سوق البزورية ودوره التجاري والاجتماعي في مدينة دمشق القديمة – مهند عبدالله زيدان

مهند عبدالله زيدان

مهند عبدالله زيدان

اكتسبت مدينة دمشق أهميةً تجاريةً عبر مختلف العصور التاريخية نظراً لموقعها الاستراتيجي ولكونها مركزاً هاماً على مختلف طرق التجارة العالمية كطريق الحرير وطريق الحج الشامي، رافق هذه الأهمية ظهورٌ مادي للسوق وارتباطه بشكلٍ رئيسيٍّ بالحالة الاقتصادية للمدينة وسد حاجات الناس من المواد الأساسية، بدءاً من الفترة الآرامية مروراً بالفترة الكلاسيكية والاسلامية ووصولاً ليومنا هذا، حيث كثرت الأسواق وتنوعت وتداخلت بالفترة الاسلامية، وأصبح هناك نوعٌ من التخصص لكلّ سوق، أما من حيث الشهرة فيعتبر سوق الحميدية الأكثر ارتياداً وذكراً على لسان السكان المحليين والسياح، يأتي بعده سوق البزورية الذي يعتبر من أهم الأسواق في دمشق نظراً لما يحويه السوق من مواد وسلع غذائيةٍ يتفرد بها عن باقي الأسواق، ليس فقط في دمشق بل في سوريا عموماً، بالإضافة لارتباطه بالعادات والتقاليد الدمشقية التي ما زالت قائمةً، ووجود مشيداتٍ معماريةٍ نموذجيةٍ وفريدةٍ كخان أسعد باشا العظم وقصر العظم وحمام نور الدين وغيره.

أولاً: تعريف السوق ووظيفته:

هو عبارة عن مجموعة من الدكاكين المتوضعة على جانبي الطريق، وقد يكون مسقوفاً أو تتجمع المحال التجارية في مبنىً واحد، وغالباً ما يكون له بابٌ عظيمٌ يقفل عند الإغلاق.

أيضاً هو ((مجمل الحيز الذي شغلته عمليات التجارة في المدينة بكل أصنافها وأنواعها، أي أن كلمة (سوق) بالصيغة المفردة تدل في آنٍ واحدٍ على مجمل الأسواق في المدينة وعلى أي من هذه الاسواق تحديداً)).

ويعتمد وجود السوق على وظيفته الاقتصادية التي تختلف وفقا للسلع المباعة، حيث تصنف الى:

  • أسواق سلع الاستهلاك اليومي.
  • أسواق السلع التي يحتاجها الناس بشكل دوري كالحبوب والأقمشة.
  • أسواق السلع الكمالية، المحلية أو المستوردة.
  • أسواق الحرفيين والمهرة اليدويين.

ثانياً: الأسواق عبر العصور التاريخية:

كانت الأسواق في بدايتها بسيطةً، تتركز في الساحة الرئيسية للمدينة أو القرية، أو في باحة القصر حيث كانت تقام أهم المبادلات والصفقات الاقتصادية. مع بداية العصور الكلاسيكية ظهر السوق بشكلٍ منتظمٍ كوحدةٍ معماريةٍ، حيث اعتمد على فناءٍ سماويٍّ فسيحٍ تحيط به أروقةٌ تتقدمها المحال التجارية، ودعيت بالأغورا عند اليونان، ثم طوّر الرومان هذا الشكل المعماري وأصبح عبارة عن مجمعٍ معماريٍّ ضخم،ٍ ضمّ العديد من المباني الحكومية والدينية بالإضافة للمبادلات التجارية، وسمي بالفوروم. بالإضافة لما سبق ظهر في سوريا شكلٌ جديدٌ خلال العصر الروماني، حيث بدأت تتوضع المحال التجارية خلف الأروقة الجانبية للشارع المستقيم.

أما في الفترة الاسلامية، تطورت الأسواق في المدن الاسلامية تبعاً لعوامل عديدةٍ نابعةٍ من خصوصية الحياة المدنية والدور الفعّال للتجارة في الحياة الاقتصادية، حيث اعتبر الباحث أوجين فيرث(eugen wirth) أنّ دور السوق في المدينة الاسلامية هو عاملٌ أصيلٌ ناتجٌ من تأثير الاسلام على الحياة المدنية الذي طبع المدينة بطابعٍ خاصٍّ مختلفٍ ومغايرٍ عن المدن في الحضارات الأخرى.

اتسمت الأسواق الاسلامية بالتخصص ونمط البناء، حيث نجد أسواقاً لسلع معينة، كالحرير والصاغة والسلاح والبزورية…، ونجد أنّ هذا التخصص قد صبغ الأسواق العربية الاسلامية بطابعٍ خاصٍّ. امتدت الأسواق الاسلامية على مسافاتٍ طويلةٍ، فعادة ما تكون مسقوفةً بقبواتٍ برميليةٍ وعقودٍ مقببةٍ، وغالباً ما كانت ترصف أرضيات الأسواق، وضمّت الأسواق دكاكين ذات سماتٍ خاصةٍ، ويتم الوصول الى الاسواق المختلفة عبر شوارع تربط بينها، ويمكن عزل كل سوقٍ متخصصٍ عن الآخر عبر بواباتٍ. إلى جانب الأسواق ظهرت الخانات، وهي منشآتٌ معماريةٌ تقوم على خدمة التجار والقوافل داخل المدينة وخارجها.

ثالثاً: سوق البزورية جغرافياً وتاريخياً:

  1. الموقع:

يمتد السوق بشكل متعامد على سوق مدحت باشا وحتى مدخل قصر العظم إلى الجنوب الشرقي من الجامع الأموي في دمشق(المخطط رقم1).

المخطط رقم 1 يوضح موقع سوق البزورية وباقي الأسواق مع الخانات

((يمتد هذا السوق المغطّى بساتر معدني قوسي من الشمال إلى الجنوب، من زقاق بين البحرتين* الواصل إلى قصر العظم، وحتى سوق مدحت باشا)) (الصورة رقم1و2).

ويؤدّي سوق البزورية إلى سوق الصّاغة وهو سوقٌ صغيرٌ تباع فيه المجوهرات والحلي الذّهبية والفضّية، ويطلّ عليه الباب الجنوبي للجامع الأموي.

الصورة رقم 2 الطريق المؤدي الى زقاق بين البحرتين

الصورة رقم 1 سوق البزورية

   

  1. تاريخ السوق:

عُرف في العهد الأيوبي باسم “سوق القمح” لتخصصه بتجارة القمح، كما عرف في بدايته الشمالية “بسوق الدهيناتية” وفيه كافة الأدهان كدهن اللوز، كما عرف أيضاً باسم “سوق العطارين” حيث بيعت فيه السكاكر والمربيات والحلويات. وفي العهد المملوكي عرف باسم “سوق البزوريين” وفيه يباع العطر والبزورات. وفي العهد العثماني ازدهر السوق وتنوعت معروضاته، وازدادت شهرته بعد أن بنى والي دمشق العثماني أسعد العظم قصره في قسمه الشمالي عام 1749م، وخاناً ضخماً في قسمه الجنوبي عام 1753م، وأصبح خان أسعد باشا مقصداً للتجار الأوربيين ومركزاً من مراكز التبادل التجاري بين الشرق والغرب، وضم السوق حوالي 150 محلاً تجارياً بنيت من الأخشاب ثم الحديد مع المحافظة على الطراز القديم، وفي العهد العثماني المتأخر قام الوالي حسين ناظم باشا بتغطية السوق بسقفٍ من التوتياء والحديد لحمايته من الحرائق. وكان افتتاح أول صيدليةٍ في دمشق وهي صيدلية “سليم فارس” في هذا السوق، كما مرّ فيه المجاهد حسن الخراط الذي كان حارساً ليلياً في الشاغور قبل أن يلتحق بالثورة السورية وحاصر مرة قصر العظم، فهرب منه الجنرال سراي المفوض السامي المقيم فيه بملابس امرأة.

رابعاً: أبرز البضائع التي تباع في سوق البزورية:

من خلال زيارتي الميدانية إلى سوق البزورية وقبل النظر الى أيّ شيء كنت أشمّ رائحة التوابل والبهارات، هذه الراوائح الفوّاحة التي تميّز هذا السوق عن غيره من الأسواق تعتبر من أكثر الأمور التي تجعلك سعيداً وأنت تتسوق وتشتري بضائع قد لا تجدها في سوقٍ آخر.         وفي مقابلةٍ مع التاجر جمال علي ديب (أبو توفيق) أحد أصحاب المحلات التجارية في السوق حدثني عن أبرز بضائع السوق قائلاً: ((يوجد في السوق كافة أنواع التوابل والبهارات كجوزة الطيب والزعفران وحبة البركة والفلفل الأسود والفلفل المشكل والفليفلة الكاري والكبسة والكمون والزنجبيل والقرفة… (الصورة رقم3و4)، بالإضافة للفاكهة المجففة(الاستوائية) متل الكيوي والمنغا والأناناس والمشمش والتفاح والإجاص والكباد والبرتقال وغيرها (الصورة رقم5)، فضلاً عن القلوبات والمكسرات مثل اللوز والجوز والكاجو والزبيب والفستق الحلبي… (الصورة رقم6)، ويوجد أيضاً الزعتر بأنواعه وكافة أنواع الحبوب من قمحٍ وعدس وحمص وفول، بالإضافة لبيع المربيات المغلفة، ويوجد مطاحن في السوق يتم فيها تجهيز هذه البضائع وبيعها لنا نحن التجار لكي نعرضها للبيع، وبضائع أخرى يتم جلبها من خارج السوق)).

ويباع فيه أيضا الملبس والقضامة على سكر والسكر نبات والراحة والنوغا المحشوة بالفستق الحلبي بأشكال ونكهات مختلفة وأنواع متعددة من الشكولاتة (الصورة رقم7و8).

 

الصورة رقم 4 التوابل

الصورة رقم 3 البهارات

 

الصورة رقم 6 القلوبات والمكسرات

الصورة رقم 5 الفاكهة المجففة

 

الصورة رقم 8 الشوكولاتة

الصورة رقم 7 الراحة والنوغا بالفستق

 

 

بالإضافة لوجود عدد من دكاكين العطارين الذين ما زالوا يبيعون العطور والزيوت العطرية بأنواعها وماء الزهر وماء الورد حتى الآن.

ويوجد أيضا ((السكاكر المعروفة على ألسنة الاطفال باسم “بباي أو بوابي أو ببيات السكر” وهي تحريف للكلمة الفرنسية poupee وتعني “الدمية” اذ كانت هذه السكاكر في الأصل على شكل دمى ولكن حجمها كان أكبر مما هو عليه الأن، ثم أضيفت إليها أشكال جديدة كالقباقيب والأسماك والمسدسات “الكاو بوي” والموز. ويسمي التجار هذه السكاكر (فاندان: foundant) وتعني الذواب لأنها تذوب إثر وضعها في الفم، وهي تصنع من مادة السكر والقطر والجلاتين وصبغة طبيعية وماء، تُباع في سوق البزورية وباب الجابية وباقي المحافظات، كما يكثر استهلاكها في الأعياد)) (الصورة رقم9).

الصورة رقم 9 السكاكر

 ويمتلئ السوق بالنباتات والأعشاب الطبية التي تستعمل في الطب التقليدي أو الشعبي أو ما يعرف بالطب العربي كجذر الروباص الذي يستعمل لطرد الكوابيس، والحنظل المشهور بمرارته والمليسة ذات الأثر المهدئ والطارد للغازات، والكركديه المصفى للدم، وشرش الزلوع الشهير المستخدم لزيادة النشاط، وعشبة الناردين الخاصة بمعالجة أمراض الأعصاب والقلق والاكتئاب  والبابونج المهدئ والمضاد للالتهابات، والختمية والميرمية وزهرة الزيزفون المستخدمة لعلاج الرشوحات ونزلات البرد.

خامساً: منتجات السوق المرتبطة بالعادات والتقاليد الشعبية والمناسبات والأعياد:

  • سَبَت العروس:

اعتُبر سَبَت العروس من الضروريات في الأعراس الشامية عند الزواج، وهو عبارة عن حاملٍ خشبيٍّ مزخرفٍ بأشكال وألوان عديدةٍ، مكوّنٍ من عدة طبقاتٍ تُملأ بالملبس والسكاكر والنوغا والراحة وأحيانا بالشوكولاتة وغير ذلك من المصنوعات السكرية. يوضع هذا السَبَت أمام الأسكي وهو المكان المرتفع المخصص لجلوس العروسين أمام المدعوات من النساء فقط وتدعى هذه الجلسة بالصَمدَة، ويجب على العريس بين الحين والاخر أن يغرف محتويات السَبَت ويقذف بها إلى المدعوات مع دعواته القلبية لهنّ بنفس المصير. ينتقل العروسان والسَبَت إلى غرفتهما  ولهذا السَبَت فوائد عديدة أهمّها أنّه يشكل فاتحة حديثٍ بين اثنين لم يعرف أحدهما الأخر قبل هذه الليلة، كما أنه تعتبر مادة السكريات من المصادر الهامة للطاقة إضافةً الى كونها واسطة للتسلية والمتعة (الصورة رقم10و11).

الصورة رقم 11 لوحة زيتية تمثل انتقال العروسان مع السَبَت الى غرفتهما

الصورة رقم 10 سَبَت العروس

  • الكراوية:

تقدم كنوع من الضيافة الخاصة بعد الولادة فهي من مميزات هذا السوق وهي تباع بالإضافة إلى احتياجاتها من القلوبات الفستق الحلبي واللوز والجوز وجوز الهند. أما طريقة تحضيرها كما قال التاجر جمال (أبو توفيق): يتم تحضير الكراوية عن طريق طحن عشبة الكراوية والرز الناعم وتطبخ، بعد الطبخ يتم تزيينها بالقلوبات الجوز والفستق…، وما زالت هذه العادة قائمةً إلى الآن ويوجد أيضاً بعض الزبائن من يشتري الكراوية ليس لهذا الطقس فقط بل لأنه يريد أن يتذوقها. 3- السنونية:

تقدم كنوع من الضيافة عند بداية ظهور أسنان الطفل كتعبيرٍ لفرح الأهل بظهور أسنان طفلهما، وهي مكوّنةٌ من القمح المسلوق المزين بشمر الملبس سكر والكرانش والفرميه والقضامة بسكر وغيرها.

  • مناسبات أخرى:

بالإضافة لما سبق هناك العديد من المناسبات والأعياد التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسوق، كما يقول لنا ابراهيم قصار أحد تجار سوق الزورية وصاحب محل فيه: ((أنا موجودٌ بالسوق منذ حوالي 25 سنة، اختصاصنا في هذا المحل مناسبات من أعراس وولادات (الصورة رقم12و13) وتخرج وحج وموالد نبوية، ولكل مناسبةٍ لونها الخاص فيها، يوجد لدينا الشوكولا والراحة والملبس والنوغا والمن والسلوى والسكاكر والملبن مثل مناسبة الحج حيث نُحضّر علباً من الخشب توضع فيها صرة ملبس ومعلقة عليها مسبحة (الصورة رقم14)، أو علباً كرتونيةً بغلافٍ لصورة الكعبة المشرفة فيها ملبس أو راحة ومسبحة (الصورة رقم15)، أمّا مناسبة المولد النبوي فيتم وضع الملبس بصرر من قماشٍ خاصٍ به وأحياناً يضاف إليها بعض أنواع السكاكر، ومناسبات التخرج التي درجت حديثاً حيث يتم تقديم ضيافةٍ بعلبٍ خاصةٍ كرتونيةٍ أو خشبيةٍ وتوضع فيها الشوكولا والراحة والنوغا والمن والسلوى وتُشْكَل باسم المتخرج (الصورة رقم16)، وهناك عادةٌ حديثةٌ تقدم فيها ضيافةٌ من هذا القبيل عندما تبلغ الفتاة ويحين موعد حجابها)).

الصورة رقم 12 ضيافة الولادات

الصورة رقم 13 أشكال في ضيافة مناسبة الولادات

 

 

الصورة رقم 15 علب كرتون لضيافة الحج

الصورة رقم 14 علب خشب لضيافة الحج

 

 

الصورة رقم 16 ضيافة التخرج

سادساً: المشيدات المعمارية في سوق البزورية:

1_ خان أسعد باشا العظم:

يقع وسط سوق البزورية، شيّده والي دمشق أسعد باشا بن اسماعيل باشا العظم (1743_1756م) لنزول القوافل التجارية فيه، بُدِءَ ببنائه سنة 1751م وانتهى 1753م. وصفه الشاعر الفرنسي لامارتين Lamartine الذي زاره سنة 1833م بأنه أجمل خانات الشرق، له قبةٌ ضخمةٌ تشبه قبة كنيسة القديس بولس في روما، محمولةٌ على عضائد غرانيتية، وفيه بركةٌ ونافورةٌ لتلطيف جو الخان، ملحقٌ به اسطبل من أجل خيول المسافرين والقوافل.

يتألف الخان من طابقين، الأول (الأرضي) مخصصٌ لعرض البضائع والسلع التجارية، والثاني (العلوي) مخصصٌ لمبيت الغرباء من المسافرين والتجار، يحيطان بالصحن ومدخلٌ مسقوف، تحتل واجهته الرئيسية البديعة جزءاً من سوق البزورية وتحتوي على بوابة الخان ومسجدٌ صغيرٌ وعددٌ من الدكاكين والمخازن التجارية. صحن الخان مربعٌ ومبلطٌ بالحجر الاسود يتوسطه بركة ماء، مغطىً بتسع قبابٍ كبيرةٍ موزعةٍ على ثلاث صفوفٍ محمولةٍ على عقودٍ حجرية.

2_ خان العامود:

يقع مقابل خان أسعد باشا في سوق البزورية، لا يوجد معلوماتٌ عن تاريخ بنائه ولا نجد له ذكراً قبل القساطلي الذي عاش منتصف القرن التاسع، وهو صغيرٌ بالنسبة لبقية الخانات، وكان قيساريةً تعرف بالعامود، ينزل إليه ببضع درجاتٍ، في الطابق الأرضي تسعة مخازن وفي الوسط والأعلى تسعةٌ وعشرون مخزناً، له قبةٌ واحدةٌ، وحالياً يشغل السوق محلاتٍ ومستودعات مواد المنظفات.

3_ حمام نور الدين الشهيد:

يعد أقدم حمَّامات دمشق القديمة التي لا زالت تعمل حتى اليوم، يقع في سوق البزورية قرب خان أسعد باشا. أنشأهُ السلطان نور الدين محمود بن زنكي الملقب بالشهيد في العهد الأتابكي سنة 567ه (القرن الثاني عشر الميلادي)، أُهملَ الحمَّام لفترةٍ زمنيةٍ واستعملت بعض أجزائه مخازنَ تجاريةٍ، وفي عام 1975 تمَّ استملاكه ورممت أجزاؤه، وأعيدَ تشغيله كوظيفته السابقة.

4_ قصر العظم:

يقع نهاية سوق البزورية شمالا، شيّده والي دمشق العثماني أسعد باشا العظم سنة 1163ه/1749م، زارته شخصياتٌ رسميةٌ منهم غليوم الثاني امبراطور ألمانيا عند زيارته دمشق 1898، وجعله الجنرال سراي مقراً لإقامته في فترة الاحتلال الفرنسي، ثم أصبح معهداً للدراسات العلمية بإشراف الحكومة الفرنسية. خلال الثورة السورية الكبرى 1925 احترقت قاعاته، وفي عام 1954 جعلته المديرية العامة للآثار والمتاحف متحفاً للتقاليد الشعبية وما زال قائما حتى الآن.

5_ دار القرآن والحديث التنكزية:

تقع شرقي حمام نور الدين في سوق البزورية، كانت حماماً يدعى بحمام سويد، هدمه نائب السلطنة تنكز الناصري وجعله دار قرآن وحديث عام 739ه، عرفت بدار الدهب، ما تزال تحتفظ بواجهتها المملوكية المميزة، مع تحولها إلى مدرسةٍ خاصةٍ للأطفال.

سابعاً: توارث سوق البزورية عبر الأجيال:

يقول التاجر جمال علي ديب: ((ورثت المهنة أباً عن جد حيث كان المحل لجدي ثم لأعمامي والآن أنا ووالدي، أنا سعيدٌ جداً بمصلحتي وسأعمل على توريث مهنتي لأولادي إن رغبوا أيضاً كما تعلمتها عن والدي، أو تسليمها لأخوتي)).

ويضيف قائلاً: ((يشتهر السوق بكونه يحمل المحبة والألفة بين أصحاب محلاته على الرغم من تقارب المصالح، والنسبة الأكبر من أصحاب المحلات قد ورثوا المهنة عن آبائهم وأجدادهم)).

ويقول: ((في السابق كان يوجد “شيخ الكار” الذي يقوم بعملية التنظيم ووضع الأسعار وحل المشاكل في السوق، وكلمته كانت مسموعةً ولا أحد يستطيع مخالفته، أما الآن لم تعد هذه العادة موجودةٌ ولا يوجد شيخ كار، لكن يتم احترام وسماع كلمة الكبار في السن وأصحاب العمر الطويل بالمصلحة)).

خاتمة:

يشغل سوق البزورية موقعاً هاماً وبارزاً في وسط دمشق القديمة، ويمتلك قيمةً تجاريةً ومعماريةً وتاريخيةً كبيرةً، حيث يقدر عمرة بحوالي 800 سنةٍ، فيه أصنافٌ وسلع غذائيةٌ لا توجد في غيره من الأسواق حيث ارتبط بالمائدة والطعام والمذاق مباشرةً، ويعتبر أكبر مخزنٍ تموينيٍّ لمدينة دمشق منذ العهد الأيوبي في القرن الثالث عشر الميلادي حتى الآن، ويضم السوق تراثاً مادياً (أوابد ومشيداتٍ عمرانيةٍ نموذجيةٍ) وهي: خان أسعد باشا وقصر العظم وحمام نور الدين وخان العامود والمدرسة التنكزية، مما زاد السوق غنىً يتفرد به عن باقي الأسواق، وتراثاً لا مادياً حيث ارتبطت بهذا السوق العديد من العادات والمناسبات التقليدية الدمشقية، حيث كان ولا زال مصدراً لهذه الطقوس والمناسبات، بل زادت وتطورت تبعاً للتراكمات السكانية التي مرت على المدينة وتماشت مع العصر الحالي، أي الاستمرارية في ممارسة عاداتٍ قديمةٍ وجديدةٍ مرتبطةٍ بالسوق.

المراجع

  • الكتب:
  1. أحمد، طارق، مقرر مادة الأسواق والمهن، كلية السياحة: دمشق، 2013_2014.
  2. البحرة، نصر الدين، دمشق الأسرار، مطبعة الجمهورية: دمشق، 1993.
  3. الشهابي، قتيبة، أسواق دمشق القديمة ومشيداتها التاريخية، وزارة الثقافة: دمشق، 1990.
  4. الشهابي، قتيبة، معجم دمشق التاريخي، وزارة الثقافة: دمشق، 1999، ج1.
  5. الشهابي، قتيبة، معجم دمشق التاريخي، وزارة الثقافة: دمشق، 1999، ج2.
  6. النعيمي، عبد القادر، الدارس في تاريخ المدارس، تقديم عمار النهار، الهيئة العامة السورية للكتاب: دمشق، 2014.
  7. عبد الكريم، مأمون، آثار العصور الكلاسيكية في بلاد الشام، جامعة دمشق كلية الآداب: دمشق، 2008_2009.
  8. لطفي، لطفي، التاريخ العمراني لدمشق بين 923_1373ه/1516_1918م، الهيئة العامة السورية للكتاب: دمشق، 2011.
  9. ياغي، غزوان، المعالم الأثرية للحضارة الاسلامية في سورية، المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة_ايسيسكو: الرباط، 2011.
  • المجلات والدوريات العلمية:
  1. الرباط، ناصر، “مقدمة لدراسة تطور السوق في مدينة دمشق من القرن السابع حتى القرن التاسع عشر”، مجلة الحوليات الأثرية العربية السورية، دمشق، المجلد38-39، 1988-1989، ص75.
  2. الريحاوي، عبد القادر، “خانات مدينة دمشق”، مجلة الحوليات الأثرية العربية السورية، دمشق، المجلد25، الجزء1-2، 1975، ص64-65.
  • المقابلات الشخصية:
  1. مقابلة مع التاجر ابراهيم قصار، 42 سنة، سوق البزورية، 11/9/2017.
  2. مقابلة مع التاجر جمال علي ديب، 46 سنة، سوق البزورية، 11/9/2017.
  • الانترنت:
  1. موقع المعرفة http://www.marefa.org/%D8%B3%D9%88%D9%82_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B2%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9.
  • الصور: تصوير ميداني.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: