زمرّد أخضر – قصة قصيرة – رندة مارديني

رندة مارديني

دخلت الغرفة الحجريّة القديمة بهدوءٍ ومهابةٍ عبر بابٍ خشبيٍّ صغيرٍ، وشرعت تتأملّ محتوياتها البسيطة المتواضعة… سجّادةٌ أرضيّةٌ عتيقةٌ، مقعدٌ خشبيٌّ يستند إلى الحائط، فرشٌ أرضيٌّ يعلوه بعض الوسائد، وحرامٌ صوفيٌّ يقيها بردَ الليلة القادمة..
انتقلت نظراتها إلى الجدران الحجريّة الأربعة، حجارةٌ عمرُها من بدء التكوين، ثمّة لوحاتٍ قديمةٍ، أيقوناتٍ مقدسةٍ، ونافذة صغيرة ذات إطار خشبيّ، كانت كافيةً لمرور متّسعٍ من ضوءٍ يكفي لإنارة الغرفة بخجلٍ، دون استباحةٍ لجمالها بساطتها وقدسيّتها.. 
كم تاقت روحها إلى هذا اليوم، و كم اشتاقت مساماتُها لمعانقة هذا الفضاء من الوحدة والقداسة…

تعود ذاكرتها إلى طفولتها، عندما كانت هنا في زيارةٍ سابقةٍ لهذا المكان، لا تذكر منه إلّا حجارَته وسماءَه، وروحها التي كانت معلّقة بينهما..
مرّرت أصابعها النحيلة على تلك الأحجار التي شُيِّدَتْ منها الغرفة، فشعرت برجفةٍ تسري في جسدها، واجتاحتها موجةٌ من الدموع غمرت مآقيها.. 
كان بكاءً لم تعرف له سبباً واضحاً.. 
هل كانت دموعُها دموعَ شوقٍ إلى تلك الأحجار التي شعرت أنها كانت لا بدّ تنتمي إليها في الماضي السحيق، أم أنّها دموعٌ تشبه ما قرأته يوماً عن بكاء العارف، دموعُ من يدرك الحضور الآنيّ المتزامن للموت والحياة، للحلم والواقع، للماضي والآتي، للأصل والمآل…

تنظر إلى إحدى اللوحات المعلّقة على الحائط، حشودٌ بشريةٌ متجمّعةٌ، سيّافٌ يحمل سيفاً يقطرُ دماً، ومحرقةٌ تنتصب فوقها امرأةٌ تحترق.. عادت إلى ذاكرتها قصّة القدّيسة جان دارك التي ما زالت تذكرها منذ طفولتها لشدّة تأثّرها بها، جان دارك تلك الشابة الفرنسيّة التي قادت جيش بلادها إلى الانتصار على الإنكليز، ثم أحرقت بتهمة السحر والهرطقة.. 
ترى فيها هذا الجزء منها والذي لا تدرك كنهه، تشعر بها في داخلها وكأنّها تشرّبتها..

ماذا لو كانت بعض البوّابات بين الحيوات سيروراتٍ وشخصيّاتٍ تتكرّر في عَوْدٍ أبديٍّ لا يتوقف؟ ماذا لو كانت كلّ تلك الأحداث التي لم نشهدها هي عينُها تلكَ الأحداث التي شهدناها في الخفيّ الكامن منّا وفينا؟..
المتعة الأكبر هي أن يتتبّع المرء خطّ الوهم هذا، ويعود إلى الأصل عارياً من كلّ الصّور والبنى الوهميّة.. وحدها النّار التي أحرقت جان دارك قادرةٌ أن تحرقها لتجد جوهرها من جديد..

تسلتقي على المفرش، وتشعر بالسّلام لابتعادها عن كلّ انتماءاتِها، حتّى الاتصالات الخليوية وشبكة الإنترنت مقطوعةٌ هنا…
لطالما تساءلت، ما هو مصير كلّ تلك الرّسائل التي يطلقها أصحابها في الأثير عبر أجهزة الاتصال والهواتف إن كانت الأجهزة المستقبلة مغلقة؟ أو ربما لا تتوفرّ شبكة اتصالٍ او إنترنت لتؤمّن لها الوصول؟.. ترى هل تبقى تلك الرّسائل بما تحمله من كلماتٍ وحبٍّ ودموعٍ ونوايا تهيم في الفضاء وأبعاد الكون؟ أم أنّها تتحوّل إلى عناصر وجزيئات، كأن تتحوّل طاقة الدّموع مثلاً إلى ماءٍ وملحٍ، وتتحوّل طاقة الحبّ إلى زمرّدٍ أخضر، وتتحول طاقة النّقاء الى فضّةٍ!.. 
كم من رسائلَ لم ترَ نور التّواصل، ليس للسبب السابق، بل لأنّها وصلت إلى فضاء انسانيّ مفعمٍ باللامبالاة أو اللانتباه..

تغرق في خواطرها أكثر فأكثر، وتستسلم لما ظنّت أنّه غفوةٌ.. إلى أن ينتزعها منها أصواتٌ قريبةٌ.. ثمّة زوّارٍ للمكان.. 
تشعر بالقنوط، فهي جاءت تبتغي الوحدة والهدوء والصمت، ولكنها تستعيد سلامها في لحظات..
لا بأس، هذا كله لا يهمّ، طالما هي في عزلتها وصمتها، تستطيع أن تقبض على أفكارها وسط ضجيج روحها، فحتّى أشّعة الشمس في هذا المكان النائي تملك صوتاً..

تخرج من الغرفة وتنظر إلى السّماء، تنصت بهدوءٍ إلى صمت الفضاء اللامتناهي.. 
أين ستأخذها روحها التوّاقة بعد؟ وأين هي الحقيقة؟ 
لا شيء يبدو حقيقيّاً اليوم أكثر من حقيقة انشطار الحبّ بين وجهين، أمّا نبضة الزّمن فضائعةٌ بينهما كوجه الحقيقة.. 
هل كان لزاماً على وجهي الحبّ أن يضيئا منفصلين؟ هل كتب عليهما أن يشّعا في مرايا الآخرين؟ تفصل بينهما دائماً فراغات المكان وخطّيّة الزمان وتحوّلات المادة والطاقة؟

في روحها متاهاتٌ ودروبٌ وإشاراتٌ تتبعها، وفي قلبها شعلةٌ مقدّسةٌ من نورٍ ونارٍ… كلّ تلك المرايا الّتي أحبُتها، وتلك الّتي حطّمتها، كلّ ذلك الجمال والقبح، كلّ تلك الآلام والنضج، صنعتها تلك الروح، وتلك الشّعلة من الحب.. 
ثمُّة شيئان حقيقيان لا تنتظرُهما.. إنها لا تنتظر حبّها أن يموت، ولا ضوء روحها أن يخبو…

تقترب الأصوات أكثر ويزداد عددها، أصواتٌ مبتهجةٌ وممتلئةٌ بالحياة…
تسيرُ خفيفةً فوق الممشى الحجريّ، فتشعر أنّها تسبح في بحرٍ من الغيوم.. 
كلّ الجمال الذي تفتقدُهُ في عالمها، كلّ سحر الاتّصال الإنسانيّ مع الطّبيعة والأشياء، يقيمُ هنا، في هذا المكان، يشعرُها هذا بالحبّ والامتلاء والفيض.. وثمّة دوماً ولادةٌ جديدةٌ عند اجتماع هذا الثّالوث المقدّس…

1 thought on “زمرّد أخضر – قصة قصيرة – رندة مارديني

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: