طفو – قصة قصيرة – وليم عبد الله

طفو

قصة قصيرة

وليم عبد الله

وليم عبد الله

لم أعشق شيئاً في صغري كالسباحة، ولم أحسد أحداً يوماً إلاّ الذين كانوا يطفون على سطح الماء كأنهم موتى… كان شعوراً جميلاً أن ترخي جسدك وتترك الماء يسحبك من مكان لآخر وأنت تتأمل السماء دون أن تسمع شيئاً من الناس الذين يعبرون المكان…
حاولت مراراً وتكراراً أن أطفو مثلهم ولكن عبثاً، فقد كنت أشرف على الغرق في كل مرة أحاول فيها ذلك.

مضت الأيام والسنين وبقيت هذه الفكرة حسرةً في قلبي إلى أن قررت يوماً أن أطفو على الماء وأن لا أخرج قبل النجاح في ذلك، توجهت إلى البحر، نزلت الماء وسبحت قليلاً، ومن ثم استدرت على ظهري وحاولت الاسترخاء وأنا أتأمل السماء، لم تمضِ ثوانٍ قليلةٍ حتى غمر الماء وجهي بالكامل فعدت للتخبط ثم استدرت على ظهري وحاولت الاسترخاء متأملاً السماء…
نجحت بضع ثوانٍ إضافية، فأعدت المحاولة مراراً وتكراراً وأنا لا أنتبه إلى الأمواج التي تسحبني إلى عمق البحر.

شعورق جميلٌ خاصةً عندما يغمر الماء أذنيك فقط فلا تسمع بعدها أي شيء وفقط ترى كل شيء، في الحقيقة لا يوجد ما تراه سوى السماء ولكن هذه السماء تحوي آلاف القصص والحكايات التي يمكنك أن تسترجعها أو تتخيلها لعشرات السنين.

نجح الأمر أخيراً، أنا أطفو… كم هي جميلة هذه السماء، أشعر وكأنها المرة الأولى التي أراها فيها، لون الزرقة مختلف عمّا كنت أراه وأنا أمشي في الشوارع، هل يا ترى الصمت الذي يحيط بي من كل جهة هو الذي خلق هذا الشعور لديّ؟؟ الوقت يمضي ولا أعرف بالضبط كم مضى ولكن المتعة التي أشعر بها وأنا أطفو جعلتني لا أكترث بكل أوقات الدنيا.

الماء يبرد… أذكر جيداً أن ماء البحر دافئ، ما الذي تغير؟؟ لماذا لون السماء أصبح داكن الزرقة هكذا؟؟ ما الذي يحدث؟؟
قطع تساؤلاتي صياح بعد الصيادين، فهدأت سريرتي قليلاً، وابتسمت في داخلي عندما سمعت أحدهم يقول:
-هناك جثةٌ طافيةٌ على سطح الماء!!
تباً، أصبحت أسمع هدير محركات قواربهم وهي تتجه نحوي، أصوات المحركات تعلو وأنا لا أزال في استرخائي، توقف هدير المحركات وسمعت أصوات بعض الصيادين وهم يقفزون في الماء، صرخت فيهم:

ريم الشعار

ريم الشعار

-أنا أطفو لا تعكروا صفو هدوئي!
لم يعرني أحدٌ منهم أي انتباه بل سبحوا باتجاهي، ازداد غيظي أكثر فقررت أن أقطع لحظاتي الجميلة وأن أسبح وأخبرهم أنني فقط أطفو.

يا إلهي أنا لا أقدر على تحريك أطرافي، أمسك بي أحد الصيادين وسحبني باتجاه القارب.
-اتركني، أنا فقط كنت أطفو.
لم يسمع مني أحد أي شيء أقوله، بل تابع الصياد سحبي إلى القارب يساعده رفاقه، رفعوني إلى ظهر القارب ووضعوني بين الأسماك، وهم يطلقون عبارات الترحم عليّ.
أردت أن أضحك بقوة هازئاً بجهلهم، فهم لا يعرفون أنني كنت أحاول أن أطفو فقط.

-اتركوني أعود للطفو، أرجوكم لا تديروا محركات قواربكم وتذهبوا… لماذا لا تسمعونني، قلت لكم كنت أطفو…
لم أعد أراهم، أحد الصيادين وضع قطعة قماش على جسدي بالكامل، وهو يقول:
-رحمه الله.

حلمي منذ كنت صغيراً الطفو على سطح الماء… حققته أخيراً.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: