«صلاح دهني» رحلة تأسيسٍ ونضالٍ سينمائي – نوار عكاشه

نوار عكاشه

أطلق صرخته الأولى مع ولادة السينما السورية، كبر وتعلم وسافر واستكشف؛ ليعود إلى سينما وطنه لإعادة تكوينها وصياغة مفردات صورها بِلغةٍ علميةٍ تُقوِمُها وترتقي بها.
«صلاح دهني» (1925-2017) الأديب والناقد والمخرج السينمائي، من الرواد الأوائل المؤسّسين للسينما السورية صناعةً وثقافةً، حملت كنانته أسهم الفن السابع وصوّبها بمحبة ٍعلى من عاداه، فكانت حياته رحلة تأسيسٍ ونضالٍ سينمائيٍّ لم تستكنْ لخيبةٍ أو توهن لجهلٍ.

ولد «صلاح دهني» في محافظة درعا عام 1925، درس في جامعة دمشق، ثمّ انتقل لدراسة الطبّ في فرنسا، ولكنّ معاهد الدراسة السينمائية جذبته إليها، فتوجّه بعد موافقة أهله إلى الدراسة بِها عام 1947، وتخرّج عام 1950 من معهد الدراسات السينمائية العالية في باريس، ومعهد الفيلمولوجي (علم الفيلم) من جامعة (السوربون)، ليكون من أوائل الأكاديميين السينمائيين السوريين.

عاد بعدها إلى دمشق، آملاً بصناعة تغييرٍ سينمائيٍّ حقيقيٍّ، فتولّى عام 1960 دائرة (الانتاج والتصوير السينمائي) التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد القومي المؤسسة عام 1958، في الجمهورية العربية المتحدة -خلال الوحدة بين سوريا ومصر- وكانت تلك الدائرة نواةً للعمل السينمائي الحقيقي ضمن إطار هيئةٍ حكوميةٍ ثقافيةٍ، حيث جهّزها دهني بِكاميرات التصوير مع طاولة مونتاجٍ حديثةٍ، وتعاقدت مع خبيرين يوغسلافيين في الإخراج والتصوير، وقامت تلك الدائرة بانتاج أفلامٍ وثائقيةٍ عن المدن والآثار والطبيعة والناس في سوريا.

ولكنّ سلطات الجمهورية المتحدة قامت باعتقال دهني وسجنته لمدّة ثمانية أشهر بعد حملة اعتقالاتٍ للشيوعيين في سوريا ومصر، وبعد تفكّك الجمهورية المتحدة، خرج دهني من السجن وهو يعتقد أن الوضع لا بدّ من أن يكون أفضل حالاً، حيث أن الأفلام التي أنتجتها الدائرة في تلك الفترة؛ كانت قد لاقت استجابةً لدى المسؤولين وكثّرت عليها الطلبات من السفارت، مما استوجب توسيع عمل تلك الدائرة وتحريرها من الروتين وتوفير الإمكانات لعملها.

صلاح دهني

ومن هنا ولدت فكرة إحداث (المؤسّسة العامة للسينما)، فتقدّم دهني بمشروع تأسيس المؤسسة العامة للسينما، والتي تمّ إقرارها بالمرسوم التشريعي رقم 258 بتاريخ 12/12/1963، وتولّى دهني إدارة الشؤون الفنيّة فيها، إلا أنّ الاستقلال المادي والإداري الذي نصّ عليه المرسوم التشريعي لم يتعدّى ورقيّته، مما صدم دهني الحالم بصناعةٍ سينمائيةٍ مزدهرةٍ والمولع بالسينما والابتكار، حيث وجد نفسه أمام جهل وقصور فكر قادة المؤسسات الثقافية، فَفي أول اجتماع مع وزارة الثقافة، طُلب منه أن يخرج أفلاماً لا تنتمي إلى السينما كَفنٍّ ولغةٍ بصريّةٍ كما درسها، أفلاماً تُعلّم الأطفال النظافة وغسل اليدين والأسنان، ولم يكن وزير الثقافة حينها سوى مدير مدرسة، مكّنه ولاؤه السياسي لِأحد الأحزاب مما حُرم منه دهني وزملاءه، وتمَّ تعيين (ضابط) مديراً للمؤسسة أنذاك!، حاول فرض نوعيةٍ خاصةٍ من الأفلام على انتاج المؤسسة؛ قابلها دهني وزملاؤه بالرفض، مما وضعه في مواجهاتٍ متلاحقةٍ مع تلك المؤسسة التي أسّس لها.

لم يستسلم دهني واستمرّ في نزعته الرياديّة في إحداث قوامٍ للسينما السورية والارتقاء بها، فتوجّه إلى باريس، وأقنع مدير السينماتيك (دارٌ لحفظ النسخ الأصلية من الأفلام) الفرنسي، بمنح سوريا مئة فيلمٍ مجاناً، لتأسيس سينماتيك سوري، فكان شرط المدير (هنري لانغلوا) أن تُعد سوريا مبنىً مهيأً لهذا الغرض.
عاد دهني بإنجازه التاريخي إلى سوريا التي كانت تفتقر لمؤسساتٍ سينمائيةٍ حقيقيةٍ، إلا أن وزارة الثقافة رفضت الاتفاق بسبب التكلفة العالية لإعداد المبنى، موضحةً أن الوطن بحاجة إلى دبابةٍ للدفاع عنه، وليس دار سينماتيك.

ويرى دهني في كتابه (سينما الحبّ الذي كان) 2009 الصادر عن احتفالية دمشق عاصمةً للثقافة العربية، أنّ هذه التصرفات أدّت إلى ضياع الكثير من الأفلام الوثائقيّة في فترة الانتداب الفرنسي، والثورة السورية الكبرى، فضلاً عن أفلامٍ تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي عن دمشق والقدس، محفوظةً الآن في السينماتيك الفرنسي.


من كواليس تصوير أحد أفلامه

يُحسَب لِدهني إطلاقه أوّل مهرجانٍ سينمائيٍّ دوليٍّ في الوطن العربي بمشاركة ثلاثة عشر دولةٍ، عام 1956، على هامش الدورة الثالثة لِمعرض دمشق الدولي، لكنه لم يتمكن من تكرار التجربة كما يريد بسبب تلكّؤ مدير المعرض.

أدّت هذه الخيبات التي تعرّض لها دهني إلى توجّهه نحو الكتابة والنقد، لعدم توفّر إمكاناتٍ ومناخٍ ملائمٍ لصناعة أفلامٍ أصيلةٍ، فانكبّ على تحليل وتشريح الأفلام، وأخرج وقدم عبر الإذاعة أكثر من ألف وستمئة حديثٍ إذاعيٍّ عبر برنامجين: برنامج (السينما في أسبوع) من عام 1952 حتى 1974، وبرنامج (صوت وصورة) من عام 1989 وحتّى 2005، لتشكّل أحاديثه أوّل وأضخم مرجعٍ سينمائيٍّ للسوريين والعرب، لتعلم النقد والبحث والتحليل في فنّ السينما، فأغنى عبر مسيرته الفنية الممتدة لأكثر من سبعين عاماً المكتبة السينمائية العربية سينمائياً نقدياً وتثقيفياً، مُقدِّماً النقد السينمائي ببناءٍ ومعنىً علميٍّ، جعله في طليعة الرواد السينمائيين العرب.

عاد دهني إلى المهرجانات، فأقام مدير الشؤون الفنية في المؤسسة العامة للسينما؛ مهرجان (دمشق الأول لسينما الشباب) وعُقدت دورته الأولى (2-8 نيسان 1972) بنجاحٍ، ممّا دفعه للتحضير للدورة الثانية، لكن صدور قرار تأجيل الدورة إلى خريف 1973 أدى إلى إلغاء المهرجان نهائياً إثر حرب تشرين وتغيّر إدارة المؤسسة بعدها.

قرّرت المؤسسة العامة للسينما عام 1978 إطلاق مهرجان جديد تحت اسم (مهرجان دمشق السينمائي) بمعدل دورةٍ كلّ عامين بالتناوب مع مهرجان (أيام قرطاج السينمائية) وانطلقت دورته الأولى عام 1979، وفي الدورة الرابعة للمهرجان 1985؛ تسلّم دهني إدارته التنفيذية، فقام بصياغة نظامٍ أساسيٍّ للمهرجان للدورات القادمة.

أمّا عن عمله في الإخراج، قدم دهني العديد من الأفلام الوثائقية القصيرة نذكر منها: نزهاتٍ صيفية، الماء والجفاف، أخبار الثقافة، المعجزة الخالدة، بصرى، الآثار العربية في سوريا، الزجاج في سوريا في 40 قرناً، زهرة الجولان، ابن النفيس، الفن العربي الإسلامي … وغيرها.

وفي الأفلام الروائية الطويلة له فيلمٌ وحيدٌ هو «الأبطال يولدون مرتين» (1977 ، 110 د)، قام بِاخراجه وكتب السيناريو لهُ عن قصةٍ للكاتب الفلسطيني «علي زين العابدين»، من انتاج المؤسسة العامة للسينما، ولعب بطولته كل من: عماد حمدي، فراس دهني، منى واصف، صباح جزائري … وغيرهم.
ويروي الفيلم حكاية طفلٍ فلسطينيٍّ فقد والداه بعد عدوان حزيران 1967، ونشأ في كنف رجلٍ عجوزٍ في إحدى مخيمات اللاجئين، وبعد ما شاهده من مظاهر المداهمات والاضطهاد الذي مارسه الاحتلال الصهيوني؛ يقرّر الالتحاق بالقوات العربية المقاومة للاحتلال…
و قد لاقى الفيلم التقدير والإعجاب لدى عرضه في مهرجان موسكو السينمائي 1977، وفي مهرجان القاهرة السينمائي 1977، والعروض الخاصة التي قُدِم خلالها.

من فيلمه الروائي الطويل “الأبطال يولدون مرتين”

وللراحل عدّة مؤلفاتٍ سينمائيةٍ تنوّعت بين النقد والتأريخ والدراسات، بالإضافة إلى الترجمة، نذكر منها: قصة السينما -دراسة- بيروت 1951، قصّة السينما في سوريا -دراسة- ( بالإشتراك مع رشيد جلال) – دمشق 1963، دعوة إلى السينما -دراسة- دمشق 1979، سينما سينما -دراسة- دمشق 1979، حياة غودار وأعماله -ترجمة- حلب1972، السينما الجديدة -ترجمة عن اليونسكو- دمشق 1974، قضايا السينما والتلفزيون في العالم العربي -دراسة- دمشق 1992، معجم المصطلحات السينمائية -عربي، فرنسي، انكليزي، بالاشتراك- دمشق 1965.

كما لهُ العديد من المؤلفات الأدبية، بين الرواية : ملح الأرض – دمشق 1972، والمجموعات القصصية: حين تموت المدن -قصص- دمشق 1976، الانتقال -قصص- دمشق 1980، والمسرح والإذاعة: أصوات في الليل -فصول مسرحية وإذاعية- دمشق 1986، ديان بيان فو-مسرحية- دمشق 1956، كما أسّس مع حنا مينه وفاتح المدرس رابطة الكُتّاب السوريين، التي كانت اللّبنة الأساسية لتأسيس اتحاد الكتاب العرب لاحقاً.

رحل «صلاح دهني» يوم 27/10/2017 عن عمر اثنين وتسعين عاماً، تاركاً وراءه إرثاً سينمائياً وثقافياً كبيراً، ومرجعاً مُعلِّماً ومقوِّماً لكل العاملين والهواة في السينما السورية حتى اليوم.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: