ضرورة ارتباط الخير بالجمال – فلاديمير سولوفيوف – الترجمة عن الروسية والتعليق: فادي أبو ديب

ضرورة ارتباط الخير بالجمال – فلاديمير سولوفيوف – الترجمة عن الروسية والتعليق: فادي أبو ديب

فادي أبو ديب
فادي أبو ديب

هذا النصّ عبارةٌ عن فقرةٍ من مقالةٍ طويلةٍ لفلاديمير سولوفيوف بعنوان “الدلالة الحدسية للفن” (Общий Смысл Искусства 1890)
=====================================
إنّ الشجرة التي تنمو في الطبيعة بكامل جمالها، والتي نخطّها أيضاً على القماش، تنتج في الحالتين انطباعاً جمالياً منتظماً، وتكون عرضةً لتقييمٍ جماليٍّ واحد. وليس من دون دلالة أنّ الكلمة المستخدمة في كلتا الحالتين هي كلمةٌ واحدةٌ فقط (شجرة). ولكن إذا كان كل شيءٍ محدداً بما هو منظور، بهذا الانتظام الظاهري، يمكن حينها أن نسأل وأن نستفهم بشكلٍ حقيقيٍّ: لماذا هذه المضاعفة في الجمال؟ أليست لعبةً طفوليةً أن نكرّر على اللوحة ما هو في الأساس موجودٌ بكامل جماله في الطبيعة؟

عادةً ما يُجاب على هذا السؤال بأنّ الفنّ لا يعيد إنتاج الموضوع ذاته وظواهر العالم الحقيقي فحسب، ولكن فقط ما يراه الفنان في هذا العالم الخارجي (هذا ما يقوله على سبيل المثال تِن في كتابه “فلسفة الفن”)، وأنّ الفنان الحقّ يرى في هذه الظواهر فقط أنماطها وخواصها المميزة. أما العنصر الجمالي في الظاهرة الطبيعية، فبعد المرور في وعي الفنان ومخيلته يتنقّى من كل العشوائية المادية وهكذا يتقوّى ويبرز لمعانه. والجمال المنثور في الطبيعة في هيئته ولونه، يظهر في اللوحة بشكلٍ مركّزٍ ومكثّفٍ ومؤكّد.

لا يمكن لهذا الشرح أن يكون كافياً بشكلٍ نهائيٍّ طالما أنّه لا يمكن أن يُطبَّق على كثيرٍ من الفروع الهامة للفن. ولكن ما هي ظواهر الطبيعة التي يتم التركيز عليها في سوناتا بيتهوفن على سبيل المثال؟ [1] من الثابت أنّ الرابط الجماليّ بين الفن والطبيعة عظيم العمق والمعنى. وفي الواقع فإنّ هذا الرابط لا يتكوّن عن طريق التكرار بل عن طريق إكمال هذا العمل الفني الذي ابتدأته الطبيعة، أي عن طريق تقديم إظهارٍ أكثر اكتمالاً لنفس العمل الجماليّ.

إنّ نتيجة السيرورة الطبيعانية هي الإنسان في معناه النبيل: أولاً بوصفه الأكثر كمالاً، وثانياً بوصفه الكائن الطبيعي الأكثر وعياً. وفي هذه السمة الأخيرة يصبح الإنسان نفسَه نتيجة لهذه العملية الكونية الفعّالة. علاوةً على ذلك، يصير مطابقاً بشكلٍ كاملٍ لهدفه المثالي، وهو التغلغل المتبادل والكامل والتشابك الحرّ للعوامل والعناصر الكونية الروحية والمادية، المثالية والواقعية، الذاتية والموضوعية. ولكن يمكننا هنا أن نطرح السؤال: لماذا تتمثّل لنا كل هذه العملية الكونية التي تبتدئ بالطبيعة وتتتابع في الإنسان بالنواحي الجمالية تحديداً، بوصفها إظهاراً لعملٍ فنّيّ معيّن؟ أليس من الأفضل أن نعتبر أنّ غرض هذه العملية هو تجسيد الحقيقة والخير وانتصار العقل أوالإرادة الساميين؟ إذا كنا بالإجابة على هذا السؤال نتذكّر بأنّ الجمال هو مجرّد تجسّدٍ للمحتوى المثالي من خلال الأشكال الحسّية، والذي يُسمّى حقاً وخيراً قبل تجسّده، إذا كنا نتذكر ذلك فإنّ هذا سيستدعي اعتراضاً جديداً على هذا الادعاء؛ فالأخلاقي المتزمّت سوف يقول إنّ الخير والحقّ لا يحتاجان إلى التجسّد الجمالي؛ فكل ما نحتاجه، بحسبه، هو أن نفعل الخير ونعرف الحقّ!

وللإجابة على هذا الاعتراض نقول إنّ الخير لا يتجسّد عن طريق الحياة الشخصية لشخصٍ معيّنٍ فحسب، بل في حياة المجتمع بكلانيته، فهو متحقّقٌ في النظام المجتمعي المثالي الذي يحكم التضامن الكامل، أي في الأخوّة الشاملة. في هذا السياق تتلاشى الذاتوية الصّلدة التي لا يمكن اختراقها؛ فيجد الجميع أنفسهم في الواحد والواحد في كلّ الآخرين. ولكن إذا كانت هذه السّكنى الكونية المتبادلة، التي يتوقّف في جوهرها الخير الأخلاقي أمام عائق الطبيعة المادية، وإذا كان المبدأ الروحي قد تغلّب على كثافة الذاتوية النفسية عند الإنسان ولم يستطع أن يتجاوز كثافة المادّة والذاتوية الفيزيائية؛ إذا كان كل ذلك، فإنّ هذا يعني أنّ قوة الخير أو الحبّ ليست قويّةً بما يكفي، وهذا يعني بالتالي أنّ المبدأ الأخلاقي لا يستطيع أن يجد تجسيده النهائيّ ولا أن يتبرّر بشكلٍ تامّ. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت القوة المظلمة للكينونة المادية سوف تنتصر في النهاية وإذا كانت لا تُقهَر بالنسبة لمبدأ الخير، أفلا تكون فيها هي الحقيقة الأصيلة لكل الأشياء الموجودة، وألا يكون ما نسمّيه الخير مجرّد ظهورٍ شبحيٍّ غير موضوعيّ؟ وفي نفس السياق ألا يمكننا أن نتحدّث عن انتصار الخير عندما يمكن للمجتمع المنظّم بناءً نفس المبدأ المثالي الأخلاقي أن يهلك في هذه اللحظة نتيجة أيّة ثورةٍ جيولوجيةٍ أو فلكية؟ [2]

من دون شكّ فإنّ اغتراب المبدأ الأخلاقي عن الوجود المادّي ليس مدمّراً للأخير بل للأوّل. إنّ عين وجود النظام الأخلاقي في العالم يشير إلى وجود رابطٍ بينه وبين النظام المادّي أي وجود تناسقٍ بينهما. وإذا كان الأمر كذلك أفلا يجب البحث عن هذا الرابط بمعزلٍ عن الناحية الجمالية بل تحت السلطان المباشر للعقل البشري على القوة العمياء للطبيعة وتحت الحكم غير المشروط للروح على المادّة؟ [3]

بحسب الظاهر فإنّ عدة خطواتٍ مهمةٍ قد تم اتخاذها لهذا الغرض. وعندما سوف يتحقق ذلك، حين ننتصر بفضل العلوم التطبيقية، كما يعتقد الآن المتفائلون، ليس على المكان والزمان فحسب بل أيضاً على الموت نفسه، عندما يحصل ذلك سيسود حينها بشكلٍ نهائيٍّ وجود الحياة الأخلاقية في العالم (على أساسٍ مادّيّ)، من دون أيّ علاقةٍ بالاهتمام الجمالي. وحينها يصحّ القول بأنّ الخير لا يحتاج أن يكون في ما هو جميل. ولكن هل تكون هذه الحالة هي الخير الكامل نفسه؟ لا، ففي نهاية المطاف لا يقوم الخير على انتصار جانبٍ على الجانب الآخر بل على تضافر “كل” الأجزاء. ولكن هل يمكن استثناء الكيانات والقوى الفاعلة في العالم الطبيعي من تعداد هذا “الكل”؟ ما أعنيه هو أنّه لا يمكن لهذه الكائنات والقوى مراقبة ما يجري كمجرّد وسائلَ وأدواتٍ للوجود البشري، فلا بدّ إذن من أن تكون مشمولةً في البنية المثالية لحياتنا كعنصرٍ إيجابيٍّ. [4] وإذا كان على النظام الأخلاقي أن يعمل ضمن الطبيعة المادية بوصف هذه الطبيعة بيئة وجوده ووسيلته، فعليه أيضاً من أجل اكتماله وتمامه أن يجمع إليه الأساس المادّي للوجود كجزءٍ مستقلٍّ من النشاط الأخلاقي، والذي يتحوّل هنا إلى فاعليةٍ جماليةٍ، لأنّه لا يمكن للوجود المادي أن يتضافر مع النظام الأخلاقي إلا من خلال الاستنارة والرّوحنة، أي من خلال الجمال فقط. وهكذا يحتاج الجمال إلى سريان الخير في العالم المادي لأنّه فقط بواسطته تستنير الظلمة المستبدة بهذا العالم وتتبدّد.

فلاديمير سولوفيوف

ولكن أليس هذا أمراً يتعلق بالاستنارة الشاملة للعالم وليس استنارتنا نحن فقط؟ إنّ الجمال الطبيعانيّ يزيّن العالم بسرباله البهيّ، والفوضى القبيحة تحاول عبثاً أن تتسلّل من تحت الصورة المتناغمة للكون من دون أن تستطيع تدميرها لا في الامتداد اللانهائي للأجسام السماوية، ولا في الدائرة القريبة من المنظومات الحيوية الأرضية. ألا ينبغي إذن على الفنّ خاصتنا أن يهتمّ بأن يُسربل بالجمال بعض العلاقات البشرية، وأن يُجسّد في صورٍ حسّيةٍ المعنى الحقيقي للحياة البشرية؟ لكن القوى المظلمة في الطبيعة هي في حالة الهزيمة فقط وليست مقتنعةً بحقيقة المعنى الشامل، فهي ترى أنّ هذا الانتصار نفسه سطحيٌّ وغير كاملٍ، وأنّ الجمال الطبيعاني هو مجرّد غطاءٍ يستر على شر الحياة، وليس تجلياً لهذه الحياة. لهذا يجب على الإنسان بوعيه العاقل أن يكون ليس مجرّد غرضٍ للعملية الحاصلة في الطبيعة بل أن يكون وسيلةً لإحداث التأثير العكسي والأكثر عمقاً واكتمالاً على الطبيعة من خلال المبدأ المثالي. ونحن نعلم أنّ تحقيق هذا المبدأ في الطبيعة يتمّ بدرجاتٍ متفاوتة العمق، بالإضافة إلى أنّ أيّ تعميقٍ للجانب الإيجابي سوف يتزامن مع التضخيم الداخلي للجانب السلبي. وإذا كان المبدأ الشرير ينشط في المادة غير الحيوية بوصفه ثقلاً وعطالةً فحسب فإنّه يتجلّى في العالم الحيوي بوصفه موتاً وتفككاً (هنا نذكر أنّ البشاعة لا تنجح بشكل واضح في تدمير صورة النباتات، كما يفعل الموت والتفكّك في الحيوانات، ولكن بين النباتات والحيوان نجد أنّ هذا المبدأ السيئ يؤثر في الكائنات الأكثير تعقيداً أكثر من الكائنات الأبسط). أما في الإنسان يكون هذا المبدأ الشرير أكثر تعقيداً وتضخماً ويكون ظهوره مترافقاً بمظاهر فيزيائية تعبّر عن جوهره الأعمق كشرٍّ أخلاقيّ. ولكن هنا بالتحديد تبرز إمكانية الانتصار النهائي عليه والتجسيد الكامل لهذا الانتصار في الجمال الأبديّ الخالد.[5]

الهوامش:
[1] يقصد سولوفيوف أن يسأل هنا: إذا كان الرسم يركز على جمالياتٍ معينةٍ في الطبيعة، فموسيقا بيتهوفن ماذا تأخذ من العالم الطبيعي لتظهره بشكلٍ مكثفٍ. من هنا يستنتج أنّ التفسير السابق ليس كافياً وربما ليس صحيحاً البتّة، والفنّ ليس هدفه مجرّد التركيز على خاصياتٍ معينةٍ في العالم الطبيعي.

[2] يقصد سولوفيوف هنا بانتصار الخير إمكانية انهدام الظواهر المادية التي تبدو للوهلة الأولى صلبةً كثيفةً لا يمكن اختراقها كما يتبيّن من السياق السابق.

[3] في هذا السؤال يضع سولوفيوف نفسه في مكان السائل المعترض.

[4] كان سولوفيوف يعتقد بأنّ الوجود غير المادّي يتألف من عالم “الأفكار” التي تكوّن كلها “وحدة الكلّ” всеединство. بهذه الطريقة الأفلاطونية كان يرى أنّ هذه الأفكار كائناتٌ فاعلةٌ توحي إلى الإنسان وتمنحه إدراكاً بخصوص جميع الظواهر والمعاني التي تتجاوز العالم الملموس.

[5] ما يعنيه سولوفيوف في هذا المقطع، هو أنّه من الصحيح أنّ الانتصار على الظلام يكون من خلال استنارة العالم كلّه بما فيه، ولكن بداية الانتصار وإمكانية تحقيقه تبدأ من العالم الإنسانية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: