عندما أطلب – كريستيان سنجر – ترجمة: جمال الورعة

جمال الورعة
جمال الورعة

عندما أطلب من الذين ألتقيهم أن يحدثوني عن أنفسهم غالباً ما أحزن من فقر مهمتي.

يجيبونني: أنا طبيب أو أنا محاسب… أضيف بلطف: لقد أسأتم فهمي. فأنا لا أريد معرفة الدور الذي أسند إليكم في هذا الفصل المسرحي، ولكن من أنتم ومن الذي يسكنكم، ومن يفرحكم، ومن يستحوذ عليكم؟

كثيرون يصرون على عدم فهمي، فهم اعتادوا ألا يولوا أهميةً للحياة المندفعة داخلهم بلطف.

يُقال لي: إنني طبيب أو محاسب ولكن نادراً ما يقال: هذا الصباح عندما كنت ذاهباً لأزيح الستار لم أتعرف على يدي… أو: إنني نزلت مجدداً في وقتٍ سابقٍ لأفتش في الحاوية عن خُفّي القديم الذي رميته أمس… أعتقد أنني ما زلت أحبه… أو لا أعرف ما السخيف؟ وما الأحمق؟ وما الحقيقي؟ كما أنني لا أعرف أيضاً ما الدافئ كرغيف خبزٍ ساخن يحضره الأطفال راكضين من عند الخباز؟

من ما يزال يعرف أن الحياة عبارةٌ عن قطعةٍ موسيقيةٍ صغيرةٍ لا محسوسةٍ تقريباً وبأنها ستنكسر وستصبح متعبةً، وستتوقف إن لم نميل إليها؟

كريستيان سنجر

يبدو أن الأشياء التي يعدها معاصرونا مهمةً ترسم حدوداً دقيقةً لما هو سخيفٌ وتافهٌ كالأخبار والأسعار وسوق الأوراق المالية والأزياء وضجيج الغضب والأوهام الفردية.

لا أريد أن أعرف من الأشخاص الذين ألتقي بهم، لا سنهم ولا مهنتهم ولا وضعهم العائلي؛ فلدي الجرأة أن أدعي وضوح كل هذا بالنسبة لي، فقط من طريقة خلعهم معاطفهم.

ما أريد أن أعرفه، هو كيف نجوا من يأس الانفصال عن الفرد عند ولادتهم، كيف يملؤون الفراغ بين المواعيد العظيمة للطفولة والشيخوخة والموت، وكيف يتحملون بألا يكونوا كلاً على هذه الأرض.

لا أريد أن أسمعهم يتحدثون دائماً عن الشيء ذاته، عن هذا الجزء المتفق عليه من الواقع، العالم الصغير المشبوه والمافيوي: يا له من حقبةٍ تجعل السماء تتلالئ في مستنقع معاهداته الآسن!

أريد أن أعرف ما الذي يدركونه عن الرحابة التي تمتد حولهم، وغالباً ما أخاف من الرفض القاسي الذي يسود اليوم للخروج من المنطقة المخصصة لتقدير سعة العالم المُبتَكر.. ولكن أكثر ما أخشاه هو ألا يكفي الحب، ألا تكفي عدوى شغفي في الحياة لأولئك الذين ألتقيهم…

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: