شطارة – قصة قصيرة – مرام زيدان

مرام زيدان

مرام زيدان

شاربه الكثيف يمنعه من تقبيل الرّضيع، للمرة الأولى يشتهي حلْقه، ليغوص في رائحة حفيده الشهية، يكاد يكون هذا الشقيّ البضاعة الفريدة التي دخلت معسكره دون أن ينوي عليها الشطارة حتى الآن، فكلّ من حوله أو حاول أن يقترب منه صار مادةً للربح، مادةً بلا روح لقاء مكاسبَ مختلفةٍ، كلُّ على هوى جوعه.
يمسك شاربه بزهوٍ مسحوباً إلى ذاكرته!

قدماها الناعمتان الفتيتان تعتليان حذاءها الأسود، ليرتفع ببصره إلى بياض ساقيها الممتلئتين، صوتُ نقر خطاها تقترب من مكتبه ليستقرّ أخيراً في صحن وجهها، حيث خاب أمله!
كان ينتظر وجهاً يليق بالجسد الشهي، إلا أن وجهاً يابساً مترفاً بالتزلّف، وعينين تبيعان الولاء، صوتاً غليظاً يتسوّل أنوثته من الهواء، كانت بقية السيقان الجميلة تلك.
لا تزال أصوات التبريك والتهليل بالمنصب الجديد في أذنيه، قدماها الملفوفتان بشكلٍ مبالغٍ به تلوّحان للبضاعة بشكلٍ فاضحٍ.
يومها قال لنفسه “حسناً لنرى ما عندها”، ولم تكن إلّا بضعة أشهر حتى انتهى كلّ منهما من مكاسبه، تبادلا البضاعة، والصفقة كانت مجزية، هي تمكنت -بما تمتلك من شطارة- من فتح العديد من الأبواب أمامه، وكان لها بالمقابل مكاسبها المادية والمعنوية.

يقطع ذاكرته صوت سهام تقدّم له الشّاي، سهام ابنة عمّه الجميلة، ربحه التّراثي الأغلى على قلبه، كانت كاملةً وجوهرةً يباهي بها عالمه المحلّي، سيّدة تتقن كل شيءٍ إلا الشّطارة، قال لها مرةً مهدداً “دعي عقلك في مملكته، ولا تتعذّبي في فهم أعمالي، فتفسيرها أكبر من حدود رأسك الجميل هذا”.
تزوّج سهام ليزيح عن كاهل عمه إحدى بناته، وتزوّجته لأنها لا تملك إلا أن تفعل، هو يدرك هذا تماماً ويحمد الله أنها لم تمتلك خياراً آخر وإلا لاتخذت هذا الآخر أيا ً كان.
حاول كثيراً بعد أن تزوّجها أن يعلّمها الشّطارة، لكن الفشل كان حليفه، فمهارتها في التغليف والتزيين تقتصر على الحلويات التي تصنعها فقط، بقي لسانها وملامحها يحتفظان بالبلاهة حتى اليوم، يكفي أن ينظر إلى وجهها ليعرف ما حصل معها، أو إن كانت تخبّئ عنه هفوةً أو مصيبةً قام بها أحد أولاده.
كادت أن تتسبب بأزمةٍ مع دولةٍ شقيقةٍ عندما صفعت أحد الدبلوماسيين لأنه لامس ردفها خطأً، صرخت في وجهه تتهمه بالتحرّش بها، وكان هذا الظهور الاجتماعي الأخير لها معه في أوساطه العمليّة، بعد ذلك قرر أن يصطحب خليلاته معه لمناسباتٍ كهذه، ويكتفي بحضور سهام معه في محيطه العائلي.
تمكّن لاحقاً من عزل أبنائها عن مدى تأثيرها، كان يخاف إذا شعر أن أحداً منهم أخذ من أمّه حزمة وصاياها، أو ورث ملامحها الصادقة تلك، جيناته سائدةٌ بحمد الله.

الفنان اسماعيل نصرة.

الفنان اسماعيل نصرة

لطالما بدت سعادته جليّةً وهو يشاهد ابنته توزّع الضّحكات على الضّيوف، هذه الحاذقة ساعدته في صفقاتٍ كثيرة، يكفي أن تشدّ ثوبها إلى الأسفل قليلاً ليذوب الزبون أمام بياض نهديها، ابنة أبيها، تتقن استخدام صدرها جيداً، فلقد سبق لصدره أن استوعب دموع الكثيرات وشبقهن للقوة والسلطة التي يمتلكها، وها هي الصغيرة تحسن العمل.

أما ابنه الشاب، فأخذ لسانه وفنونه في الخطاب وحنكته السياسية، غزا سوق السياسة، وجرّ وراءه شبّاناً صغاراً كثر إلى ساحات المعارك، يهتفون له ويموتون لقضايا يختلقها، دماءهم الحارة كانت تدرّ ربحاً وفيراً، ودعوات أمهاتهم له لقاء المبالغ المالية التي يرسلها كل فترةٍ مستجابةٌ جداً في سوق السماء، فثرواته دائماً في ازدياد.

كان يتمنى لو ينجو هذا الرضيع مثل أولاده من مورثّات جدته، يتقن الشطارة ويعرف استخدام نعم الله عليه بشكلٍ جيد، حمله بين ذراعيه وصار يناغيه ويلاعبه! بادله الطفل المناغاة وشدّ شاربه الكثيف، صار يقهقه من سعادته، هذا الشقيّ يقرأ أفكاره، ويعقد صلحاً مع أشواك شاربه.

بدبّوس صوتها الحاني تبدّدت فقاعة أحلامه، يهفو الصغير لصوت جدته ويلقي بجسده الطري إلى حضنها، يبدو أنّ جولةً جديدةً بانتظاره، جلس يشرب الشاي وهو ينظر ممتعضاً لاتحاد هذين الكائنين وذوبان ضحكات الصغير في عيون جدّته، عيون جدّته العصيّة على شطارته!!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: