توهّم وجود النّسق عند الأصوليّات الدّينيّة – فادي أبو ديب

توهّم وجود النّسق عند الأصوليّات الدّينيّة – فادي أبو ديب

فادي أبو ديب

فادي أبو ديب

توهّم وجود النّسق (السّيستام) System هو الميزة الرّئيسيّة البارزة عند الأصوليّات الدّينيّة والمحافظين الدّينيّين (وهو مصطلحٌ قد يطلق أيضاً على الأصوليّين أو مَن هم أقلّ تشدّداً بقليلٍ منهم).

والنّسق هو نظامٌ عقائديٌّ صارمٌ يفترض أنّ كلّ بنود الإيمان والعقيدة هي حقائقٌ موضوعيّةٌ ترتبط ببعضها البعض، ولبعضها نتائجٌ على بعضها الآخر أيضاً، أو يمكن أحياناً أن تُستنتَج من بعضها البعض.

وكمثالٍ على هذا نجد مفهوم (الإله صالحٌ وكلّيّ الصّلاح)؛ فإذا كان نصٌّ ما يقول إنّ هناك حروباً في التّاريخ بأمرٍ من الله، فهذا يؤدّي إلى أنّ الحروب هي بشكلٍ أو بآخر لا تتناقض مع الصّلاح، حتّى لو بدت كذلك ظاهريّاً، فالنّصّ الدّينيّ معصومٌ من الخطأ أو الزّلل، ولذلك يمكن الوثوق بكلّ المعلومات في هذا النّصّ، وإن كانت بعض الأمور تتناقض مع الواقع أو تُفضي إلى نتائج سيّئةٍ فإنّها مع ذلك تبقى صالحةً تماماً لأنّها ناتجةٌ عن نصٍّ مقدَّسٍ.

ولكن ما الدّليل على أنّ النّصّ صحيحٌ؟ إنّ هذا الدّليل هو صِدق الحقائق الّتي يحتويها بشكلٍ لا يقبل المراجعة أو الشّكّ، أو سموّ التّعاليم الّتي يورِدُها. مَن قال إنّ الحقائق صحيحةٌ والتّعاليم ساميةٌ؟ إنّها صحيحةٌ لأنّ النّصّ مقدّسٌ! فمن نافل القول إذاً التّنبيه إلى أنّ النّسق الدّينيّ يعتمد على المحاججة الدّائرية، تماماً كما في المثال السّابق.

في الحقيقة، وعلى عكس ما يُظَّن، فإنّ الأصوليّة هي نسقٌ عقلانيٌّ جدّاً، أو بالأحرى يحاول أن يكون عقلانيّاً، حتّى مع احتوائه على الأمور الّتي تفوق الخبرة البشريّة الاعتياديّة. ولكنّ العقلانيّة تعني هنا أنّ هذا النّمط الدّينيّ يحاول أن يكوِّن نظريّةً معرفيّةً متماسكةً يمكن لبنودها أن تعلِّل بعضها البعض، وهذا هو السّبب الّذي يجعل هؤلاء التّابعين لمذاهب أصوليّةٍ متشبّثين بإثبات كلّ عنصرٍ في الدّين مهما بدا تافهاً أو جانبيّاً لا قيمة له؛ فالدّيانات النّسقيّة لا يمكن أن تتسامح حتّى لو بإزاحة حجرٍ صغيرٍ من قلعتها، لأنّ هذا يؤدّي إلى تهتّك وتهاوي النّسيج كلّه بسرعةٍ فائقةٍ، لأنّ المحاججة دائريّةٌ تماماً ولا يمكن دعمها بقوّةٍ من خارج هذا النّسق المغلَق.

وإذا أتينا إلى واقع الأمر عمليّاً، فإنّ الدّيانات النّسقيّة لا تعتقد حقيقةً بما تتحدّث به، والّذي هو الإيمان بشكلٍ مطلقٍ، فالإيمان الّذي تدعو له هو الإيمان بالنّسق، ذلك أنّها تخاف من إزاحة أيٍّ من أساساتها، لأنّها ترى بالفكرة القائلة: “كيف يمكن للمرء أن يزيح عنصراً ما ويبقي على الآخر من دون الشّكّ بكلّ عناصر البناء العقائديّ”.. الكلّ أو لا شيء هو فعليّاً مذهب هذا النّمط النّسقيّ من التّفكير.

الإيمان في الحقيقة هو شعورٌ بأنّ شيئاً ما حقيقيٌّ من دون مبرِّراتٍ كافيةٍ، هو كالحبّ تماماً. ليس الإيمان تسليمٌ لخرافةٍ بفعل الخوف، وهو حينها لا يكون إيماناً بل اتّقاءً لشرٍّ ما! إنّه كالعشق الواثق، فكيف أعلم أنّني أسكن قلب حبيبتي؟ هل هذا يعتمد على نسقٍ فكريٍّ يقوم على بنودٍ موضوعيّةٍ تتعلّق بالوسامة والمال، أو المنطق المريح في الحديث، أو بناءً على دراسةٍ استقرائيّةٍ للتّصرّفات؟ ليس بالضّرورة! إنّه مزيجٌ عجيبٌ من بعض الأمور الموضوعيّة المكلَّلة بالثّقة، الّتي لا تجد ما يبرِّرها بشكلٍ حاسمٍ، وهذا العنصر الأخير هو العنصر الأهمّ، إنّه حبٌّ لا يعتمد على نسقٍ مفهوم تماماً.

الفنان محي الدين الحمصي

الفنان محي الدين الحمصي

اللّجوء إلى النّسق هو انغماسٌ في الخوف من الإيمان، ونبذٌ للمسؤوليّة الوجوديّة. بالنّسبة للنّسقيّة فإنّ الإيمان بكتابة موسى للتّوراة مثلاً أمرٌ ضروريٌّ للإيمان بقيامة المسيح من الأموات، لأنّ عدم الإيمان بالأولى بالنّسبة لهم هو حجر الدّومينو الّذي سيُفضي إلى سقوط الأخيرة، وذلك عبر مسيرةٍ طويلةٍ من البنود الّتي تتساقط واحدةً وراء الأخرى برأيهم. وبنفس الطّريقة لا يمكن للنّسقيّين في الأزهر أن يكفِّروا تنظيماً إرهابيّاً كتنظيم “الدّولة الإسلاميّة”، لأنّ التّكفير بالنّسبة بنظرهم بابٌ يفتح أبواباً أخرى؛ فهذا سيجعلهم يعيدون التّنظير بمفهوم الكُفر، وتلقائيّاً بمفهوم الإيمان بعده، وهذا سيؤدّي إلى إعادة قراءة النّص الديني والبحث في طبيعته وسلطته.

مَن يلوم الأصوليّ لا يعلم أنّ مراجعةً صغيرةً مثلاً لمفهوم الإيمان ستؤدّي إلى قَلب البنيان العقائديّ رأساً على عقب من أساسه إلى قمّته. وبنفس الطّريقة تجعل النّسقيّة أزليّة القرآن ولا مخلوقيّته مسألةً متعلّقةً مباشرةً بتثبيت الصّفات الإلهيّة، وبالتّالي التّعلّق بصفة المشيئة المطلقة. هذا التّسلسل النَّسَقيّ يؤدّي بعد عدّة متتالياتٍ استنتاجيّةٍ إلى التّأثير في أبسط الممارسات التَّقَويّة اليوميّة، كالتّسليم لمشيئة الله المطلقة، والتّسليم للحاكم بأمره.

باختصارٍ، فإنّ النَّسَق قادرٌ على أن يربط بين مسألةٍ عقائديّةٍ عويصةٍ وشأنٍ سياسيٍّ ضروريٍّ أو غيره. وهذا الأخير قد يجعل المسألة العقائديّة غير قابلةٍ للمراجعة، وبالتّالي يتمّ التوهُّم بأنّ هناك نسقاً أو نظاماً ثابتاً غير ممكن التّحوُّل ولا يقبل الجدال، وبأنّ التّعاليم ترتبط ببعضها البعض بشكلٍ عضويٍّ عن طريق سلسلةٍ مفتَرَضةٍ (رغم أنّها قد لا تكون حقيقيّةً) من الأسباب والنّتائج.

في صُلب عمقها تظهر الأصوليّة إذاً ككيانٍ دوغماتيكيٍّ نسقيٍّ مغلقٍ، لا يقوم بالفعل على الإيمان المطلق، بل على الاتّكال على بضعة افتراضاتٍ مسبقةٍ قليلةٍ، يقوم عليه بناءٌ ضخمٌ على محاولةٍ عقلانيّةٍ للرّبط بين عناصرها.

ويمكن الملاحظة أنّ الأصوليّة (الدّيانة الّتي تقوم على النّسق الدّائريّ الّذي يرفض المراجعة والتّفكير النّقديّ) تنبذ بالضّرورة الصّوفيّة والتّفاسير المستيكيّة Mystical كفهمٍ شعريٍّ للوجود يقوم على الحبّ، فبالنّسبة لها لا تملك الشّاعريّة أيّ مقوِّماتٍ صلبةٍ للإيمان. وهنا أؤكِّد على أنّ الشّاعريّة هي الإيمان المبنيّ على الحبّ المُكتَنَه بالحدس، وليس التّسليم إلى أيّة خرافةٍ علميّةٍ أو عقائديّةٍ تختلق نسقاً دائريّاً آخر.

الأصوليّة إذاً تخاف الإيمان، وتخاف التّجربة الشّعوريّة الدّينيّة، لأنّ خرقاً واحداً للنّسق يعني لها تهاوي البناء كلّه، رغم أنّ هذا قد لا يكون خطراً حقيقيّاً!

صحيحٌ أنّ أيّ اختراقٍ مهما كان صغيراً قد يؤدّي إلى مراجعة كلّ عناصر النَّسَق، لكنّ هذا بالطبع لا يؤدّي إلى هدمه بل إلى صقله وتهذيبه، وهو ما لا ترضاه الأصوليّة، لأنّ النَّسَق بالنّسبة لها كيانٌ ثابتٌ غير متحوِّلٍ وغير متطوِّرٍ.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: