طبائع الاستبداد – سامر محمد إسماعيل

سامر محمد إسماعيل

أن تسقي أزهار الشرفة بإبريق الحمّام
أن تغني أمامي في الصباح
فأردد أغنيتكَ طوال النهار دون أن أشعر..
ودون أن أتذكر.. 
لماذا أردّدها 
حتى وأنا أجري حواراً تلفزيونياً على الهواء مباشرةً..؟

الاستبداد كذلك، أن تبتسم مُخرجاً رزمة نقودٍ من جيبك
وترفعها أعلى من مستوى طاولة المطعم
لتدفع الحساب عني..
أن تتقصد المرور بسيارتكَ الفارهة
مرتدياً نظارتيكَ المافياوتين 
قبالة من ينتظرون (سرفيس مزة جبل كراجات)!

أن تنشر صور عيد ميلادك في (فيلتكَ) الفخمة
وصور المجازر والجائعين تغطي صفحات الفايس بوك..

الاستبداد أن تحدثني عن لحم الوطن الضانئ
وأنا بالكاد لا أعرف عنه 
سوى رائحةِ شوائِه!

الاستبداد أيضاً يا صديقي في الهمجية
أن تحدثني عن مصائبكَ الكبرى
فتشرح لي الألم الذي عانيته عندما أُصيب كلبكَ “الهسكي” بالتيفوئيد
فجلبتَ له دواءً من صيدليات بيروت
وأنا للتو استدنتُ نقوداً 
كي أتمكن من شراء علبة حليب لطفلي الصغير!
كلبكَ الآن يأكل لحم عصافيري..
ينهش بنطالي عند باب مزرعتكَ المسوّرة..
أنا الذي بالكاد أتمنّى
أن يسعفني الحظ وأشتري بيتاً..
لا عفواً.. عفواً.. آسف غرفة
غرفة مع منافعها في “عش الورور”!

كلبكَ يوجعني يا صاحب النذالة..
وتحدثني عن الاستبداد..؟
سأحكي لك ما قاله الكواكبي يوماً 
فدسّوا له السمّ أجراً عليه..
الاستبداد مجرّد كلمة..
كلمة لها طبائع عديدة..
منها مثلاً لا على سبيل الحصر
أن تدعوني إلى لعبة (كاندي كراش)
وأنا من فرط لهاثي خلف رزقي
أكاد أنسى اسمي
فيأتيني إشعار “الكاندي كراش” خاصتكَ
عندما أفتح صفحتي على الفيس بوك من حساب الوحدات
كي أزجي الوقت ليس إلا..
وأنا أقف على طابور الفرن الطويل
لأظفر بكيلوين من الخبز المدعوم لعيالي..
سأشتمك وقتها.. لكن لا وقت لدي حتى لذلك
حيث سيدفعني رجلٌ يقف ورائي في الطابور
كي أتقدّم خطوةً وأملأ الفراغ حين يمشي الدور
الدور يمشي هنا على الخبز..
هذا جيّد
لكنّه مرعبٌ أيضاً
فالرغيف بدأ يصغر بعد التحسينات الحكومية الأخيرة..
والجوع يكبر.. يكبر..
والرغيف يصغر ويقسو
يقال إنهم يسرقون الخميرة المخصصة لإنضاج الخبز
ويقولون أن الحكومة تسعى لجعل الرغيف مناسبٌ تماماً 
لحاجة المواطن وشبعه وسكوته.
البارحة فقط اشتريتُه
واليوم أعود واقفاً مع الواقفين
لنيل حصتي من الدخل القومي.
في الآونة الأخيرة لم نأكل سوى الخبز
وصادف أن التقيت بأشخاصٍ موسرين يتكلمون أمامي على أنهم (نباتيون)!
فواحدٌ يحكي عن فوائد القرنبيط
وآخر يقول: أنا لا آكل سوى لحم السمك الرملي
وثالثٌ يفاخر: أنا نباتيٌّ منذ نعومة أظفاري
وعندما فرغوا من استعراض “نباتيتهم الحيوانية” التفتوا إلي وسألوني:
وأنتَ.. نباتيٌّ أم حيواني..؟ 
فقلت: أنا نباتيٌّ رغماً عني..!

الاستبداد في صفقة الباب
في النظرة من خلف بلّور سياراتٍ 
ترفع نوافذها أمام نوافذ سيرفيسٍ تقابلا عند إشارة المرور
ينظر رجلٌ بقربه امرأةٌ تلبس معطفاً من فرو الثعالب
في وجوه ركاب السرفيس
ينظرون إليها..
يعضّون على ألسنتهم
على قلوبهم وأطفالهم ونسائِهم النائمات فوق أكتافهم
ينظرون نحو معطف الفروتقفز منه ثعالب و”أفواه وأرانب”
يرنون نحو صاحبته تدخّن وتضحك 
ثم تميل برأسها على كتف الرجل الذي بجانبها
لحظات وينتهي هذا “الحقد الطبقي” بين سيارة “بي أم دبليو” وسرفيس “آسيا” ذا منشأ كوري صديق!
يصطفّ فيه البشر عقباً لرأس
وتنتشر فيه روائح عطرة للغاية!
وتنتشر على مقاعده الجلدية المهترئة
عبارات من قبيل:
… أخت يلي ما بيحبك
جودي وناصر حب للأبد..
اذكريني.. زائد قلب فيه سهم ينقط دماءً حمراء
ثم عبارةٌ تقول:
مريضٌ بحاجة كليةٍ يرجى الاتصال على الرقم التالي:
تكتب رقم الهاتف خلسةً أو تحفظه في قلبك
تردده عن ظهر قلب كي تتذكره
فلربما احتجت أن تبيع كليتكَ أو قرنيتي عينيك.. كلاهما أو إحداهما
كي تشتري كتباً ودفاتر وثياب مدارس وحقائب لأطفالك..
المدرسة على الأبواب
وهم بحاجة أحذيةٍ أيضاً
وراتبكَ يا دوب يكفي لدفع أجرة بيتك المستأجر في المزة جبل 86 
وما إن تضع مفتاحك في قفل البيت
حتى يهرع إليك أطفالك بنداءٍ علمتهم إياه زوجتكَ الحنونة:
“إيجا البابا… إيجا البابا”…!
سوف ينطفئ النشيد وتغور عيون أطفالك في محاجرهم
حين يروكَ خالي اليدين
دون حلوياتٍ وفواكه..
دون حتى لعبةٍ من سوق البسطة
تحمل كيلو بطاطا وبعض البيض وخبز مدعوم لتحضير وليمة (المفركة ببيض)..
الوجبة الوطنية للجمهورية العربية السورية
الوجبة التي أصابت الشعب بالإمساك
لكن حمداً لله
سيتكفل ماء الفيجة المدعوم بالكلور بتسهيله!
تأخذ زوجتكَ عنك الخبز والبطاطا والبيض..
لا تنظر في وجهك
ليس لديها وقت
لقد تعبتْ من رعاية الأطفال
هي أيضاً موظفةٌ بعقدٍ مؤقت
نظرت اليوم في العديد من مراجعي دائرتها التي تم تعيينها فيها
هي خريجة الأدب العربي
التي تحب قصائد أبي فراس والمتنبي وابن حلزة اليشكري
تحب نزار قباني أيضاً
لطالما كتبت لكَ منها عندما كنتما في فترة الخطوبة
لكنها الآن لم تعد تردّد تلك الأشعار معك
أنت صدر البيت وهي عجزه
لقد نظرتْ اليوم في عشرات الوجوه الموحلة التي أتت لمراجعتها
الوجوه التي تريد استخراج بطاقةٍ ذكيةٍ لنيل شرف تعبئة المازوت
الوجوه التي تحمل دفاتر العائلة مثل وثيقة نجاحٍ إلى المرحلة الإعدادية
الوجوه التي تدخّن وتشتم وتبصق دونما لباقة
في شوارع المدينة
تبصق وتبصق وتبصق
البشر هنا كلهم يبصقون
إنها تمطر بصاقاً 
الجميع هنا يبصقون من نوافذ السيارات والحافلات الكبرى
من الشرفات ونوافذ البيوت
من الدراجات النارية التي تجعر من قلب المدينة نحو أحياء العشوائيات الغنّاء
البشر هنا مصابون بالسلّ والكوليرا والسعال الديكي
البشر هنا جميعهم يمتلكون فائضاً من البلغم 
ويستطيعون إن أتيحت لهم الفرصة أن يقلّدوا جورج وسوف بكلّ سهولة
أو أن يصيبوا من الشهرة في برامج “العرب ستارز”
معظمهم ومنذ سنوات الحرب الثمانية
يدخنون تبغاً رخيصاً
يقال أنه صُنِع خصيصاً لقتلهم على متن إحدى البواخر
تبغٌ جعلهم يصابون بسرطاناتٍ لا شفاء منها
أين ستهربون؟
إن نجوتم من سيارةٍ مفخّخةٍ أو قذيفة هاون
فلسوف تعرفون
أنكم لا شكّ ميتون بأوبئةٍ لا مفرّ منها
وإن نجوتم من هذه وتلك
سوف تصيبكم جلطة..
ذبحةٌ قلبية
وأنتم تقفون على طابور الخبز
أو البطاقة الذكية
أو بانتظار السرفيس
أو تشاهدون منظر إعداماتٍ جماعيةٍ لداعش وأخواتها
إنهم يذبحون بشراً من الوريد إلى الوريد وعلى الهواء مباشرةً..
أو من الممكن أن تصابوا بها في عراكٍ يوميٍّ مع سائق تاكسي يطالبكم بأجرةٍ مضاعفة
سائق التاكسي الذي يعرف أن عمله يقتصر على سلب كل ما في جيوبكم
لأنكم اضطررتم مرّةً وركبتم معه…
فهو يعرف أنكم من ركاب الحافلات الخضراء
ليس نحو إدلب
لا..
نحو بيوتكم العالية في جبالٍ حول العاصمة
تم إعمارها من صفيحٍ ثم من بلوكٍ مهرّب
حيث تجري أنهار الصرف الصحي 
جنةٌ من تحتها أنهار الوحل والقمامة والقيامة!
سوف تخوضون معركةً مع سائق تاكسي
وسوف تصابون أخيراً بذبحةٍ قلبية
وهو يأخذ منكم أضعاف الأجرة
صارخاً بكم: “إذا ما معكم نقود لماذا تركبون تكاسي”؟

حسناً.. ماذا بعد..؟
الآن حان موعدكم مع مسلسلات وبرامج التلفزيون الوطني
مع موظّفين دخلوا عبر المحسوبيات كي يظهروا لكم على الطالعة والنازلة
يخطئون في الإعراب والنحو 
في لفظ اللام القمرية والشمسية
يتجهمون ويقرؤون لكم نشرات أخبارٍ بنبرةٍ خطرة
سوف يقولون لكم بصوتهم الجهوري:
احذروا الحياة
لا تقربوها وأنتم فقراء!
ثم سيعدّون لكم تقريراً عن غلاء أسعار القبور
والخطط الخمسية التي جعلتكم تسكنون بيوتاً متلاصقة
متلاصقة لدرجة أنكَ وزوجتكَ تمارسون واجبكم الزوجي بصوتٍ خفيض
حتى في لحظات النشوة وعندما تريدون أن تسمعوا تنهدات بعضكم البعض
تضعون أيديكم على أفواه بعضكم كي لا يسمعكم الجيران وأنتم منتشون بهذا الجحيم
الجيران القاطنون على بعد مترٍ من بيتكم 
البارحة فقط سمعتَ زوجةَ جارِكَ تقول له: لا أريد اليوم.. دعني لست جاهزة..
والجار يصر على النوم مع زوجته
ولأنهما -أي جارك وجارتك- لا يعرفان مثلكما خفض أصواتهما عند ممارسة الحب!
سوف تقضون الليل على أصوات آهاتهما المدوية
دخيلك يا أبو عبدو.. دخيلك.. يا أبو عبدو دخيلك..
أبو عبده: خخخخخ..ععععع..ططططط..
فشباك غرفة نومك يبعد بالكثير ثلاثين سنتمتراً عن شباك غرفة نوم جارك
هذه لُحمةٌ شعبيةٌ وطنية 
وتقول الدولة لا تعرف كيف تلحم مواطنيها؟
يا أخي على رسلك
لا تظلم الدولة
لا لا تزعل عندما ترى أن سيارة الإسعاف لم تصل إلى جارك العجوز مريض القلب الذي راح فيها
فسيارات الإسعاف هنا لا تصل.. إذا لا طرق قادرة على إيصال تلك السيارة في الوقت المناسب
لا ولا سيارة الإطفاء
التي ظلت تعوي ثلاث ساعاتٍ دون أن تتمكن من الوصول إلى الحريق الذي وقع في الشتاء الماضي
حين ماتت أم وأطفالها حرقاً حتى الموت
لأنها ببساطة كانت تتدفأ على سخان كهربائي؛ سرق لها أحد الأوادم سلكاً من التوتّر العالي كي ينقذها وأطفالها من البرد ودفع الفاتورة..
الفاتورة التي لا تستطيع دفعها.. بعد أن صرفت تعويض زوجها الشهيد!

9/ 10/ 2018 
دمشق

1 thought on “طبائع الاستبداد – سامر محمد إسماعيل

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: