، لملم المنديل ثم قبّله، وهرول نحو شجرة التوت وخاطبها قائلاً: “إنك ستشربين دمي” واستل سيفه وغرزه بين أضلاعه، ففرّ دمه بعيداً، ولطخ الثمار البيض فاصطبغت بالأحمر القاني، ثم هوى يتخبّط بدمائه.

كان حب تسبين أشدّ من الخوف فعادت واتجهت نحو الشجرة فوق القبر. كانت الشجرة في مكانها لكن شيئاً قد تغير. لم تعد ترى الثمار البيضاء وقد كانت هناك قبل وقتٍ قصيرٍ. سمعت أنيناً فارتعدت، رجعت إلى الوراء، خافت، حدقت تحت ضوء القمر، إنه بيرم في بركةٍ من دمائه.

ركضت إليه وطوقته بذراعيها، فقد كان جلده بارداً مبللاً بالعرق، قبّلت شفتيه الباردتين ورجته أن ينظر مرةً واحدةً إليها. قالت: “أنا تسبين.. كلّمني أتوسّل إليك”. وعند سماع اسمها فتح عينيه الثقيلتين ورمقها بنظرة الوداع الأخير، ولم تكن نظرةً طويلةً لأن الموت أطفأ نور عينيه. كان سيفه ساقطاً بجانبه، ومنديلها الممزق ما يزال عالقاً بقبضته، ففهمت ما جرى بدقةٍ دون كلام.
“أنت قتلت نفسك بسبب حبك لي، وما كان شيءٌ ليفصل بيننا سوى الموت، وأما الآن فحتى الموت لن يفرق بيننا”. وأغمدت السيف في أحشائها وهو لا يزال مبللاً بدم حبيبها المتجمد.

رأت الآلهة المأساة وأشفقت على نهايتها المفجعة، كذلك ندم الأهل حين لا ينفع الندم، وبقيت ثمار التوت تذكاراً أبدياً لحبهما العاصف تعود كلّ عام. وفي زجاجةٍ واحدةٍ وضع رمادهما. وهكذا لم يفرقهما شيءٌ ولا حتى الموت.

هذه الأسطورة من كتاب الميثولوجيا السورية – أساطير آرام للدكتور وديع بشور.

1 thought on ““بيرم وتسبين” قصة روميو وجولييت البابلية – الباحث المهندس نهاد سمعان

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: