دراسة تأريخ المجمعات العمرانية والقرى من خلال أسمائها (نماذج من الساحل السوري) – م.غيث حسن الورعة

دراسة تأريخ المجمعات العمرانية والقرى من خلال أسمائها (نماذج من الساحل السوري) – م.غيث حسن الورعة

م.غيث حسن الورعة

يشار إلى أن الكثير من مسميات المواقع الطبيعة والتجمعات السكانية القديمة في الساحل السوري والتي لا زالت تحتفظ بتلك الأسماء كانت من ضمن الأبجدية القديمة التي شملت /22/ حرفاً، وهي مرتبةٌ في : أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت، سواء في الكنعانية (أبجدية أوغاريت) وما تلاها من أبجدياتٍ أخرى كأبجدية بيبلوس (جبيل) والآرامية والسريانية لاحقاً، لكن بمرور الوقت ودخول اللغة العربية الفصحى الجامعة لما سبق تم دخول مسمياتٍ جديدةٍ وأصبحت حروف تتخذ صيغاً كاملة.

لقد استعيض عن بعض الأحرف قديماً بأحرفٍ أخرى مثال ذلك : التاء بدل الثاء في اسم قرية (بتعلة) وهي قريةٌ صغيرةٌ غرب مدينة القرداحة، الباء اختصارٌ لكلمة بيت في الآرامية، تعلة أي ثعلة والثعلة هي الأرض الكثيرة الثعال أي كثيرة التراكب، وهي صفات أراضي القرية التي لا تزال سمة التراكبية في مصاطبها المتشكلة على طبقاتٍ حتى الآن.
والاستعانة بحرف العين عوضاً عن الضاد كما في بيت عانا أي بيت ضانا وتعني موضع الغنم. والسين عوضاً عن الشين..

ومن خلال دراسة نماذج كثيرة من أسماء القرى والمواقع الطبيعة في الساحل السوري قديماً ومقارنتها تم ملاحظة الآتي:
– معظم الأسماء التي تنتهي باللاحقة (ون) تعود للفترة الكنعانية أي كانت ولا تزال مستخدمةً طيلة فترة مملكة أوغاريت التي شملت حدودها تقريباً حدود محافظة اللاذقية حالياً من جبل الأقرع شمالاً وحتى نهر السن جنوباً، ومثالها:
القلمون وتعني الجبل الرفيع، البسطيرون الأرض المنبسطة، (قرب القرداحة). وهذه اللاحقة الكنعانية تفيد التصغير.

جميع الأسماء المنتهية بـ إيل (وتعني الله) هي أسماء كنعانية ومنها:
بعمرائيل: ب + عمرا + إيل وتعني دار عمار الله، تقع قرب بانياس.
بشرائيل: ب + شرا + إيل وتعني ديار الله السامية (بالقرب من صافيتا).
بعزرائيل: ب + عزرا + إيل: دار الله الجبار.
بكسرائيل : ب+ كسرا +إيل: بيت ملك الله وتسمى حالياً قلعة بني قحطان في جبلة.

قرية (مرنيو) وتعني دار الرأي أو (بيت الحكمة) وردت في نصوص أوغاريت وتقع في ريف القرداحة.

كذلك الأسماء المنتهية بالتاء فهي كنعانية الأصل:
فجليت: كثيرة الفجل (الدريكيش).
مسيت: النذور (القرداحة).
عرافيت: المكان المرتفع الحاد (الحفة).
عمشيت: ضعف البصر أو قلة الرؤية (لبنان).

– الأسماء التي تبدأ بحرف الباء هي اختصار لكلمة بيت أو دار في الآرامية، كذلك المنتهية منها بالألف المدودة التي تفيد التعريف، والمنتهية بالياء تفيد الجمع:
بكراما: بيت الكرام.
بشلاما: دار السلام (قرب القرداحة).
ضهر شيحا: تلة الشيح والشيح أو الشوح من الشجر الحراجي (قرب صافيتا).
بشمش: بيت الشمس.

وما ينتهي بياء ونون:
بسين: دار القمر، لأن سين هو من أسماء القمر.
جمين: الأكمة وهي الغابة الكثيرة الأشجار الوارفة الظلال.
قمين: القمم أو التلال الكثيرة المتقاربة وهي قرى تتبع لـ (القرداحة).
بسيسين: بيت ضوء القمر(جبلة).
حمين: الأراضي الدافئة (الدريكيش).

– الأسماء التي تنتهي بواو: هي كلمات سريانية في معظمها، ولكن ذات جذورٍ آرامية، وفي الحقيقة إن أصل الواو ألفاً ومثال ذلك:
بنجارو: بيت النجار.
بخضرمو: بيت الخضرة أو الجنينة بالعامية.
كنكارو: بيت البأس والشدة (جبلة).
عرامو: العرمة أو المكان العالي.
طرجانو: طر وهي اختصار لـ طور وتعني الجبل، وجانو: الجان فتصبح جبل الجان (الحفة).
مطرو: المطر (الدريكيش).
حبسو: الحبس (تعبير كنسي من المحابس للرهبان).
سجنو: السجن (الدريكيش).
قمصو: الفجل، والمراد منها التلة المفلطحة كالفجل (الشيخ بدر).

– جميع الأسماء التي تحمل تعابيراً كنسيةً فهي تعود للفترة البيزنطية التي كثرت فيها الروحانيات بعد السماح بانتشار العبادة المسيحية في عهد الأمبراطور ثيودوريوس نحو 380م سيما بعد إصداره مرسوماً بتحويل جميع المعابد الوثنية إلى كنائس، أو لنقل أنها تعود للفترة الميلادية الأولى خلال العصر الروماني، وهي كثيرة مثال:
الديرونة، دير حنا، ديردوما (القرداحة).
ديرميني، دير اصفان، دوير الشوا، ديروتان (جبلة).
عين الدوير، دوير رسلان (الدريكيش).
دير البشل، دير الجرد (بانياس).

جبل (صافون) الكنعاني؛ أو جبل الأقرع من جهة قرية ربيعة في ريف اللاذقية الشمالي.

– أسماء تعود للفترة العربية الإسلامية وما أكثرها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: كل مايبدأ ب: قلعة، قلايع، قلوع، قليعة، القلع، حصن، برج، براج، بريج… وهي فترة تحصينات شهدت حروباً طويلةً ضد بقايا البيزنطيين ومن بعدهم الفرنجة.

مسمياتٌ تبدأ بـ خان: وهي تعود للعصر المملوكي، وهو العصر الذي انتشرت فيه الخانات على الطرق الواصلة بين الساحل والداخل مثل:
خان الزعرور، خان عطالله، خان أبو خليل الواقعة على طريق اللاذقية حلب.
خان زورو في قرية اسطامو (خان على الطريق الساحلي)، وهي قرى أصبحت عامرةً ومعظم حياتها كانت مرتبطةً بالمسافرين.

مسميات عثمانية:
السباهي: أراضٍ تقطتع للفرسان (سهل جبلة).
اسكيدالي: أراضٍ ومواقع مخصصة للقادة العسكريين (سهل جبلة).
الجفتلك: أراضٍ ومزارع للعسكر يعملون بها مقابل الخدمة في الجيش العثماني (قرب قرية الحويز في سهل جبلة).

الجذور المشتركة لأسماء القرى والمناطق العمرانية القديمة:
بسطيرون، بستا، بسطراما: من الجذر الثلاثي بسط، وتعني الأراضي السهلية وسط عدة مرتفعاتٍ، وهي في محافظة اللاذقية.

بصراما، الصارمية، تل صارم، بزرمو (اللاذقية) بصرمون (بانياس)، بصيرة (صافيتا).. جميعها ذات جذرٍ واحدٍ وهو صرم أو سرم وتعني: البأس والقوة والإحاطة والتطويق.

بعشتر (قرب حصين البحر في طرطوس)، العشار، بعشت (شرق قرية قلعة بني قحطان) كلها من تسمية بيت عشتار الربة السورية الأقدم.

ملوخ، مليخ (جوبة برغال اللاذقية) مشتركة بالجذر: ملخ، ويعني ملك أو إله وقد ورد ذكره في نصوص رأس شمرا، أي يعود تاريخ هاتين القريتين إلى الفترة الأوغاريتة.

شنبرتي، سنابروت (اللاذقية)، بيت الشنبور (الدريكيش) مشتركة بالجذر الثلاثي: شنبر، وهو يفيد معنى الماء المتدفق والمندفع بين الصخور، وربما اشتقت منه فيما بعد كلمة: صنبور.

أسماء مفردة ولم تتكرر مثل:
ياشوط أو بيت ياشوط فهي سريانية بحتة تعني البلعوم، وهو تشبيهٌ لطبيعة القرية الواقعة ضمن مجرىً طويلٍ شبيه بالبلعوم وسط الجبال.
الشادريون: كثرة الماء (قرب صلنفة واسمها حالياً الدوحة).

أسماء متكررة مثل:
أوبين (قرب صلنفة اللاذقية)، أوبين (بانياس) وتعني العائدون، أو المباخر.

بقي أن نشير إلى أن معظم الأسماء العربية الفصيحة المنتشرة على طول ساحل بلاد الشام نجدها نفسها في مناطق مختلفةٍ من وطننا العربي، مما يدل على وحدة جذور الثقافة العربية العمرانية مثال ذلك: نجده في اليمن فهناك: الحفة والمزيرعة والشعيرية ودباش.. وهي نفسها موجودةٌ كقرىً عامرةٍ في محافظة اللاذقية وكذلك القاهرة في سهل الغاب ومثالها في مصر، والملاحة قرب رأس البسيط ومثالها في فلسطين.. وأريحا في إدلب وفلسطين..
وهناك مواقع عديدة تبدأ بـ ضهر، كتف، رأس، خربة، كفر، وكلها تدل على أنها أماكن كانت مأهولة يوماً ما واستمر أو انقطع فيها السكن وهي تنتظر المسوحات المختصة لسبر أغوارها.

الخلاصة: إن أسماء المواقع والاطلاع على جذورها يعطي على الأقل تصوراً مبدئياً عن تاريخها وعمقها الحضاري، وهذا ما ينبغي أرشفته والتوسع في دراسته لتنشيط ورفد التراث العربي السوري بكافة تفاصيله الغير معروفة، وأما مسألة تغيير الأسماء فهي خطوة علينا العودة للنظر فيها.

المصادر والمراجع:
زيارات ميدانية متكررة لمعظم القرى والمواقع السابقة للتعرف عليها عن كثب. وعدة خرائط للساحل السوري. المطران يعقوب أوجين منا، دليل الراغبين في لغة الآراميين. جوزيف أسمر ملكي، اللآلىء السريانينة الدكتور محمد محفل، دمشق الأسطورة والتاريخ مؤلفات الدكتور أنيس فريحة بتصرف.

م.غيث حسن الورعة – مختص في ترميم وتأهيل المباني والمواقع الأثرية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: