حمص وأسواقها في أعين الرحالة – المهندس الباحث عامر السباعي

عامر السباعي

عامر السباعي

حمص وأسواقها  في أعين الرحالة – المهندس الباحث عامر السباعي

تميّزت حمص باختلافٍ بنيويٍّ وتضاريسيٍّ ومناخيٍّ مما أعطاها تنوعاً في الحياة النباتية والحيوانية ونمط عيش السكان، فظهور الفائض الزراعي ساعد على ظهور معاصر الزيتون وصناعة الدبس وطحن الحبوب. وظهور الفائض الحيواني ساعد على ظهور صناعة الدباغة وغزل الصوف وصنع البسط والاستفادة من الفرو والوبر ولحاجة المزارع البدوي لتصريف إنتاجه وشراء حاجياته المصنوعة وحاجة السكان والصنّاع في المدينة لتصريف منتجاتهم.

ومما زاد في أهمية حمص منذ القدم كمركز صناعةٍ وتجارةٍ ريفيةٍ بدويةٍ حضريةٍ موقع حمص المتوسط بين الممالك والمراكز العسكرية القديمة في المنطقة مثل موقع قطنه وقادش وتدمر إضافةً إلى ممالك حماة.

 

أهمية السوق:

تميزت الأسواق العربية خلال العصور بنشاطها، وأسواق حمص لا تخرج عن الصفات التي اتصفت بها الأسواق العربية، فموقعها الهام قد ساهم في تنشيط الحركة التجارية، وأدى إلى تنشيط الأسواق تجاريًا ومعمارياً واجتماعياً.

تعتبر أسواق حمص القديمة عصب المدينة، وما يميزها من قيمٍ حضاريةٍ وإنسانيةٍ جعل عملية الحفاظ عليها وإعادة إحياءها جزء من التقدم والازدهار الحضاري. لذلك تعد الأسواق في حمص ذات أهميةٍ خاصةٍ من الناحية التاريخية الأثرية إضافة لأهميته الاقتصادية.

     

السوق المسقوف الذي يعتبر من أكبر أسواق حمص وأقدمها، والذي يضم عدداً من الأسواق إضافةً إلى عددٍ من المهن والمحلات التي تختلف بأصنافها.

فالتجارة كانت تقوم على تبادل المواد الزراعية والصناعات اليدوية البسيطة، إضافةً لاحتواء السوق على العديد من الفعاليات الاجتماعية الأخرى كالحمامات والخانات ومراكز العبادة.

وليومنا هذا حافظت أسواق حمص القديمة على طابعها الاجتماعي والتجاري، بالإضافة إلى موقعها الهام بالنسبة لمدينة حمص الجديدة.

   

وعندما تولى حكّامٌ محليون منطقة حمص مثل آل العظم وآل الجندي استمر ازدهارها وقد عثر في مخطوطاتٍ قديمةٍ (المؤرخ عبد الهادي الوفائي) على نصوصٍ عن بناء الأسواق.

من تاريخ بناء سوق بني العظم:

بديع في محاسنه تفردا                      وقد أضحى على الأفاق فرقد

فقد أنشأ بحمص الشام                      غدا يزهو جمالاً وقد تجدد

به ابتهجت مدينتنا سرورا                فما أحلاه من سوقٍ مشيد

بناه سيدٌ من آل العظم                    زكيّ الأصل فرع الشهم أسعد

وقد قامت دعائمه فأرّخ                  بهمةٍ رفعت زاهي محمد

                                                         سنة 1313 هــ              1895 م 

السوق في أعين الرحالة وأهمية حمص تجارياً عبر التاريخ:

مدينة حمص هي إحدى مدن العالم القديم المأهولة تتصف بالحضارة والتقدم في تاريخ العالم، ومن البديهي أن مدينةً مثلها احتضنت العديد من الرحالة والجغرافيين والسائحين الذي زاروها في مختلف العصور، وسطّروا إعجابهم بحضارتها وعمارتها في ثنايا كتبهم ومؤلفاتهم، فتركت إرثاً ضخماً من الانطباعات والمشاهدات والوصف الذي كتبه عشراتٌ من الرحالة والجغرافيين على مدى العصور. وتعدّ كتب الرحلات من أهم المصادر العربية التي أسهمت في وصف المظاهر الجغرافية والعمرانية، مع كثيرٍ من المشاهدات والمعاينات التي صورت القيمة التاريخية للرحلة.

 

 

   
  • كتاب صبح الأعشى في كتابه الإنشا للقلقشندي (1355-1418م):

عمل حِمْص: بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وصادٍ مهملةٍ في الآخر، قال في الروض المعطاء ولا يجوز فيها الصرف كما يجوز في هند لأن هذا اسم أعجمي وقال: وسميت برجلٍ من العماليق اسمه حمص وهو أول من بناها. قال الزجاجي: هو حمص بن المهر بن جاف بن مكنف وقيل برجل من عامله وهو أول من نزلها واسمها القديم سوريا، بسينٍ مهملةٍ مضمومةٍ وواوٍ ساكنةٍ وراءٍ مهملةٍ مكسورةٍ وياءٍ مثناه تحت مفتوحة وألف في الآخر، وبه كانت تسميها الروم، وهي مدينةٌ جليلةٌ، وقاعدةٌ من قواعد الشام العظام. قال في ((التعريف)) وكانت دار ملكٍ للبيت الأسدي يعني أسد الدين شيركوه عمّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب قال لم يزال يملكها في الدولة الأيوبية سطوةٌ تخاف وبأسٌ يخشى.

وهي في وطأةٍ من الأرض ممتدةٌ على القرب من نهر العاصي، ومنه شرب أهلها، ولها منه ماءٌ مرفوعٌ يجري إلى دار النيابة بها وبعض مواضع بها. قال في ((مسالك الأبصار)) وبها القلعة المصفحة المنيعة ويحيط بها وبالبلد سورٌ حصينٌ هو أمنع من القلعة.

قال العزيزي: وهي من أصحّ مدن الشام هواءً، وبوسطها بحيرةٌ صافية الماء ينقل السمك إليها من الفرات حتى يتوالد فيها، والطير مبثوثٌ في نواحيها.

قال ابن حوقل: وليس بها عقارب ولا حيّات وإن بها قبةٌ بالقرب من جامعها إذا ألصق بها طبق من طيفها وترك حتى يسقط بنفسه ووضع في بيت أو ثياب لم يقربها عقرب وأن ذرفته على العقرب شيء أخذه مثل السكر وربما قتله، ولها من بر بعلبك أنواع فواكه وغيرها، وقماشها يقارب قماش الاسكندرية في الجودة والحسن وأن لم يبلغ شأوة في ذلك ويقال أن أبقراط الحكيم منها وأن أهلها أول من ابتدع الحساب.

 

2- كتاب تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لابن بطوطة (1304-1368):

ثم سافرت إلى مدينة حمص، وهي مدينةٌ مليحةٌ أرجاؤها مونّقة وأشجارها مورقةٌ، وأنهارها متدفقة وأسواقها فسيحة الشوارع وجامعها متميزٌ بالحسن الجامع وفي وسطه ماء، وأهل حمص عرب لهم فضلٌ وكرمٌ..

 

3- كتاب الروض المعطّار في خبر الأقطار لمحمد بن عبد المنعم الحميري الصنهاجي من أهل سبتة (من أبناء القرن الثامن الهجري):

حمص: مدينةٌ بالشام من أوسع مدنها، وهي مدينةٌ حسنةٌ في مستوٍ من الأرض، وهي عامرةٌ بالناس، والمسافرون يقصدونها بالأمتعة والبضائع من كل فنٍّ، وأسواقها قائمةٌ وخصبهم تام ومعايشهم رقيقة، في نسائهم جمالٌ وحسن بشرةٍ، وثراها طيبٌ للزراعات، وهواؤها أعدل هواءٍ يكون بمدن الشام، وبها مسجدٌ جامعٌ كبيرٌ من أكبر جوامع الشام، ……. ويقال: إن أهل حمص أول من ابتدع الحساب في سالف الأزمان، لأنهم كانوا تجاراً يحتاجون إلى الحساب في أرباحهم ورؤوس أموالهم ونفقاتهم. ……

4- كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للإدريسي:

وأما أرض حمص فإن مدينتها حمص، وهي مدينةٌ حسنةٌ في مستوٍ من الأرض، وهي عامرةٌ بالناس، والمسافرون يقصدونها بالأمتعة والبضائع من كل فنٍّ، وأسواقها قائمةٌ ومسرات أهلها دائمةٌ وخصبهم رغدٌ ومعايشهم رفيقةٌ، وفي نسائها جمالٌ وحسن بشرة، وشرب أهلها من ماءٍ يأتيهم في قناةٍ من قريةٍ بقرب جوسية، والمدينة منها على مرحلةٍ مما يلي دمشق ونهر الأرنط المسمى المقلوب يجري على بابها بمقدار رمية سهمٍ أو أشف قليلاً، ولهم عليه قرىً متصلةً وبساتين وأشجار وأنهار كثيرة، ومنها تجلب الفواكه إلى المدينة، وكانت في مدة الإسلام من أكثر البلاد كروماً فتلف أكثرها، وثراها طيبٌ للزراعات واقتناء الغلات، وهواؤها أعدل هواءٍ يكون بمدن الشام وهي مطلسمةٌ لا تدخلها حيةٌ ولا عقرب، ومتى أدخلت على باب المدينة هلكت على الحال، وبها على القبة العالية الكبيرة التي في وسطها صنم نحاس على صورة الإنسان الراكب يدور مع الريح حيث دارت، وفي حائط القبة حجرٌ عليه صورة عقرب، فإذا جاء إنسانٌ ملدوغٌ أو ملسوعٌ طبع في ذلك الحجر الطين الذي يكون معه ثم يضع الطين على اللسعة فتبرأ للحين، وجميع أزقتها وطرقها مفروشةٌ بالحجر الصلد وزراعاتها مباركةٌ كثيرةٌ، وزروعها تكتفي باليسير من السقي، وبها مسجدٌ جامعٌ كبيرٌ من أكبر جوامع مدن الشام.

5- شمس الدين الدمشقي في القرن الثامن الهجري:

ومن حسن بناء حمص أنه لا يوجد بها داراً إلا وتحتها في الأرض مغارةٌ أو مغارتان، وماءٌ ينبع للشرب فهي مدينةٌ فوق مدينةٍ، وأهل حمص يوصف عامتهم بقلة العقل، ويحكى ع سوقهم حكايات شبه الخرافات…

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: