دراسةٌ نقديةٌ للسمفونية التاسعة – جلال أسعد

دراسةٌ نقديةٌ للسمفونية التاسعة – جلال أسعد

جلال أسعد

لستُ من بين الباحثين في عمقِ هذه البديعة طراً، لكنني ولا شك من أشد المعجبين بها وهذا لا يُحيجني إلى براهين أو اثبات..
فالعشق لا برهان عليه! 
نشيد أوروبا، نشيدٌ للحرية، نشيدٌ للفرح. 
تعددت الأسماء، وكلها تشير إلى النص المضاف لأول مرةٍ على سمفونيةٍ كلاسيكةٍ
الصدفة!

السيمفونية الكورالية بسبب كونها تدخل الكورال (الجوقة الأوبرالية المرافقة) 
هي آخر سيمفونيةٍ كاملةٍ للمؤلف الموسيقار “لودفيج فان بيتهوفن”، مصنفةٌ بحسب أغلب المراجع النقدية الموسيقية الحديثة على أنها من أجمل وأفضل الأعمال على مستوى العالم قاطبةً، حيث يعدها البعض – وأنا منهم – أعظم قطعةٍ موسيقيةٍ كُتبت على الإطلاق.
لكن وللمفارقة العجيبة رغم ذلك اعتُبرت في زمانها خطأً فادحاً تنادى نقاد تلك الفترة لضرورة تعديله.

لا شكّ أن الحركة (المقطع) الأخيرة للسيمفونية التاسعة لبيتهوفن تحتوي على واحدةٍ من أشهر الألحان التي كُتبت على الإطلاق. منذ أوّل ظهورٍ لها في عام 1824 في النمسا، وبعد ثلاثين عاماً من سماع بيتهوفن لنشيد المؤلف والشاعر المثير للجدل “فريدريك شيلر” إذ تم إعادة تصحيف “نشيد الفرح” النص الأصلي”Ode to Joy” أكثر من مرةٍ وبغير طريقةٍ.
المقطع الأخير وهو موضوع النقد المستهدف في السيمفونية، يقدم خليطاً جريئاً وثوروياً بين الأصوات البشرية والأوركسترا من القصيدة السابقة.

فريدريك شيلر ألف قصيدة “نشيد للحرية” عام 1764م، والتي تشير حسب المفهوم الكنسي أن الحرية هي القضاء والقدر، الذي لا يُعتبر منح تفويضٍ كاملٍ للإنسان من حيث التخيير، وليس جبراً وتوجيهاً أشبه بالبرمجة، بل بين بين. ثم غيرها لنشيد الفرح، والتي تعني بدورها التطبيق الجيد السليم لمفهوم القضاء والقدر بما يتناسب وفكرة التوجه بالإنسانية نحو التكامل!

سمع بيتهوفن هذه القصيدة أول مرة عام 1792م ليجعلها مستقرة في ذاكرته ولينتظر بعد ذلك 32 عاماً، حيث كان في أواخر العشرينيات من عمره عندما وضع حجر الأساس لهذه السمفونية.

يرى بعض النقاد أن إعجابه بنابليون أفرغ عليه الطابع الثوري في الموسيقا، ومع ذلك فإن السيمفونية التاسعة ليست عملاً من شباب بيتهوفن الثائر، بل إنها عملٌ “متأخرٌ”؛ فبعد 12 عاماً من سيمفونيته السابعة والثامنة (وقبل موته بثلاث سنوات)، مر بيتهوفن بكثيرٍ من المعاناة في حياته -ناهيك عن فقدانه لسمعه- حيث انخفض إنتاجه الموسيقي، ولم تكن بعض الأعمال ذات جودةٍ عاليةٍ، بالإضافة إلى معاناته الشخصية للحصول على الحق في حضانة ابن اخيه، وأعتقد حينها أن زمن أشهر موسيقيي فيينا قد انتهى.
فلماذا اختار بيتهوفن إعداد هذا النص؟ هل هو تعبيرٌ عن التفاؤل؟ أم علامةٌ على تقبّل بيتهوفن لمصيره وتصالحه مع الحياة؟ أم هي محاولةٌ لنقل رسالةٍ قد يفشل كلّ شيء في إيصالها عدا الموسيقا وحدها؟

بالنظر إلى الأسئلة القوية التي تطرحها الحركة الختامية لهذه السيمفونية، والشعبية الدائمة للحن الشهي، فمن المفارقة أن بيتهوفن ظنّ حينها أنه ارتكب خطأً، فبعد أدائه الأول، قام بإعداد بدائل مختصرةٍ لقصيدة الفرح؛ فالشكل السيمفوني -كما كان مفهوماً آنذاك- لم يكن مجرد أداءٍ موسيقيّ، بل يمكن القول إنه فئةٌ من الموسيقا ينبغي أن تعلو فوق الأمور التي يمكن التعبير عنها بالكلمات فقط، فتم اعتبار إدخاله للكلمات ضعفاً وخطأً جسيماً. ومع ذلك فإن الـ “خطأ” الأكبر ربما كان في عدم الاعتراف بروعتها. ففي الأيام الأخيرة من الفترة التي سُمّيت بالفترة “الكلاسيكية”، كانت السيمفونية عادةً نحو 30 دقيقة، ومع ذلك تحدى بيتهوفن الجماهير ليظلوا منتبهين هنا لأكثر من ساعةٍ بلا كللٍ أو ضجرٍ.

بالإضافة إلى ذلك لم تكن الأوركسترا حينها قد بلغت أوجها، وكانت الكتابة لعازفي آلات النفخ ناهيك عن الخطوط الصوتية العالية خارجةً عن نطاق الكثيرين. وعلى الرغم من قيام جمعية لندن الفيلهارمونية بتكليفه (مقابل 50 جنيهاً إسترلينياً) بكتابة السيمفونية عام 1817، فإن العرض الأول كان في فيينا في 7 مايو/أيار 1824.
وجاء ذلك في أعقاب عريضةٍ تُصرّ على أن تكون المدينة أول من يسمع العمل الجديد، وحتى مع حضور العديد من المعجبين، لم يكن العرض بتلك الجودة حيث كان بيتهوفين لا يسمع الأوركسترا ويسبقهم بالإشارة. وفي لندن في العام التالي، استقبلت الصحافة السيمفونية التاسعة بعدائيةٍ كبيرةٍ قالت إن صَمَم الملحن وشيخوخته قد دفعاه إلى الضلال وكتابة هذا العمل الفوضوي.
ووصفت مجلة هارمونيكان الموسيقية بلندن أداء السيمفونية أنه “مخيفٌ” وأنه بلا شكٍّ “اختبر صبر الجمهور بقسوةٍ”. وقال البعض إنه يمكن اختصار العمل كثيراً وأنه ممطوطٌ بلا طائل أو مبرر، في حين كتبت المجلة الموسيقية ربع السنوية مراجعةً رافضةً تماماً تقول إنها “هيجانٌ جامحٌ للهوس الحديث” في الفن.

مجد علي

ولكن خلال عقدٍ من الزمن، بدأت الآراء حول السيمفونية تتغير. وأدخلت فرق الأوركسترا المحترفة والعازفون والمغنون المتخصصون -مثل مندلسون وبرليوز وفاغنر- النظام في الأداء، فأصبح طولها الكبير غير ملحوظٍ، وأصبح اللحن أكثر الألحان المفضلة عالمياً. ومع ذلك فإن السيمفونية التاسعة، التي تتألف من أربع حركاتٍ متنوعةٍ، بها جمالٌ وبهاءٌ لا ينحصر في الخاتمة فقط.

يشتهر افتتاح السيمفونية بشكلٍ يظهر موضوعها الرئيسي القوي، الذي وصفه البعض بالغموض السافر.
عندما يعود هذا الجزء في وقتٍ لاحقٍ من السيمفونية، يتم إطلاق العنان للغضب، مع إعطاء نبراتٍ أعلى للآلات الموسيقية المنخفضة للأوركسترا بشكلٍ أساسيٍّ وإدخال اللونية الشاملة للحركة.
وكما هو الحال في موسيقا بيتهوفن، فإن المقطع الختامي للحركة الأولى طويلٌ، ويمثل ربع طولها تقريباً. وقد اعتبرت إحدى الفقرات وكأنها مسيرةٌ في جنازةٍ.
تتبع الحركة البطيئة في العادة سيمفونيةً تقليديةً، لكن بيتهوفن يمدّنا بدلاً من ذلك بـ “Scherzo” فكاهي (يعني حرفياً “نكتة” باللغة الإيطالية). حيث في البداية، يبدو أن الضربات الأوسع تُحسب في مجموعاتٍ من أربعة…
ومع تقدم الحركة، يلعب بيتهوفن حيلةً صغيرةً، وتظهر النغمات الآن في “فيجورو” أي ثلاث ضربات.
تأخذ الحركة البطيئة التالية لهذه شكل “مزدوج”، حيث يتداخل موضوعان موسيقيان في شكلٍ متنوعٍ باستمرار.
في ذلك، يقدم بيتهوفن “تمهيداً” لأحد التحولات اللونية التي ستدعم لحظةً مهمةً وحيويةً في الحركة النهائية. إنها حركةٌ فريدةٌ من نوعها، حتى إن تحليلها ما زال مستمراً لعصرنا هذا وبعيداً كل البعد عن الإجماع. وهي تبدأ بتنافرٍ قويٍّ (والذي وصفه فاغنر بأنه “ضجة رعب”) فيستقبل المستمع تقديماً مزدوجا تعزفه الأوركسترا أولاً ثم مغنيين سولو (منفرد) ثم الجوقة (الكورال الغنائي).

وربما يكون التباين الأكثر إثارةً للدهشة في هذه المعزوفة الأسطورية هو التصميم التركي، فالآلات الإيقاعية فيه هنا تعزف بشكل يذكّر بالفرقة العسكرية العثمانية. وقد جادل البعض بأن هذه الموسيقا الهادئة قليلاً هي تعليقٌ ساخرٌ على الاحتفال الجاد بالنص والسخرية منه في بداية الأمر.

وقد أضاف بيتهوفن كلماتٍ إلى القصيدة نفسها من كلماته يقول في أحدها: “إنه وراء النجوم اللامعة، لا بدّ وأنه يسكنها بالتأكيد”، ومع العزف المصاحب تبدو هذه الجملة كما لو كانت لحظةً مشعةً خارج الزمن، ولكن هل هي بيانٌ أم سؤالٌ؟ وكما هو الحال في أعمال بيتهوفن السابقة العظمى تقدم كلمات وألحان السيمفونية التاسعة لمحاتٍ عن الجانب الإنساني للمؤلف.

غير أن أعظم ما في الموسيقا (وهذه الموسيقا على وجه الخصوص) هو الطبيعة “غير القابلة للديمومة” فيها واستمرارية التغيير ودخول الأصوات والآلات ومن ثم التجدد المستمر. وهي مجرد سيمفونيةٍ أخرى، ولكن في الوقت نفسه، قدم بها بيتهوفن كياناً مستقلاً بذاته، وهو كيانٌ يستمر في التطور في السياق والمعنى مع تواتر الأجيال واستكشافها له. وأيّاً كانت الرسالة التي تقولها القصيدة والمعزوفة -خاصةً في جزء “هذه القبلة للعالم بأكمله”- فإن السيمفونية تتقدم دائماً أبعد من مبدعها الأصم الذي أبهر العالم، ولا تفقد حقيقتها الخلابة.

يمكن القول أن السمفونية التاسعة تشبه بيتهوفن نفسه كونها وَقورةٌ، وكأنه أفرغ ذاته بها، وكأنها مثلت أطوار حياته..

لا يسعني القول إلا أن عبقرية بيتهوفن التي تجلّت أكثر من مرةٍ مع كل فاصلةٍ موسيقيةٍ وكلّ نقلةٍ غير متوقعةٍ بين السلالم كانت تمثل ثورةً حقيقيةً، قد يفهم مقصدي الذين درسوا الموسيقا كونها من سلم “ري الصغير”، وهنا صعوبة الانتقال عبر الضجيج المفاجئ بعد موسيقا هادئة..

العبقرية تكمن في التوفيق بين النموذجين وسلم ري الصغير لا يسمح بهكذا تجاوزاتٍ وسأعطيكم مثالاً..
عندما يقول المتنبي في مدح سيف الدولة: 
“رأيتُكَ في اللذينَ أرى ملوكًا كأنك مستقيمٌ في مُحالِ” 
فكلمة محال ليست عكس مستقيم، ولو كانت تعطي معنى الاعوجاج، لكن عبقرية المتنبي في البيان كسرت قاعدةً لغويةً من المتون، وتصرّف بيانيًاً كما يريد هو لا كما تريد القاعدة. فكان ذلك ما يسمى بحق “الإبداع”.
و هنا أيضاً تصرّف بيتهوفن كما يريد هو لا كما يريد السلّم!

ختاماً لم أجدْ بدًاً من تكرار المكرّر أعني قول الكاتب السوري العظيم “محمد الماغوط”: “عندما أسمع السمفونية التاسعة أخرج من بيتي حافياً لأُعانق المارَّة”.

—————————
المصادر 
* “ذا كونفرزيشن” مترجم 
* النقد الموسيقي الحديث.. 
* ويكيبيديا 
* معهد براغ الموسيقي 
* مقالة فاينانشل تايمز ١٩٨٤

1 thought on “دراسةٌ نقديةٌ للسمفونية التاسعة – جلال أسعد

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: