حكاية الرسالة الأخيرة لعبد الرحمن أبو القاسم – مقال مصوّر

دخل قاعة الأمسية بهدوء… ضرب بعكازه على الأرض قائلاََ: أعتذر يا أهل حمص أني جئتكم على عكازي.

تلك الضربة الخفيفة بعكازه على الأرض كانت تشبه اعلاناََ ببدء العرض ليدخل بعدها في رواية حكايته آسراََ من يسمعه.. لهذه الدرجة يعشق عبد الرحمن أبو القاسم المسرح والحكايا.

قبل موعد الأمسية باسبوع اتصلت بالصديق المخرج المسرحي حسن عكلا للاطمئنان على صحة الأستاذ عبد الرحمن ولم تكن جيدة وهو في المشفى وقلت للصديق حسن أنه يمكننا تأجيل الأمسية حرصاََ على صحته.. خصوصاََ أن السفر من صحنايا إلى حمص والعودة في اليوم التالي سيكون شاقاََ على مريض في المشفى.. رفض الأستاذ عبد الرحمن التأجيل وأصر على ابقاء الأمسية على موعدها.. طمأنني الأستاذ حسن أنه سيكون بخير وبصحته عندما يحين موعد الأمسية.. وكان حدسي يخبرني أن كل شيء سيكون على ما يرام.. وفيما بعد فهمت أن هذا ما كان يحصل في البروفات للمسرحية التي كانت تحضر للعرض قريباََ من بطولة الأستاذ عبد الرحمن وإخراج الأستاذ حسن عكلا.. فبعد أن يصير أبو القاسم على خشبة المسرح يعود ثلاثين عاماََ إلى الوراء ويصبح بكامل طاقته وعنفوانه.. على المسرح يعود شاباََ وكأنه ليس نفس الشخص الذي صعد قبل قليل وبصعوبة إلى الكواليس بمساعدة الأصدقاء والاتكاء عليهم.

للأسف فقد رحل أبو القاسم قبل عرض المسرحية التي تأجلت لمرتين.. كان يريد أن ينهي حياته المسرحية بهذا العمل.. هذا ما فهمته أثناء الأمسية.. كان يتمنى أن يرحل عن هذه الدنيا وهو على خشبة المسرح.. وللأسف لم يسعفه القدر فيما تمناه..

قبل بدء الأمسية بقليل وفي مكتب مدير الثقافة كنا نأخذ صوراََ تذكارية معه.. طلبت منا المصورة أن نقترب أكثر من بعضنا.. نظر إلي مبتسماََ وقال بلهجة فصحى وكأنها مشهد من أحد المسلسلات: تعال اقترب مني لنأخذ صورة.. فأجبته ضاحكاََ: ها قد جئتك يا ابن الرومية.. وكانت الضحكة هي عنوان الصورة.. الضحكة التي كان وراءها حكايا كثيرة لا تنتهي..

الأمسية التي بدأت بضربة عكازه على الأرض استمرت لساعة من الزمن.. كانت بألف ساعة.. فقد كانت مليئة بالحكايا.. هذا ما يجيده أبو القاسم ويحبه.. ودخلنا جميعاََ في قلب الحكايات التي لا يمل منها.. كنا نستمع بكل شغف لكل ما يقوله.. حكاية تجربته في المسرح وحكايا أخرى من حياته الشخصية.. حكايته عن المثقف والسلطة وسلطة الثقافة وعن الصدق.. حكاية زيارته لكنيسة المهد والحادثة التي جرت معه فيها.. غص بالبكاء وهو يرويها ولكنه قاوم الدمعة.. وصمد حتى لا تنهار الحكاية على المسرح.. وليقول رسالته الأخيرة بكل عنفوان وصلابة وشموخ.. وكما يجب أن تقال..

أمنية عبد الرحمن أبو القاسم بأن يرحل وهو على خشبة المسرح لم تتحقق.. وأمنيتنا بأن نراه مرة أخرى في المسرحية المؤجلة لم تتحقق.

كثير من الحكايا لا تنتهي كما نريد وكما نتمنى.. ولكن الحكايا مستمرة.. وحكايا عبد الرحمن أبو القاسم لن تنتهي وستتواصل.. ربما بأشخاص آخرين وتفاصيل أخرى.. إضافة لما تركه هو من حكايا حياته الغنية بالصدق وعشق الحياة والمسرح..

اعداد: رامز حسين

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: