على حافة الانكسار – محمد ابراهيم

محمد ابراهيم

محمد ابراهيم

رفيقي…
ودّع الحلم الجميل فهو ليس لك، تأكد أنه لفظ النفس الأخير وأنه في ليالي الوحدة الموحشة لن يوقظك، ويعيدك حائراً عالقاً بين سماء العقل وأرض العاطفة ثم يتركك. لن تكون الحاضر الوحيد على احتضاره، ها قد أثار المشهد دمع الزيزفون، ربما أيقظتَ روحَ قصته فأتاك من غير ميعادٍ معزياً في موعدك، ليتلو ترنيمة الوداع الأخير:
“نم قريراً يا حلماً توهج بسرعة الفرح وانطفأ بقسوة الجهل 
نم قريراً يا شبيهي
فأنا قصةٌ طويلةٌ عن زهرٍ بلا ثمر
مت قريباً تحت ظلال من كونك”.

واليوم تعود أدراجك إلى خطاك المتعبة، تعود من منفاك إلى منفاك، ومن شكواك إلى شكواك، تعود إلى قلبك المهجور، تمشي وحيداً بشارع لا يفضي إلى مكان، لا يلحظ المارة هناك حجم الحزن في عينيك، وتثير نهدتك انتباه فرحٍ عابرٍ كان قد ضيعك، فيحاول التكفير عما مضى ويستوقفك لكنه لم يكن واضحاً بما يكفي فلا ترفّ له مقلتك، يجرب اللحاق بك لكن خطاك برغم ضيقها أوسع من خطاه، يمد يده ربما يتشبث بسترتك، لكن أثراً عالقاً بها من أشواك وردةٍ أهديتها يخدش حرير يديه فيغضب ويتركك، وتصل وحيداً لمنزلك، هو ليس لك لكنه اليوم منزلك، تقاسم ظلك جلسةٌ غارقةٌ بصمت المكان، تجتاحك دونما رحمةٍ هموم لا تقيم وزناً لعودتك القريبة من جنازة الحلم الأخير، يلفك شوقٌ عليلٌ لمعانقة تلك الجبال البعيدة حيث أهلك.

تدميك الصبابة بانتظار امرأةٍ ستأتي من البعيد يوماً لتلقي رأسك بجنونه وسكونه في حضنها، وتحملها وتحملك. تهرول صوب أوراقك ودواتك، فقلمك في الزمن الجريح ملجؤك، تقلب الدفاتر تمرر القلم المريض… لا نصّ ولا رسم يسعفك، قد كتبت ما كتبت عن الأمل الجميل ونزف الشعور لكن حبرك اليوم لن ينفعك. تطفئ الضوء الكئيب وتسكب جسمك في فراشك لعلك إن نمت مت ولو مؤقتا فتنسى قليلاً حرقتك، ما عاد الغطاء يمنحك ما يكفي لتشعر بدفئك المشتهى، ويضيق بك المكان فكيف لسريرٍ أن يتسع لك، هناك في فراشك تدق نواقيس الكون في رأسك فتدسه تحت وسادتك، لم يعد أحدٌ يراك، وسريرك يا غريب لن يبوح بسرك، يمكنك أن تخلد للبكاء، كم أنت بحاجةٍ لتسكب دمعتين ربما تطفئان نار قلبك، وتخرسان ولو لحينٍ صراخ همٍّ سحيق العمق في صدرك، لكن جنون رجولتك المشرقية يصفعك ويمنعك، وغصة الحلم الجميل القتيل تُغيِّب النوم وتُغيِّبك، لا زلت محظوظا فالهواء الثقيل يذكر الدرب الضبابي إلى رئتيك ويؤجل الوصول للموقف الأخير في رحلة التراب إلى التراب يا رفيق نفسك.

الفنانه رنده تفاحة

الفنانه رنده تفاحة

يا رفيقي قد أتاك الشتاء، ستعزف كل قطرةٍ تقاسيم الحكاية على أوتار ذاكرتك التي نسيت أو تناسيت تدريبها على نسيانٍ ضروريٍّ، سينفطر قلبك مع كل لحنٍ، وستهجر كل القصائد والأغنيات، كم خدعتك القصائد، كم خذلتك الأغنيات، كم أغشى على عينيك قلبك، أليس قلبك من منح دماءك لون جلدك، فما انتبهت لنزف الجراح حتى أعادتك الحياة لمهنتك القديمة في مناجم ملحها، فانتبهت وانتفضت ثم استكنت وأسلمت للملح جرحك.

يا رفيقي ربما لم تكن بطل الرواية، ربما ضاعت منك التفاصيل وغرقت طفولة روحك في ألم الشعور، لكنك أنت من أطلقت الحكاية، أنت من أشرعت البداية، وأنت من كتب السطر الأخير، أنت من أعلنت النهاية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: