تدمر المقدسة – عيسى المهنا

جاء في التلمود: “يا لسعادة من سوف يرى نهاية تدمر فقد اشتركت في هدم المعبد الأول والثاني… ففي المرة الأولى قدمت 80 ألفاً من الرماة!؟ ولهدم المعبد الثاني 8 آلاف”.

تدمر تلك المدينة التي اختصر توافق التاريخ مع الجغرافيا، تناغمت المعتقدات فيها مع روعة عمارتها، تجسد الجمال في حجارتها الناطقة ومعابدها الساحرة في طرقاتها وصروحها المعرفية، تغوص بعيداً في فلسفة الموت وطقوسه الجنائزية إلى أن تكتشفه وتعيد صياغة الأبدية من جديد.

تتجاوز تدمر كل أزمات البشر وتركزعلى خيرهم لتنتج منهم كل ابداع، فيها توحد الإله ولم يختلف آلهتها الستون يوماً، عبرت بوضح وجلاء عن ميزات الحضارة السورية وعن روحية التسامح السوري بتآلف الاختلاف تحت سقف الولاء المديني. طاف المؤمنون طوافهم الأول حول معبد بل، حققت فصل المعتقد عن الدولة وهذا ما جعلها تفعل حضارياً وتواجه امبراطورية روما. هي باختصار خلاصة الفلسفة السورية النابضة بالعطاء والتسامح والتحدي والقدرة على التجدد… حيث تفوق فيها الانسجام على التنافر، والمحبة على التنازع ، وحل الجمع فيها مكان التفريق. بقيت آثارها تخبرنا وتعلمنا حتى اليوم فن البناء وهندسة الطرق الرسم والنحت والتحنيط.

امتدت تدمر لمئات آلاف الكيلومترات من الفرات شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً البوسفور شمالاً ومصر والجزيرة العربية جنوباً. وشكلت نموذجا حياً اقترب من الكمال في مواجهة العالم شرقاً وغرباً لم تحتملها الامبراطوريات المجاورة فوقفت في وجهها وسعت لتدميرها وكانت نهايتها على يد الامبراطور الروماني أورليان الذي هزمته لعنتها فيما بعد.

ظهر اسمها في المخطوطات البابلية في شرق سوريا التي وجدت في مملكة ماري، ويعني بلد المقاومين. باللغة العمورية البلد التي لا تقهر. بالآرامية تدمرتا ومعناها الأعجوبة أو الجميلة، أو من دمر ويعني المكان المحصن. باليونانية وتعني واحة النخيل. ارتبط اسمها بملكتها زنوبيا بت زباي ويعني قوة المشتري وأمها ترجع في نسبها إلى كليوبترا في مصر. يصفها مؤرخو اليونان أنها كانت في ذروة الجمال سمراء اللون سوداء العينين أسنانها كاللآلئ صوتها رنان. كان جمالها يضاهي جمال كليوبترا التي ترتبط معها برباط القرابة كما ورد.

هذا بعض متناه حول تدمر المقدسة.. وفي 20/9/2016 قام فريق مشروع التوثيق البصري بزيارة توثيقية لهذه المدينة الساحرة وسجل مشاهداته ووثق ما أمكن توثيقه… وما حل بها من دمار وخراب ناقلاً روح المكان وما حل به من تعدي وانتهاك لإنسانيته.. ونختصر تلك الزيارة بتوصيف بعض ما حل بكنوزها والتي أمكن الوصول إليها وإعطاء لمحة تاريخية عن كل مَعلَم من معالمها كما ورد في مراجعه المختصة ونذكر..

1- معبد بعلشمين: هو سيد السماء وصف في النقوش التدمرية بسيد العالم، سيد الخلود، من رموزه حزمة السنابل حيث يعطي دلالة على أنه رمز للخصب والمطر والعاصفة. يعود بناء المعبد إلى القرن الثاني الميلادي ويقع في الحي الشمالي يتألف من غرفة المائدة وبعض الأروقة ومدفن قديم، إضافة لحرم وباحتين محاطتين بأروقة، يوجد داخل الحرم محراب رائع. هكذا كان يوصف المعبد قبل الخراب الذي تعرض له بعد سقوط تدمر أيار 2015. اليوم بعد زيارة الفريق في أيار الماضي… يظهر المعبد مدمر بالكامل هو الآن كوم من الحجارة، تعرضت أحجار البناء نفسها للتحطيم والتكسير، أعمدة المعبد أيضاً منهارة وأجزائها الإسطوانية فوق بعضها، تعرض قسم منها للتكسير والتحطيم، أما الحجارة المزخرفة الداخلة في البناء فهي أيضاً محطمة بشكل كبير وبعضها فُتِّت، بقي من حرمه مجموعتان من الأعمدة ثلاثة أعمدة من الجنوب وأربعة من الجهة الشمالية.

2- معبد بل: يعتبر الأساس للأبنية الدينية في العالم هو أكبر معبد عرف حتى ذلك الوقت ويعد دليلاً قاطعاً على تقدم تدمر وانتشارها وسيطرتها، إن أهميته ليست في تدمر فحسب بل في الشرق كله لضخامته وكثافة الدلالات التاريخية فيه. قام هذا المعبد على أساسات معابد سابقة يرجع أولها إلى الألف الثالث قبل الميلاد والمعبد الثاني سنة 400 قبل الميلاد أي في الفترة الهلنستية أما المعبد الحالي فشيد فوق تل ركامي ويعود بناؤه للقرن الأول الميلادي (دشن 6 نيسان عام 32 ميلادية بما يعرف بعيد الربيع في تدمر) وقامت ببنائه مجموعة من الأسر التدمرية، كان هذا المعبد مكرساً بصورة أساسية للرب بل وكذلك الثالوث الذي يضم الرب بل ويرحبول (رب الشمس) وعجيبول (رب القمر). يتألف المعبد من ساحة مربعة أبعادها 210×205 متر أي ما محيطه ألف متر تقريباً ومساحته 40 ألف متر مربع، يتوسطها الحرم المخصص للكهنة، ويحيط بها رواق معمّد ليس له أبراج، وتيجان أعمدته كورنثية أيضاً، وفي محيط المعبد بعض التماثيل والحجارة الكبيرة المزخرفة إضافة إلى أجران ونووايس حجرية. بعد سقوط تدمر في أيار 2015… تعرض المعبد للعبث والتدمير حيث أصيبت أعمدته في الزاوية الجنوبية الغربية بقذيفة، إضافة لبعض التشويه بالكتابات على بعض حجارته. أما التماثيل التي كانت متواجدة في ساحة المعبد فقد حطمت وكذلك زخارف النجمة السورية السداسية على حجر ضخم يبلغ عددها 27 نجمة في ثلاثة صفوف شوهت جزئياً. أما الهيكل المركزي الذي يقع في وسط معبد بل كان يحوي أبراجاً أربعة وفي داخله بيت الصنم وطرازه كلاسيكي له بوابة بروبيله بديعة وحوله رواق محمول على أعمدة ذات تيجان كورنثية، سقف الحرم نحت من قطعة واحدة من الحجر ونحتت في وسطه زهرة اللوتس على شكل قرص الشمس والتي تعتبر مصدراً للحياة في المثيولوجيات التدمرية القديمة بالإضافة للكواكب السبعة والأبراج الإثني عشر. أما المحراب الشمالي فسقفه منحوت من قطعة واحدة من الحجر بأبعاد 5-6 م. وخصص هذا المحراب لمساعدي الإله بل (يرحبول “إله الشمس” وعجلبول “إله القمر”) في وسط السقف نحتت قبة شمالية بداخلها ستة من الآلهة يتوسطهم الإله بل.

كان يحتوي على: المذبح القديم، مناضد لإراقة الخمر، مباخر مربعة لا تزال إلى الآن تستعمل في الكعبة المشرفة حيث عادة حرق الطيوب، تماثيل الآلهة إضافة للإله بيل إله الشمس، رسوم وفريسكات في الأرض والجدران، مكان جمع الضرائب العُشر وله مثيل في الجامع الأموي. بعد سقوط تدمر أيار 2015، فجر ودمر الهيكل المركزي بالكامل. الآن هو كومة من الحجارة الضخمة، بعض هذه الحجارة مفتت تماماً من شدة التدمير، أعمدته أيضاً محطمة، زخارفه مشوهة، لم يبق من رسوماته وجدارياته شيئاً خاصة لوحة الطوف الشهيرة، بقيت بوابته الخارجية صامدة مع زخارفها البديعة المتقنة.

3- قوس النصر: رمز أصالة تدمر المعمارية وانتصاراتها التاريخية، بني بعبقرية معمارية لإخفاء انعطاف الشارع الرئيسي بزاوية قدرها 38درجة، للحد من البعد اللامتناهي في الشوارع المستقيمة، وتوجيه البصر إلى الجهات الآخرى، تتألف البوابة من ثلاثة مداخل رئيسية تتفرع عنها مداخل أخرى، بنيت فوق سطح شبه منحرف، كحل عمراني لمشكلة المنعطفات. يلاحظ أيضاً النقوش الفنية البديعة المنفذة على الأقواس والعنصر الرئيسي فيها جذع النخيل وأوراق الكرمة والخرشوف واللبلاب. يبلغ عرض الشارع الأوسط 11م، وعرض كل من بوابتيه الجانبيتين 7م. كانت الأروقة مسقوفة وأرضياتها مبلطة، يوجد في منتصف الطريق حوامل (كونسول) لرفع تماثيل الشخصيات الهامة في المدينة تخليداً لأعمالهم وتحت التماثيل كتابات محفورة تحت الحوامل. بعد سقوط تدمر أيار 2015 فجر القوس وملحقاته بشكل كامل. بقي منه قواعد الارتكاز باراتفاع مترين فقط ومن بوابتيه الجانبيتين بقي جزء من القوس وزخارفه البديعة. وخسارة هذا الصرح الأثري البديع يعتبر خسارة فنية ومعمارية وإنسانية.

4- قلعة تدمر: تُنسب هذه القلعة للأمير فخر الدين المعني الثاني (القرن 17م) إلا أن طراز عمارتها يدلُّ على أنها تعود للفترة الأيوبية (12-13م) بناها شيروكو عم صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر الميلادي رممها فخر الدين المعني الثاني. تقوم القلعة فوق رابية صخرية في الشمال الغربي من تدمر بارتفاع (150م) فوق سطح المدينة. للقلعة مخطط شبه منحرف غير منتظم، وهي مبنية بالحجارة الكلسية القاسية المشذبة الوجه، أما جدرانها فهي أسوار عالية حصينة تدعمها أبراج مربعة ومستطيلة عددها 18 برجاً تتخللها نوافذ بارزة لرمي الحجارة والمواد المشتعلة، تطل على أطلال تدمر وواحتها بمنظر أخاذ. تعرضت القلعة بعد سقوط تدمر في آيار 2015 إلى القصف وبعض الدمار ويظهر ذلك على بعض أبرجها في الجهة الشرقية حيث هناك انهيار جزئي للبرجين إضافة للتضرر بالجزء الأعلى من سورها.

5- المقابر البرجية: تعتبر مقابر تدمر من الشواهد المثيرة جداً للاهتمام والانتباه، أراد التدمريون تخليد أسماء وصور موتاهم فيها، مصممة بشكل يدعو للإعجاب، فالمقبرة الواحدة مؤلفة من أربعة أو خمسة طوابق وأحياناً طابق تحت أرضي تتجاوز العشرين متراً في ارتفاعها، والقبور عبارة عن صناديق حجرية منقوش على واجهاتها صورة ساكنها واسمه، وترتب إلى جانب بعضها بعض. والملفت للنظر هو أن الأسماء كتبت باللغة التدمرية وبخط أحمر اللون لم يتأثر ولم يتبدل لونه منذ عشرات القرون. يعتبر المدفن البرجي التدمري من مبتكرات المعماريين التدمريين. كما أن تدمر تنفرد بأنها تضم عشرات من الأمثلة المتنوعة لهذه القبور. تعود النماذج العتيقة منها لما قبل الميلاد والنصف الأول من القرن الأول الميلادي. والطابق الأرضي يكون عادة أغنى الطوابق بعضائده الكورنثية المخددة وأفاريزه المزخرفة الملونة، وسقفه المزين بألوان ضاحكة والمحلى بالنقوش شديدة البروز. بعد سقوط تدمر في أيار 2015 تعرضت هذه المقابر للتخريب والتفجير وأزيل بعضها… ويلاحظ الزائر الإنهيارات الجزئية أو الكلية لهذه المقابر البرجية بوضع محزن مؤلم.

6- الشارع الطويل (طريق الأعمدة): يصل المدخل الرئيسي لمعبد بل مع بوابة دمشق، له صفان من الأعمدة الضخمة يصل عددها 275 عمود من الغرانيت والحجر الجيري. امتد الشارع الطويل خلال القرنين الثاني والثالث الميلادي وبلغ طوله 1250م وعلى جانبيه أروقة مظللة بسقوف خشبية. فيه أربعة أقسام محددة بعناصر معمارية مميزة. القسم الأول من بوابة معبد بل حتى القوس، وهذا القسم ذو طابع ديني لقربه من المعبد الكبير. القسم الثاني الممتد بين القوس والمصلبية التترابيل، القسم الثالث بين المصلبية وهيكل الموتى، والرابع ممتد حتى بوابة دمشق. تعرض الشارع الطويل بعد سقوط تدمر في أيار 2015 للأذى والدمار وخاصة أعمدته القريبة من قوس النصر وبعض الأعمدة الأخرى الممتدة إلى التترابيل. حيث تحطم جزء من الشراريف المسننة المحمولة على تيجان الأعمدة. مع ملاحظة تشويه جزئي لجسم الأعمدة نفسها على جانبي الطريق.

7- متحف تدمر الوطني: احتوى كنوز تدمر وباديتها وأهم موجوداته: أدوات العصر الحجري الوسيط، اللوحات الحجرية المكتوبة الدينية والنذرية والتذكارية، التماثيل المدنية، تماثيل الآلهة التدمرية مجتمعة أو منفردة، مجموعة نادرة من المصنوعات البرونزية والنقود الذهبية والفضية والبرونزية أبرزها نقد الملكة زنوبيا، مجموعة من التيجان من الطراز الدوري والأيوني والكورنثي، مجموعة من السرر الجنائزية والشواهد الجنائزية والتماثيل النصفية، مومياءات تدمرية ومصدرها مدافن مختلفة. حديقة المتحف حوت بعض المنحوتات في زوايا الأحواض المزروعة، سرر جنائزية، مذابح نذرية، تماثيل تذكارية. نَحتٌ لمجمع الآلهة التدمرية الكبار الأربعة الشهيرة وهي الإله العربي العزى أو عزيزو، وإله القمر عجلبول، الإله بل رب الأرباب، والإله يرحبول إله الشمس. شوه هذا الأثر الهام بعد سقوط تدمر في أيار 2015 بالمطرقة والأدوات القاسية حيث تعرضت الآلهة الأربعة لتشويه بنسب متفاوفة لكن الأذى الأكبر كان من نصيب رب الأرباب بل فشوه الوجه والقسم العلوي من الجسد. ما تعذر نقله خرب كلياً أو جزئياً واللافت هو تشويه وجوه المنحوتات بإطلاق النار عليها أو تحطيمها بالمطرقة وأدوات أخرى. تحطيم واجهة السرير الجنائزي الذي نحت على إحدى واجهاته ثلاثة وجوه. وكذلك كان مصير باقي المنحوتات والتماثيل والزخارف الموجودة في حديقة المتحف وعددها يزيد عن 50 قطعة أثرية مختلفة. أما مومياءات تدمر الشهيرة فلا أخبار دقيقة عنها ولكن بعض المعنيين يؤكدون أنها أحرقت. ونذكر هنا أنه وقبل سقوط تدمر استطاعت الجهات الرسمية والأمنية نقل 45 طن من موجودات المتحف إلى دمشق وكانت آخر سيارة محملة بكنوز تدمر قد خرجت قبل سقوط المدينة بدقائق فقط.

8- المسرح: يحتل مركز المدينة ويتوسط السوق العامة أو الأغورا. يفضي الشارع المستقيم إلى رواق المسرح الشمالي. ومن الشرق رواق آخر بشكل ربع دائرة. حلبته مستديرة مفروشة بالبلاط. واجهة المسرح بديعة قوامها المحاريب والأعمدة ذات التيجان. بعد سقوط تدمر في أيار 2015 تم إعدام أسرى الجيش العربي السوري على خشبته بطريقة لا إنسانية استعراضية متلفزة. حافظ المسرح على جماليته ولم يتعرض لأذى يذكر كما باقي صروح المدينة العريقة باستثناء بعض التشويهات من طلقات نارية أو قذائف في واجهته الجبهة المثلثية ومدخله. هذا وذكرت وسائل الاعلام مؤخراً بعد سقوط تدمر الثاني أن أضراراً كبيرة أصابت واجهته البديعة.

9- الترابيل: حافظ على حالها منذ أن رممتها المديرية العامة للآثار. ومؤخراً وبعد السقوط الثاني نقلت وسائل الإعلام تدميراً لهذا الصرح البديع.

يذكر مشروع التوثيق البصري مشاهداته مع مرجعيتها الموثقة لتسليط الضوء على ما حل بمدينة بعظمة تدمر من خراب ودمار وإظهار البعد العقائدي والديني والسياسي في الحدث التدمري الكبير وذلك بعد سقوطها في أيار 2015 وكيف تم استهدفت المعابد التاريخية وتدميرها بشكل كامل مع تدمير رموز المدينة التاريخية كقوس النصر والمقابر البرجية وغيرها… ولفت الانتباه من جديد إلى الخلفية التاريخية في هذا الفعل التدميري الإجرامي وكيف استخدم بعض أصحاب المعتقد الديني المحلي سياسياً وأمنياً للتطبيق الممنهج للفكر التلمودي ومخططاته باختياره الدقيق للمواقع الأثرية والصروح التاريخية وتفجيرها واحداً بعد آخر حتى خسرت تدمر وسوريا والإنسانية جمعاء جزء هام من إرثها الحضاري والمعماري والديني… وبكل أسف بأيدي محلية جاهلة أو عارفة ومتسترة بلبوس الدين ومقولة الله أكبر.

هوامش:

1- قصة العيد السـنوي لتدمر في معبد بل: يبدأ العيد السـنوي لتدمر مع يوم الطيب في السادس من نيسان من كل عـام… يتجمع التدمريون وضيوفهم في صحن المعبد البالغة مساحته 40 ألف متر مربّع.. الثياب الفاخرة الطيوب.. باعة التحف.. الأيقونات.. الزهور.. حل طقس الطواف إذن.. وآن أوان الموكب. الكاهـن الأكبـر مرتديــاً ملابسـه البيضاء المطـرّزة بالعقيـق والزمرد.. الكهنة يحملون البخـور، وأباريـق الزيـت المعطر.. المرتـّلون، العازفـون، رجالات تـدمر، وأطفـالها ونســاؤها.. وإلى الغــــــرب… كانـت الأضــاحي تتهيـّأ للتقديـم.. والخمور هنا.. المحلاة بالعسل تراق عند أقـدام الآلهة.. وكاهنات يغسلن أواني الطقوس المقدّسة.. ويحــلّ الطـواف.. حيـث يحمـل تمثـال الإلــه على سـرير من ذهب، وينزّل إلى سـاحة المعبـد، حيث يطــاف بـه محمولاً على الجــمل حـول الهيـــكل.. وخلفه تطوف تـدمر.. ويبدو أن فكرة الوحي قد تطورت وتبلورت مع معالم الألفية الأولى قبل الميلاد والنصف الأولى من الألف الميلادي الأول حيث جرى الاقتناع أن في كل معبد كبير هناك وسطاء وحي يعّينهم الإله الأكبر وهذا ما نجده في بعلبك هو أن الملاك الإلهي /الشمس/ مرتبط بالإله الأكبر كما هو الأمر في تدمر حيث نجد أن الملاك الإلهي /يرحبول/ الشمسي هو الذي كان يجيب على الأسئلة المطروحة حيث كان الإله الأكبر لتدمر هو الإله بل.

2- قصة بعل شمين: هو سيد السماء وصف في النقوش التدمرية بسيد العالم، سيد الخلود، من رموزه حزمة السنابل حيث يعطي دلالة على أنه رمز للخصب والمطر والعاصفة. يظهر في تماثيله تارة بملابس حربية وأخرى مدنية، وصف أيضاً في النقوش التدمرية بالطيب والكبير والرحمن. عند نبع أفقا عثر على نقش يتحدث عن إله غامض سمي بالآرامية “لبريك شمه لعلما” بمعنى الذي بورك اسمه إلى الأبد الرحمن الرحيم، هذا الإله وصف بأنه الرب الأحد، يبدو أن هذا الإله ازدادت عبادته في تدمر منذ منتصف القرن الثاني الميلادي حتى سقوطها، والذي يوضح هنا كون أن الدين ظاهرة اجتماعية، أن القبائل التدمرية التي أنشأت معابدها سرعان ما تفاعلت واندمجت في وحدة حياة واحدة أدت إلى ظهور الوحدانية في عبادة رب واحد حيث أن الرحمن الرحيم أخذ صفات الإله بعل شمين، تماماً كما احتوت أسماء الله الحسنى على أوصاف معظم الإلهات التي عبدت قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية. يعتبر معبد بعل شمين المعبد الوحيد الذي بقي على شكله وتصميمه منذ بناءه في القرن الأول الميلادي سنة ٢٣ م. كانت قبيلة بني معزين تتكفل بتجديده. يجدر الذكر أن بعل شمين هو إله كنعاني شائع في سوريا منذ الألف الثاني ق. م.

3- رسالة أورليان إلى مجلس الشيوخ: إني أخشى لعنة الأجيال القادمة، لقد دمرت واحدة من أكثر مدن الشرق ازدهاراً، إن جنودي البواسل يغمرهم الخزي والعار. لقد ذبح الكثير من التدمريين وقطعت لحومهم ولم يوفر منهم شيخ أو إمرأة أو طفل. لقد هدمنا البيوت فوق رؤوس أصحابها ونهبنا معبد إله الشمس. يلومونني لأني تباهيت بالنصر على إمرأة ولكنهم لم يعرفوا أي إمراة هي. لو كانوا يعلمون سيطرتها على المجالس وثباتها على القرارات وحزمها مع الجنود وتسامحها عند الضرورة.

4- تدمر المسيحية: أصبحت تدمر مركز أسقفية في عهد أسرة أنطونين 96-193م، ساند العديد من المسيحيين الملكة زنوبيا في حروبها مع الرومان فحظيت المسيحية بمكانة مرموقة وفريدة في بلاطها وتزايد عدد المسيحيين. وتدخلت الملكة فعينت بولس السمسياطي التدمري المولد أسقفاً على تدمر. وبنيت الكنائس ومارس المسيحيون شعائرهم. أقيم مزبانوس التدمري مطراناً على أورشليم. وحضر أسقفها ماران (مارينوس) مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325. وقد ذكرت وثائق من سنة 1850م أن أبرشية تدمر للروم الأرثوذكس قد انمحقت، وقد جاء في الكتاب الصادر عن البطركية المسكونية سنة 1855م أن تدمر (بالميراس) قد اختفت وبقي كرسي تدمر شرفياً عند الروم الأرثوذوكس والروم الكاثوليك.

5- الاكتشاف الهام الذي تم عام 1983 وهو تمثال بارتفاع أربعة أمتار تقريباً يمثل أسداً يحتضن غزالاً بعطف ورعاية، ويترجم هذا المشهد نقش كتابة بالآرامية تقول “طوبى لمن لم تقترف يداه دماً، هنيئاً له وأهلا به في المعبد” وهو دليل على أن معبداً آرامياً كان قائماً قبل معبد بل في تدمر. وصلت تدمر إلى أقصى مجدها في القرن الثاني والثالث الميلادي.

المراجع:

1- د. بشار خليف، دراسات في حضارة المشرق العربي القديم، مركز الإنماء الحضاري، الطبعة الأولى، 2003.

2- مطبوعات وزارة السياحة (سورية التاريخ والحضارة – منطقة البادية وتدمر، بوشر بالطباعة تموز 2001).

3- الأب متري هاجي أثناسيو، سوريا المسيحية في الألف الأول الميلادي، سورية الوسطى، المجلد الثالث، القسم الأول، ص103.

4- مشاهدات وتوثيق فريق التوثيق البصري لآثار سوريا إنطلاقاً من حوران عند زيارة تدمر بتاريخ 20/9/2016.

5- تدمر الكلبية، عدنان العطار، دار سعد الدين، 2003،ص20.

6- تدمر أثرياً- تاريخياً – سياحياً، خالد الأسعد، الدكتور عدنان البني.

7- تدمر والتدمريون، عدنان البني، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1978.

8- د.بشار خليف، نشوء فكرة الألوهة.

9- خالد الاسعد، فيين أوفهويدبرغ هانس، زنوبيا ملكة تدمروالشرق.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: