جزءٌ من سيناريو فيلم الحدود – د. رفيف المهنا

جزءٌ من سيناريو فيلم الحدود – د. رفيف المهنا

د. رفيف المهنا
د. رفيف المهنا

أن ندخل عبر حدود الجمهورية العربية السورية، هي الميزة الذهبية الوحيدة للقدوم إلى بلدي من مطار بيروت.

نكتشف أن هناك شيئٌ اسمه “الحدود”.

هناك حدودٌ، وإن بدت إسمنتيةً حادة الحواف، لكنها هي التي تسمح لنا أن نعي الزمن، نتنفسه، نتشرّبه، نرصده ونترصده بكامل الحضور، تفصيلةٌ إثر تفصيلة على طول وتر الروح المشدود.

تَقسِمُ الحدودُ الزمنَ إلى ثلاثة أعمار:
. عمرُ ما قبلها
. وعمر المرور فيها 
. والعمر الأخير بعدها “عمر الوصول”.

العمر قبلها:
هذا القبلُ الذي يمرّ ثقيلاً جافاً لا تتحرّك لأجله أي حاسةٍ، فقط هذا التشنج في عضلات الجسد، هذا الضيق في النفس، هذه العيون المغمضة التي تُجهِّز كأمِّ العريس القلقة طعامَ الأفراح، هذا التذمرُ من ضجيج السيارة في عتمة الطريق، ومن يدٍ خشبيةٍ تشدك إلى الخلف بينما يحاول جسدُك الطيران السريع.

تشعر أن أبوابَ قلبك مغلقةٌ، وأبوابَ روحك مغلقةٌ، وأنك تتنفس بفعل الغريزة لا بفعل انطباق الزمان على المكان.
هي فقط مجرد حربٍ ضد الزمن، وسباقٍ ضد الساعة.

عمرُ أثناء العبور:
وهذا ال “بين بين” حيث تتصاعد ضربات القلب، وتتجمع الذكريات كقبيلةٍ من نحلٍ فوق العسل.
تصير كلُّك قلباً، أو كلّكَ قصيدة، تنزلق حروفها بغبطة نهرٍ ينتظر البحر ليذوب فيه.
وما يسميه العلم “أدريناليناً” ستسميه أنتَ أكثر لحظات الحياةِ حياةً.

فان كوخ

أثناء العبور في ال “بين بين”، يتحول كُلُّ شيءٍ حولك إلى مرايا، تراقب وتتفحص كل شيءٍ، وجهك وجسدك وقدرتك على البكاء، وقدرتك على منع البكاء، وعلى أي مسافةٍ تقف الدمعة عن لحظةِ سقوطها الحر، وتراقب ثيابك وحضورك وغيابك وصوتك وقدرة الانقضاض فيك وقدرة الطيران وقدرة الانكسار والوقوف على قدميك، ثم موهبة الذوبان وكم درجة نقصٍ في عينك اليمنى إذا صارَ والتهمتِ الكون، وكم تحتاج اليسرى لتُريك فرحَك أفقياً بلا نهايةٍ.
تضع كاميرا قلبك على وضعية مباشر وتبدأ البث.
إنك تجري الفحص الأخير قبل أن ترتمي في مظلة المغامرة نحو أرض السلام.

العمر الأخير: عمرُ الوصول
فيما بعد الحدود : يصيبك نسيانٌ حادٌ لكل ما مضى، من سنين، من شهور، من دقائق، ويركض قلبك الطفل سريعاً سريعاً سريعاً ثم يرتمي في هذا الفراغ الواسع. يقهقه ويقول: هذا الهواء لي.. هذا التراب لي.. هذا الصمت لي.. لقد وصلتُ يا أمي لقد وصلت.

في كل مرةٍ أصير فوق الأرض السورية ورغم معرفتي الحدسية بأني وصلت، ورغم خيوط الفجر الرمادية التي تعلن أني وصلت، لكنني أصمم على سؤال السائق: هل دخلنا أرض سورية؟

عندما يجيبني السائق ب “نعم” أشعر أنه عليّ أن أثبّت جسدي بقوةٍ، وأربطه بحبالٍ متينةٍ حتى لا يهرب مني قلبي، أو تتدحرج منه عقود ذكرياتي وأتكسر، فأنا الآن أكثرُ هشاشةً من نسمة ريحٍ عند مساء.

يبدأ بيتي الحقيقي غير المملوك على ورقٍ من لحظة هذه ال “نعم” وتراني ورغم جلوسي الواقعي في مقعدٍ في سيارة إلا أن الحقيقة تقول شيئاً آخر، أنا الآن طفلٌ في الرابعة، يقفز فوق غيومٍ من صوف، لا شيء قادرٌ على حملي سوى الفراغ وضحكاتي هذه مجهولةُ السبب معلومة المسافة.

انعكاسُ أضواء الطريق الصفرِ على الأسفلت أمامنا، الساعة الرقمية في السيارة، والتي ترمقني بخبثٍ وكأنها تلعب على أعصابي، السائق (هذا الشاهد اليومي على كل حوادث انفلات الروح من عهدة الجسد).. هذا السائق الذي بدأ يضغط على البنزين ليصل مسرعاً قبل الموعد الذي أخبر به أهلي، كان يريد هو أيضاً أن يرى المشهد الأحب إلى قلبه ولو تكرّر مئات المرات منذ بدء الحرب. 
كل هؤلاء ساعدوا على أن أنشغل عن نفسي، وأبقى على أهبة الحب مستعداً.

*****
تدخل سيارتنا دمشق وكأننا قاربٌ ينحدر في نهر ضوءٍ، ألقي التحية على المزة وشجر النخيل والتراب القريب والغبار والشمس في أولها، وكلية الطب ومحلات الطعام ترفع أبوابها وبائع الصبار والبطيخ والدراق، لأسمع جوابها قبل أن أصل إلى جرمانا، وكأن كل عنصرٍ من عناصر المكان أخبر جاره بوصولي وقالوها جميعاً بلسان أمي: هذا الابن لي… هذا الابن لي.

هي هكذا دمشق…
فكل البلاد أماكنٌ… ودمشق الزمان 
كل البلاد أماكنٌ… ودمشق الزمان.

1 thought on “جزءٌ من سيناريو فيلم الحدود – د. رفيف المهنا

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: