عندما تغني الحياة – جيرمي شافنون (سويسرا) – ترجمة: سنا ربيع

سنا ربيع

ها هو ذا قوس الكمان يتحرك، وبالسرعة المناسبة يمارس ضغطاً دقيقاً ومثاليّاً على الوتر، ها هو ذا يبدأ عمله كما لو كان نفساً، أوكسجيناً يدخل ويخرج مجتازاً صدورنا الجشعة، مثلُهُ مثل الحياة التي تجتاحنا بنفحةٍ واحدةٍ عظيمةٍ عندما تستنشق الرئتين ــوالذراعان مفتوحتان ــ هواء هذا العالم، هواء الزمن الذي يمضي، يمرّ من خلالنا ويحملنا بعيداً.
إنّه العالَم، الوجودُ بأسره، يمتلئ ويَعظُمُ بفعل ضربات قوس الكمان. كشراعٍ يعصفُ ليحمل السفينة ونحن على متنها فوق محيط من العواطف.
تعلو النغمة، يطول الزمن، يتسارع الإيقاع في نفس الوقت الذي يصبح فيه الوحي أسرع وأغنى، عندما تتصاعد النوتات كسلسلة طويلةٍ من الشكاوى إلى اللانهاية، عندما تخترقنا لتبدأ عملها في أفكارنا ومشاعرنا على حدّ سواء.
الهواء يزداد سماكة، يهتز مع الموسيقا، مع ضربات قوس الكمان، مع التوتر والقشعريرة اللذين يمتزجان معاً. أما الشِّعر فيحضر مع روائح الربيع العطرة والألوان الساحرة، ويرتفع نسغ الأشجار ويحلق القلب بعيداً وهو يخفق بشدةٍ في كل لحظة.. اللحظة التي يغيبها الزمن مؤقتاً.. يمحوها بمنتهى الاحترام والتقدير.
ولا يبقى سوى حركة ثابتة تملأ الفضاء، فضاء اللحظة، وزمن الحلم الذي يمر ويأخذنا تحت جناحه، يرفعنا، يصحبنا معه في رحلة مدهشة. رحلةٌ مع قطعة خشبية وبضعة أوتارٍ من شأنها أن تدفعني للأمام باستمرار وتتملكني.. إلى أن تأتي ضجة هامشية من بعيد لتشوشني وتجعلني أفقد انتباهي للحظة.

وضعت الكمان وقوسه إلى جانبي، بلطفٍ، تضاعفت الأحاسيس واختنق النفس وأصبحت الرؤية ضبابيةً. ألقيت نظرةً على ساعتي فأدركت أنه الغد حقاً: لقد استعاد الزمن حقوقه. أستلقي متأثراً على سريرٍ من الثواني والعواطف، سريرٍ من العشب الأسود في ليلةٍ منعشةٍ ولطيفةٍ لا نهاية لها، رأسي بين السحب التي يضيئها القمر، وأصابعي تشتعل وهي على وشك أن تمسك بغصن شجرة البندق، بقوس كماني النائم.

وفي حين غمرت أمطارٌ رائعةٌ من النجوم روحي -موجات، وألواح خشبية، ونوتات طويلة وقصيرة وشهب- تابعَ الصمت وموسيقا الطبيعة الدوران في رأسي، وأغمضت عينيّ، مشبعاً بهما منتشياً ومكتفياً وسعيداً.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: