شطرنج – قصة قصيرة – هاني نادر

هاني نادر

هاني نادر

أعتقدُ أنّ الجميع -عاجلاً أم آجلاً- سيعلم بالسرّ المخبأ في أعماق حامله أياً كان، ولا شكّ أن صاحب السّر دائماً هو الوحيد الذي يُخدَع، هو الوحيد الذي يظنّ أن سرّه ما زال سرّاً مدفوناً في البئر العميقة.

أكرهُ الذين يفشون الأسرار، أتخيلهم دائماً عيوناً ضخمةً مخيفةً تلتصق بي، إلا أنني في حالتي هذه لا ألومهم صراحةً على فضحِ أمري، كان سرّي عبئاً ثقيلاً فعلاً، ليسَ من السّهل أن تخفي حقيقة أنّ أحد أصدقائك هو تنّين، ستضحكُ في بادئ الأمر، أي حين يخبركَ أنه ينفثُ النّار من فتحات أنفه ومن فمه أحياناً، لكنّكَ ستصاب بالذّهول حين تراه يحرق شاربيه عندما يتنفّس مثلاً، وقتئذٍ -على سبيل طبيعةِ البشر المُحبّة للاكتشاف- أظنُّ أن فضولكَ لن يدفعكَ فقط لفضحِ سرِّ صديقكَ هذا، بل ستفعل المستحيل لتعرفَ كلّ حيثيّات وماورائيّات هذه الظاهرة، حتى وإنْ كلّفكَ الأمر التضحية بصديقكَ ذاته.

حدثٌ مرَّ منذ أقلّ من شهر، كنتُ أتدرّجُ مع صديقتي فيكتوريا ونتحدّثُ عن وحدويّة الحُبّ وأبديّات الحياة وفوضى القدر، كُنّا نتكلّمُ وكأنَّ كلّ إذاعات العالم ينقلون أحداثَ هذا اللقاء الفكري العظيم، كانت صديقتي تملكُ جميع الخفايا والحقائق الدنيويّة وتعرّفني عليها، هي تتكلّم وأنا أؤيّد كلماتها ككبار المحلّلين والفلاسفة، إلى أن مرّت فتاةٌ مثيرةٌ جانبنا، فيسرق انتباهي جسدها الخبيث وتضيعُ تفاصيل فلسفتنا وتتلاشى:
– الجنس آخر همومي يا فيكتوريا، الجنس لا يعنيني أبداً، سأغيّر العالم صديقتي، انتظريني..
تضحكُ فيكتوريا:
* الأنوثة دائماً أقوى من الفلسفة صديقي.. كُن بخير..

أقبّلها وأودّعها ونفترق.. فيكتوريا تكملُ طريقها الطّويل إلى لُبِّ الحياة والمجد، وأنا أكملُ طريقي القصير إلى الكآبة، إلى الحرب بين كأس الخمر وسجّادة الصلاة، محاولاً أن أقنعَ السّجادة أن ترتشفَ رشفةَ نبيذ، وأن يصلّي الخمر على أحد المرسلين، لكن عبث..

تذكرتُ معاناتي مع هذه الحرب حينها، وإذ بنوبة كآبةٍ تلوح في الأفق، شممت رائحتها الواخزة؛ نرجسيةٌ ماكرةٌ شديدةٌ وتفاؤلٌ أعمى دون أساسٍ وأحلامٌ كبيرةٌ لا يقبلها عقل الواقع.. لذا قرّرتُ أن أعود سريعاً، لأستقبل مجيئها الصاخب في غرفتي..

في الطّريق كنتُ أصطدم بظلال النّاس المارقة، يصدمُني ظلّ أحدهم فيزيحني قليلاً فأصطدم بظلّ آخر وأقع، يرمقني الظّلّان الضخمان بحقدٍ، ينظران إلى خصريهما كتهديد مبطّن، في خصريهما يعتقدون أنهم وضعوا مسدساً، لكنهم -دون انتباهٍ- وضعوا بدلاً عنه.. الله..

أنهضُ وأنفضُ الغبار عن ثيابي، أخبّئ غضبي وأدفنه، وأخفض رأسي مستسلماً وأكمل طريقي نحو المنزل.
يخطرُ في بالي كم عددهم أولئكَ الذين أخفضوا رؤوسهم في ذات اللحظة:
– بلادٌ من ظلال، تباً..

كانت درجة حرارة الجو منخفضةً جداً حينها، ولم تكن تلكَ الجميلة صاحبة الجسد الممشوق والكتفِ المثير -التي مرّت جانبنا- من أشعلت داخلي النّار، بل كان غضبي، شعرتُ حينها بأنّي أحترق، تسارعتْ خطواتي فازداد تعثّري بظلال الناس حولي حتى كدتُ أفقد ظلي الصّغير، تركته يركضُ خلفي كطفلٍ يلحق أمّه في السّوق، كلّما تعثّرتُ أكثر كلّما ازداد غضبي واحترق جوفي أكثر، كادَ يُغمى عليّ، كنتُ فقط أريد أن أصل..
وإذ بصديقي سامر يقول:
* هاني اهدأ، أنت في غرفتكَ، أتلعبُ الشطرنج؟!..
– لا..

أردتُ النوّمَ فقط، أردتُ سريري ووسادتي وحلمي المختبئ كالفأر تحتها، النّوم هروبٌ جميلٌ ونصفُ موتٍ، أردتُ أن أدفنَ غضبي بمقبرةِ روحي الممتلئة.
قلقٌ، قلق..

تخبّطتُ بين الصّحوةِ والنوم مراراً، منذ سنواتٍ عديدة جميعنا يسمعُ حنفيّة دماءٍ تنقّطُ جانب رأسه ولا ينام، تكّات عقارب السّاعة كرصاصاتٍ طائشةٍ تمزّق دماغي وتفتّته، كنتُ أتعثّر بالكوابيس كالظّلال التي تعثرت بها، إلى أن غفوتُ..

رأيتُ نفسي عالقاً داخلَ سيناريو كابوسٍ محكم، كنتُ أمشي برواقٍ مظلمٍ في نهايته بقعة ضوء، كان الهواء ثقيلاً جداً، كنتُ أركض باتجاه بقعة الضوء فتبتعد، كانت تبدو أصغر كلّما تسارعتْ خطواتي، وصوتٌ مرعبٌ كان يقهقه ويقول باستمرار: اركض، اركض، عانق موتكَ ودَعْه يوصلك..
الهواء كان يقلّ وقدماي بدت وكأنها تحمل أطناناً، كنتُ أركض حافياً وأدوسُ على أرضيّةٍ طريةٍ ورطبة أشبه بلحمِ أجسادِ جثث، صرتُ ألهثُ وأترنّحُ والهواء بدأ ينفذ، وبقعة الضوء تبتعد أكثر..
“لا وقتَ للحياة، لا وقتَ للحياة..”.

الفنان اسماعيل نصرة

الفنان اسماعيل نصرة

لم تكن تلكَ الكلمات غير المفهومة التي تفوّهتُ بها هي من أيقظتني، بل كانت صرختي وقطرة العرق التي سالتْ بقرب عيني، حينها أتى سامر على عجلٍ واقتحم غرفتي:
– هاني اهدأ، أنتَ في غرفتكَ، أتلعبُ الشطرنج؟!
– حسناً..
كان سامر أول من رأى ما حدث، كنتُ ألهث وأحاولُ لَعِبَ الشطرنج لتهدئة دقات قلبي المتسارعة، كنتُ ما أزال عالقاً في تفاصيلِ الكابوس المرعب، وبقعة الضوء تلك كنتُ أتخيلها في أي مكانٍ تقع عيني عليه، غضبي كان يزداد بشكلٍ حادٍ بمضيّ الوقت، إلى أن شهقتُ شهقةً عميقةً، ظننتُها ستخفف غضبي، لكنَّ ما حصل هو العكس!

زفرتُ وإذْ بنارٍ من أنفي تخرج وأوشكتْ أن تحرقَ قميصي، لكنها لم تحرقْه للأسف، بل أحرقتْ ثلاثةً من جنودي؛ حتى في ألعابنا، دورُ الفقراءِ الموت..
سامر حينما رأى ذلك ضحكَ في بادئ الأمر، حاولَ أن يضغط زرّ “إعادة” ليشاهدَ مجدداً ما حدث، لكنّه سرعان ما أدركَ أنني لستُ مقطع “فيديو” على هاتفه الجوال، حينها أيقنَ أنها ليست نوبة كآبةٍ عاديةٍ ولن تمر مرور الكرام، وأيقنَ أيضاً أن صديقه تحوّل على إثرها لتنّينٍ حقيقي.

اتفقتُ وسامر أن نبقي الأمر سراً، لكن -ككل الأسرار الغريبة- لم تمضِ أيامٌ قليلةٌ حتى أدركنا أن الجميع عرفوا بالأمر جرّاء ما كنت أحرقه من قطع الثياب المنشورة على شرفات الجيران حينما أتثاءب صباحاً، والدخان الذي يتصاعد من نافذة الغرفة حين أحرق -عن طريق الخطأ- إحدى الكتب التي أقرؤها..

لذلك، جاء جميع من أعرفهم بعد فترة لزيارتي، امتلأتْ غرفتي بالضيوف والحجاج، جلسوا أمامي يتهامسون بصوتٍ خافتٍ ويرمون نظراتهم الخفيّة عليّ ويحاولون دائماً جعلي أستشيط غضباً ليتأكّدوا من صحّة الخبر، دلقوا كؤوس الشاي على ثيابي مثلاً، وجلبوا صوراً لحبيبتي بين أحضان رجال أثرياء، ومزّقوا مذكّراتي ورموها من الشباك، صمدتُ لوقتٍ طويلٍ قبل أن أغضب، إلّا أنهم تفوّقوا في النهاية، لقد غضبت.

حسناً.. منذ ذلكَ الحين حتى اللحظة وأنا مستلقٍ على هذا السّرير، علماءٌ وأطباءٌ وباحثون يحيطون دوماً حولي، فحوصٌ طبيّةٌ واستنتاجاتٌ وتحاليلٌ وتجارب، دائماً كانوا يُنزلون رجال إطفاء وعُمّال إغاثةٍ داخلي يحملون معدّات وكاميرات وخزّانات مياه وآلات تنقيبٍ ليكتشفوا سببَ تلكَ النيران ويخمدوها، لكنّ جميعهم خرجوا مني بثيابٍ متفحمةٍ سوداء ودخانٍ خانقٍ، دون نتيجة..

منذ يومين أخبروني أن أبحاثهم وفحوصاتهم أوصلتهم لحلٍّ قد يجدي نفعاً، سيُنزلون طفلةً أعرفها داخلي تدعى فاطمة؛ طفلةٌ مشرّدةٌ مهجّرةٌ ويتيمةٌ تبيع البسكويت للمارّين، كنتُ دائماً أنتظرها قبل أن أصبح تنّيناً، أذكرُ أنها كانت تضحك دوماً على عكس باقي المشرّدين، اختاروها لأنها طفلة بريئة وقد لا تؤذيها النيران وتهلكها كباقي عُمّال الإغاثة، لم يكن قراري ذي أهمية، وافقتُ دون أن أوافق، وحدثَ الأمر..

تمّ تخديري بشكلٍ فائضٍ وغوغائي، فغرقتُ في سُباتٍ طويل، ونزلتْ فاطمة إلى روحي، انتظرتْ قليلاً على الباب، ثمَّ دخلت، واتّضحتْ الرّؤية..

رأتْ أبنيةً مهدّمةً وشوارعَ مدمّرة، وجثثاً تحترقُ في الطُّرقات، مشتْ قليلاً فشاهدتْ سيّارات محطّمة وقلوباً مرميةً على الرّصيف، سكاكيناً يسيل عليها دماءٌ بريئةٌ.. رأتْ طفلاً مقتولاً يرتدي مريول المدرسة وعلى جبينه نجمة، ليست من نجمات الآنسة اللاصقة -على حد تعبيرها- بل نجمةً حقيقيّةً من السّماء؛ لقد كان الطّفل هو روح الله..

رأتْ مجالسَ ومؤتمراتٍ تحت مسمّياتٍ غريبة، يترأسها رجالٌ أنيقون يرتدون طقوماً نظيفةً وأحذيةً باريسيةً ثمينة، يجلسون معاً على مقاعدَ من الجثثِ المكوّمة،ِ ويديرون الاجتماعات واللقاءات بوجوهٍ ضاحكةٍ..

ما رأته فاطمة كان وطناً جميلاً، تفتت لقطعٍ صغيرةٍ.. بين أنياب الحرب.
أنهت فاطمة كلامها، ثم غرقت بسباتٍ أطول، لم يكن بفعل التخدير هذه المرة، بل كان هذا السبات بفعل.. الخيبة.

مرّ الكثير من الوقت.. اعتقدت قبل أن أكتب ما حصل هنا أنني استيقظت وعدت لعالمكم، لكن همساتٍ خافتةٍ من فم فيكتوريا داهمت أذني، وأخبرتني الحقيقة:
– عزيزي، قُضي الأمر.. لقد صار بمقدورنا أن نبتسم سويةً كقديم عهدنا في مكانٍ أنيقٍ وهادئ.. دون ظلالٍ مخيفة.
* فيكتوريا، أين أنت؟
– هنا، بجانبك.. داخل سباتك.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: