خمسمئة ليرة! – قصة قصيرة – عمار علي حسن

خمسمئة ليرة! – قصة قصيرة – عمار علي حسن

عمار علي حسن
عمار علي حسن

مساءً.. خرجَ عُدي ابراهيم – وهو في السنة الثالثة من كلية الاقتصاد – من بيت طالبهِ إياس، منذ أسبوعٍ اتخذ قراراً بإعطاء الدروس لمادة الرياضيات، وذلك بعد نقاشٍ حادٍّ مع أمّه، واتفقا في النهاية أن يباتَ في بيت عمته داخل المدينة، كانت هناك دوافع عديدة لذلك، لعلَّ أهمها عيون أبيه الضيقة وحذاؤه ذو الحواف المتآكلة..

ها هو ينزل درج العَمارة من بيت إياس، بعد حديثٍ قصيرٍ مع والد الفتى في الصف التاسع، متذكراً جملته الأخيرة التي قالها: “لا لا يا عم أبو إياس، لا أريد أُجرتي أسبوعياً، دعها كلّ شهر..”.

لقد استهزأ بجوابهِ هذا حين مشى في الطريق متلمّساً ورقة الخمسمئة الوحيدة في جيبه، وراودتهُ الكثير من الرغبات وهو يمشي على الطريق البحري للمدينة، لكن كان لا بد من أن يصونها جيداً، سيّما وأنه سيدفع نصفَها أجار مواصلات غداً ليعود إلى قريته..

عدي الشاب الطويل بكتفين ضيقتين، ذو البشرة الداكنة، وصاحب الهالات السوداء تحت العينين، جالت عيونه السوداء التي تغطي نصف وجهه على المطاعم البحرية، على الناس وهم يتناولون عشاءهم، تاركين سياراتهم الفخمة خارجاً، والبعض أدخل كلابه الخاصة معه، كما فاحتْ بقربه تلك الرائحة المنبعثة من عربات الفول والذرة المسلوقة، ومثلما جرت العادة راح يركض هارباً قبل أن تعلقَ رائحةُ العجْز داخل جلدهِ أكثر، وبدأت تلمع في ذهنه فكرة الاشتراكية التي أعجبتْهُ كثيراً منذ الصغر، وأحاديث جدّه عن أن من يعمل عندها سيأكل فقط، ثمَّ وهو يمشي أمام البحر، تنبّهَ في لحظةٍ صاعقةٍ، وبعدما سمع أصواتاً متداخلةً تصدر من المقاهي البحرية هناك، أنَّه بعد دقائق ستنطلق مباراةٌ حاسمةٌ للأرجنتين في كأس العالم، وهو العاشق للأرجنتين منذ نعومة أظفاره، ماذا يستطيع أن يفعل؟ بيت عمته بعيدٌ بما يكفي لتضيع منه أحداث الشوط الأول، إنه الآن مسجونٌ داخل احتمالٍ وحيد، سيشاهدها في أحد المقاهي، وليطلب بعدها أجار الطريق من عمّته، كان يقول في نفسهِ: خمسمئة وما كانت، مثل هكذا مباراة لا نصادفها كل يوم، بينما الخمسمئات كثيرة، صحيحٌ ليس معي إلا واحدة لكنني أستاذٌ خصوصيٌّ الآن، وسيدفع لي أبو أياس الشهر القادم، سأدخلُ هذا المقهى بجرأةٍ ودون تردد .

بخطواتٍ باردةٍ تقدّم الشاب داخل المقهى، وأخذ ينظر للحشد البشري أمامه، فكّر للحظةٍ بأن كل هؤلاء الناس لديهم خمسمئةٍ يمكنهم الاستغناء عنها دون أن يجازفوا بطريق عودتهم للبيت، وراح نظره يجول باحثاً عن مكانٍ فارغٍ، في النهاية وجد في الزاوية طاولةً وحيدةً، فأسرع إليها وهو يرمقُ أقرب شاشةٍ سيتابع من خلالها المباراة، كان وحيداً على الطاولة مع خمسمئتهِ المطويّة في جيبه، لا يفكّر في شيءٍ الآن سوى بفكرةٍ قاسيةٍ لخروج الأرجنتين من المونديال، بالطبع إنها تحتاج للفوز أمام منتخب نيجيريا كي تتأهل للدور القادم، وبينما هوَ ينظر مشدوهاً بالنّاس والجوّالات الحديثة في أيديهم تلقى من جوّاله رسالةً نصيةً: لينا ؟؟؟ إنها صديقته في الجامعة تخبره بأن ينظر إلى الوراء، ها هيَ تلوّح له بيدها من خلف زجاج المقهى، وتضحكُ بغبطةٍ كأنها وجدت كنزاً، ثم أشارت له بأنها قادمة..!
– عدي! يا لها من صدفةٍ جميلةٍ.. 
– نعم جميلةٌ جداً.. تفضلي..

دارَ حديثٌ قصير بينهما عن الجامعة وأحداث (المونديال)، أخبرتهُ بأنها تحب البرتغال كُرمى لعين “رونالدو”، حينها طلبَ منها أن تتابع بصمتٍ، لأن الجميع على أعصابه..
كانت لينا فتاةً عاديّة، لا تختلف عن باقي الفتيات إلا بوجود طوقٍ ذهبيٍّ ثقيلٍ حول عنقها الأسمر، وهذا ما يعكسُ بوضوحٍ عدد الخمسمئات المختبئة داخل حقيبتها الصغيرة.

لحظاتٌ قليلةٌ واهتزّ بعدها المقهى كلّه، وانزاحت بعنفٍ طاولاتٌ ونطّت كراسي، لقد أتى الهدف المُنتظر للأرجنتين، وعدي صرخ بأعلى صوته: “أرخنتينااا” كانت لينا تمثّلُ دور الحزينة باعتبارها برتغالية “عريقة”، وأخذت تتحسر بغُنجٍ مصطنعٍ وتضرب بيدها على الطاولة، وبعد أن هدأت الأجواء، جاء إلى الطاولة وحشٌ كريه المنظر، تعرّق منه جبين عدي وازدادت تسارعاً ضربات قلبه، إنه النادل أتى ليسجّلَ ما سيطلبه الزبونان..
– أي شيءٍ بارد، حسناً عصير فواكه… ونرجيلة.
(ببرودٍ وثقة قالت لينا تلك الجملة) بينما عدي ضاقت أمامه الخيارات أكثر، وبلحظةٍ متسرعة طلب أن يشربَ متّة، لقد قال متة لأنه الشيء الوحيد الذي كان يتأكد من أن سعره لن يتجاوز حدود الخمسمئة..
– آسف يا أستاذ، لا نقدّم متّة في المباريات، إنها مربكة كما ترى..!
– متة يا عدي؟؟ سامحكَ الله، احضر اثنين عصير، ولا تنسى النرجيلة لو سمحت.

سلام الأحمد

انتظر عدي أن يذهب النادل ثم انفجر غاضباً بجملٍ قصيرةٍ قالها بصوتٍ خافت وهو يحرك بيديه ويحمرُّ اضطراباً: “ومن قال بأني أريدُ عصيراً؟”… “هذا قراري.. قراري أنا.. الشيطانُ يدري ما هو مذاق العصير هذا”..
شعرتْ لينا بأنها تجاوزتْ قرارَه، وفي محاولةٍ لتصحيحِ خطئها أخبرته بأن حساب الطاولة ستدفعهُ هي..
– لا.. كلٌّ يدفعُ عن نفسه، كلّنا طلّاب جامعة ولا نعمل، وهذه البلاد اشتراكيّةٌ جداً، من لا يعمل بها لا يأكل..
– لا تحتاج كل هذهِ الحدّة! لقد أحببتُ أن أصحح خطئي، اسمع.. إذا تأهلت الأرجنتين سأدفع الحساب، أما إذا لم تتأهل فستدفعهُ أنت، ما رأيك ؟ 
– أوه فكرةٌ جميلة، لكنكِ تعلمين بأنها ستتأهل، فنيجيريا انهارت بعد الهدف، حسناً لكِ هذا، أنا واثقٌ من الفريق..

إنني أذ أكتبُ الآن عن هذهِ التفاصيل الصغيرة، فهي بدون شك تقابل تفصيلاً صغيراً يدعى عُدي، شابٌّ محشورٌ في زاوية مقهى بحري، خائفٌ من هدفٍ طائش يدخل في مرمى الأرجنتين، كيف ترابطت الأحداث مع بعضها، من كان ليتوقع أن يحدث كل ذلك!
الجميع ممّن تابع هذه المباراة يدري ما حدث، لقد أدخلتْ نيجيريا هدفاً في بداية الشوط الثاني، يا لها من ورطة!

الكل كان خائفاً من الخسارة، إلا ذاك الشاب، كان خائفاً من موقفٍ مخجلٍ سيخسره الرهان، سيخسرهُ كل شيء، ظلَّ طوال الوقت يفرك جبينه، ويحكُّ لحيته، ويحملقُ بكأس العصير أمامه، حدّقَ بوجه لينا وبالطوق الذهبي المتدلّي بين نهديها المتعرّقين، فكّر بأمّه التي أرسلته ليتعلم كيف يجني المال لئلا يكونَ بعيونٍ ضيّقةٍ مثلَ أبيه، أكلتهُ الحسرة وهو يتذكر جوابه لأبي إياس بألّا يحاسبه اليوم، كان يدفن رأسه بين ذراعيه ثم يُعيد جملتهُ تلك بطريقةٍ تمثيليةٍ ساخرة: “لا لاااا عم أبو إياااااس، في أول كل شهر”.

لقد تمنى لو كان في الجيش الآن، يحملُ بندقيّةً وقنبلتين، لو أنهُ تطوّع للقتال في حرب البلاد، كان أهون عليه من موقفٍ كهذا، فهو الآن يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ جندياً محاصراً تنفذ من يديه الذخيرة، عدي المنحدر من عائلةٍ تقرأ الكتب مساءً، وتحلم -كما كل الموظفين الحكوميين – بزيادةٍ مفاجئةٍ للرواتب.

حسناً الدقائق تمرُّ سريعةً، ولينا تحاول استفزاز عدي بجملٍ مبطّنةٍ بمعاني الشّماتة، وحين استسلمَ الشاب لليأس وخاب أملهُ بالفريق، حاول أن يجد مخرجاً من هذه الورطة، فاقترب من وجه لينا وقال: “هل تعلمين أن الرّهان جريمة، جريمةٌ بالقانون وبالدّين، حرامٌ يعني، نحنُ نرتكب جرماً أي والله، ليس من أجل الحساب طبعاً، لكن ليس عدلاً أن يدفع أحدنا حساب شخصين!
(كان يقول هذا الكلام ووجههُ يقطرُ حسرةً، كأنه مُتّهمٌ يقف أمام قاضٍ ليدافع عن براءته، تخرج الكلمات منه واحدةً واحدة، ببطءٍ واستسلام…).

بعد لحظاتٍ قليلة، وفي الدقيقة السابعة والثمانين تحديداً من المباراة، جاء هدف الأرجنتين الثاني، لكُم أن تتخيلوا المشهد المتفجّر في المقهى، والصراخ والزغاريد، الأيادي التي علتْ في الهواء والأصوات التي بُحَّت من الصراخ، لكن عدي كان انتصاره من نوعٍ آخر، راح يقفزُ ويشير بيديه نحو لينا قائلاً: “أنتِ من سيدفع الحساب، لقد كسبتُ الرهااان، هييييي يحيا العدل، يحيا العدل”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: