عن أيّ أنوثةٍ مقدّسة تتحدّثـ/و/ن؟ – فادي أبو ديب

فادي أبو ديب

فادي أبو ديب

موضوع “العصر الأنثوي” من المواضيع الشيّقة التي تجذب البعض، تماماً كأي حديثٍ يتعلّق بنهاية العالم وبداية عالمٍ جديد. تكثر هذه الأحاديث في أوساط المهتمين بالعلوم الباطنية والحركات المستيكية وخاصة في عصور الاضطهاد وفي أزمنة الملمّات والحروب المستمرة والقلاقل الدائمة. ولا ريب أنّ مصطلح “العصر” أو “الدهر” أو “العهد” الأنثويّ المستقبليّ بالغ الجاذبية، وريما يولّد العديد من المشاعر المتداخلة التي توظّف المخيّلة أو التي تشعلها المخيّلة نفسها من دون تحديد صورةٍ واضحةٍ لماهية ومضمون هذا المصطلح.

ويترافق عادةً هذا المصطلح بمصطلحاتٍ أخرى من قبيل “الأنثى المقدّسة” و”الأنوثة المقدّسة”. ولكن كيف نحدّد ما الذي يعنيه هذا؟ وهل الفكرة بسيطةٌ إلى هذا الحدّ؟ ما هي هذه “الأنثى” أو “الأنوثة” التي ننتظرها؟ لو قمنا باستبيانٍ بسيطٍ جداً وسأل كلّ شخصٍ المحيطين به من المهتمين بهذا الأمر فإنّه من دون شكٍ سيتواجه بإجاباتٍ مختلفةٍ وصور متناقضة. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ وهو يحيلنا إلى التعريف بأوّل المصطلحات النفسية الضرورية بدايةً لفهم العلاقة مع الأنثى.

ويترافق بهذا التعريف مصطلحان ضروريان آخران مقتبسان من علم النفس التحليلي بحسب المدرسة اليونغية (التي انبثقت من دراسات كارل غوستاف يونغ).
المصلح الأول هو مصطلح الإسقاط Projection
والمصطلحان الآخران هما الظلّ shadow والأنيما (الجانب الأنثوي من الرجل والذي يمثّل العاطفة والمخيّلة والناحية الإبداعية).

الإسقاط تسميةٌ لعمليةٍ مألوفةٍ لدى الكثيرين، وهي معروفةٌ للإنسان العادي غير المتخصّص. تظهر الدراية بهذا الأمر في عباراتٍ شعبيةٍ من قبيل “كلّ إنسان يتهم الآخرين بما فيه” أو “كلّ شخصٍ يشتم الآخرين بصفاتٍ كامنةٍ فيه هو قبل غيره”. وبتطبيق هذه العملية على موضوعنا نقول “كل شخصٍ يُسقط صورة الأنثى التي في داخله، مهما كانت ضبابية، على ما يسميه الأنوثة المقدسة التي تسود العصر الأنثوي”.

إلى حد الآن لم يتعقّد الأمر بالقدر الكافي، فلو كانت النواحي الأنثوية الموجودة في كلّ الرجال متطابقةً لكانت المشكلة محلولةً ولا داعي للتباحث فيها. ولكن كما يعرف جميعنا، ومن دون دراساتٍ تحليليةٍ معمّقةٍ، فالأمر ليس كذلك.
يقدّم كارل يونغ هذا الجانب الأنثوي في الرجل باسم الأنيما Anima وهو اسمٌ مأخوذٌ من اللغة اللاتينية ويعني النفس، أي هذه القوة التي تُحيي الجسد. وبحسب اختباره ودراساته يقدّم يونغ هذه الأنيما في أربع صورٍ متباينةٍ:

أولاً: صورة حواء، وهي الأنثى الأمّ التي تعيش أسطورتها من خلال إنجاب الأولاد فقط، فتكون ناحيتها الأمومية الولود طاغيةً على كلّ ما فيها تقريباً.

ثانياً: صورة هيلين الإغريقية (وسأضيف إليها ليليث رغم بعض الفوارق) التي اشتعلت بسببها حرب طروادة، وهي الامرأة العاشقة اللعوب التي تقدّم نفسها عبر ثنائية الامرأة المُغوية والمفكّرة في نفس الوقت. وهي المرأة التي يمكن للرجل أن يجد فيها شريكاً جنسياً لاهباً، وشريكاً يتداول معه الفلسفة والفكر (يمكن أن نرى في بيير إبيلار وإيلواز ثنائياً من هذا القبيل أيضاً).

ثالثاً: صورة العذراء مريم، وهي المرأة المقدّسة التي تمثّل المثال الديني الأعلى والطّهر الكامل الذي لا يمكن الاقتراب إليه جنسياً. تبقى هذه المرأة بالنسبة للرجل كالحرم الذي لا يمكن الاقتراب إليه إلّا من خلال التقديس والتبجيل.

رابعاً: صورة صوفيا، وهي تشبه العذراء مريم، ولكنها تقدّم نفسها كربّة الحكمة. إنها حكمة الله متجسّدة في صورة أنثى، وهي أيضاً المرأة الكاملة التي تستطيع أن تجمع في نفسها كل الجوانب الأنثوية السابقة بشكل متوازن وكلّانيّ.

لا شكّ أن يونغ يقدّم هذه الصور الأربع بحسب تجاربه واختباراته الشخصية، ولكن لا شكّ أيضاً أننا نستطيع أن نتلمّس هذه الجوانب الأربع للأنثى بنسبٍ متفاوتةٍ تعتمد على النموذج القابع في لاوعي كلّ منا. فهذه التقسيمة ليست نظريةً فقط، بل يمكن ملاحظتها بسهولةٍ في الواقع النفسي للرجل وأحلامه وتمنياته: غالباً ما سيكون موضوع أحلامه واحدٌ أو أكثر من الصور السابقة، أو مزيجٌ بين عدة صورٍ منها.

والسؤال الذي يتكرّر الآن: من هي الأنثى التي نقصدها عندما نتكلّم عن الأنوثة المقدّسة والعصر الأنثويّ؟ هل هي انطباعٌ عفويٌّ يعتمد على إسقاطٍ كلّيّ لواحدٍ أو أكثر من الأشكال الأربعة السابقة؟ أم هو تصوّرٌ عقلانيٌّ أو شبه عقلانيٍّ معمّقٍ يتجاوز مجرّد الانطباع ويدخل في حيّز التوصيف المتفكّر المتأنّي؟ واضح أنّ الرجل المفكّر سيميل إلى طبع العصر الأنثوي المشتهى بصورةٍ واحدةٍ أو أكثر من الصورة السابقة التي تمثل الجانب الأنثوية فيه.

نلاحظ هذا مثلاً في التصور الإسلامي للجنّة كمكانٍ تسود فيه النساء الليليثيات إن صح التعبير. أما بياتريس دانتي وصوفيا نوفاليس أو كلوتيلد أوغست كونت فلهنّ صورة العذراء مريم أي تحوّلن في نظر عشّاقهنّ إلى مثال للأنوثة الكاملة التي لا يمكن الاقتراب منها إلا بالعبادة. ونستطيع العثور على آلاف الأمثلة على أيّ من الصور الأربعة السابقة، منها أيضاً صورة صوفيا كالوجه الأنثوي للإله في قصيدة “اللقاءات الثلاثة” لفلاديمير سولوفيوف. (وقد ترجمتها كاملةً عن الإنكليزية في العدد الأول من مجلة مدى الثقافية).

ما سبق كان تقديماً للموضوع من وجهة نظر الذّكر. ولكن ماذا عن الأنثى نفسها التي تتحدث عن عصرٍ أنثويٍّ قادمٍ تدعو إليه وتغتبط لمجرّد التفكير به وتتحسّر توقاً واشتياقاً إليه؟ الأنثى أيضاً كما الذّكر تختلف عندها صورة الأنثى الداخلية. وبالطبع لا يمكن للأنثى أن تتصوّر الأنوثة التي تريد بحسب شخصيتها التي نراها بها، فالأنثى أيضاً كالرجل لا تعي نفسها كما يعيها مراقبٌ خارجيٌّ (إلا في حالاتٍ قليلةٍ تترافق بالنضج والخبرة النفسية العميقة، وهي عمليةٌ طويلةٌ تحتاج إلى مراقبة أطوار الذات وتصرفاتها وتصوراتها وتعيين ما هو جزءٌ أصيلٌ من الأنا وما هو دخيلٌ من اللاواعي)، وصورتها عن نفسها تتعلّق بشكلٍ كبيرٍ بعلاقتها اللاوعية بأمّها وأبيها. وبحسب علاقتها بهما منذ ولادتها، حيث جوهر هذه العلاقة يقبع في اللاوعي، ستتصوّر الأنثى “المقدّسة” أو “السيّدة” التي ستهيمن على العصر المُشتهى.

الفنان اسماعيل نصرة

الفنان اسماعيل نصرة

وهكذا فإذا كانت علاقة الأنثى بأمّها تقوم على النفور فإنّها ستتخيّل الأنثى (إذا كانت ما زالت تقدّر الأنوثة ولم تنفر منها لهذا السبب) في صورةٍ تعاكس تماماً صورة أمها، فإذا كانت أمّها متديّنةً محافظةً صارمةً، فستكون هذه الأنثى متفلّتةً وحشيةً متحرّرةً من كل الضوابط التي تكرهها. ومن الناحية الأخرى إذا كانت ترى في نفسها صورة أمها، فكانت “بنت أمّها” سترى الأنثى من منظورٍ أقلّ راديكاليةٍ وأكثر تطابقاً مع صورة الوالدة، سيكون العهد الأنثويّ المرجوّ عصراً تسود فيه صورةٌ إلهيةٌ مضخّمةٌ عن أمّها.

ومن ناحيةٍ ثالثةٍ قد تميل الأنثى في حال وجود عقدةٍ أموميةٍ سلبيةٍ لديها إلى تمجيد الأمومة ونفي كل ما عداها: أي النظر إلى الأنوثة الولود كقيمةٍ أسمى في حدّ ذاتها ونفي الكينونة الندّية للذكر والنظر إليه على أنّه مجرّد أداةٍ للإنجاب (وبالتالي نفي الجانب الرومنطيقي والشهوانيّ تماماً في علاقتها مع الرجل). هذه المرأة تعيش غالباً من دون أحلامٍ كونيةٍ كبرى، أي إنّها لن تحلم عادةً بعصورٍ قادمةٍ، وليس لديها أيّ فكرةٍ معيّنةٍ عن مسيرة التاريخ والوجود لأنها أساساً مستهلكة تماماً في مطاردة فكرة الزواج والإنجاب والحصول على أطفال.
ولكن مع ذلك فإذا كان الجانب الذكري لديها قويّاً (عادةً بسبب مقاومتها لأمّها واقترابها من أبيها من ناحيةٍ أخرى أو ما قد نسميه عقدة الوالد الإيجابية) فستميل إلى التفكّر بالوجود والتاريخ، وستكون عرضةً لتخيّل “العصر الذهبي” كدهرٍ أنثويّ ٍبالكامل لا يشكّل فيه الرّجال إلا وجوداً ظرفياً جانبياً لا أهمية له. إنّها تضخّم الأمومة الفردية إلى أمومةٍ كونيةٍ لا وجود فيها للذكورة إلا كناحيةٍ بيولوجيةٍ محضةٍ.

وبشكلٍ أكثر اختصاراً، غالباً ستميل الأنثى إلى تصوّر الأنوثة “المثالية” بحسب علاقتها مع ظلّها. والظلّ هو الجانب الذي يحاول الإنسان كبته. إنّه الجانب “الأدنى” أو “المخجل” أو “المشتهى” الذي يخاف البروز أو يُقمع. فالمرأة التي لم تستطع أن تتغلّب على السلوك المحافظ في سلوكها الظاهر ربما تميل إلى تصوير الأنوثة المثالية على أنها النقيض تماماً. والمرأة التي تشتهي الرهبنة مثلاً (هناك نساءٌ كثيراتٌ يقمعن هذه الميول لعدم إمكانياتها أو لصعوبة تحقيقها أو خجلاً من الإفصاح عنها. وهكذا تظهر هذه الرغبة كجانبٍ أدنى غير مرغوبٍ به بالنسبة إلى الأنا) ستميل ربما إلى التوق إلى أنوثةٍ على نمط العذراء مريم أو على نمط كاهنة أحد المعابد القديمة. وكما ذكرت سابقاً هذا يعتمد على علاقة البنت بأمّها وأبيها. وليس هذا المكان المناسب للدخول في هذه الجزئية بالذات لأنّها ليست محور موضوعنا.

وبشكلٍ شبه مطلقٍ تتجاهل كلّ هذه النظرات الأنثوية الرومنطيقية فكرةً مهمةً جداً، وهي أمرٌ واقعيٌّ نراه في كلّ العصور والتواريخ التي سمعنا أو قرأنا عنها. هذه الفكرة هي حقيقة وجود ما يمكن أن نسمّيه “الأم التي تفترس أولادها”. هذه الأنوثة بعيدةٌ جداً عن أيّ نموذجٍ رومانسيٍّ “حالمٍ” أو “قُدسيّ كهنوتيّ”. إنّها الأم التي تهيمن على أولادها ذكوراً وإناثاً فتقتل فيهم إمكانية النضوج والتطوّر وإمكانية الاستقلال والوصول إلى حالة نموٍّ سليمةٍ. فالأنوثة والأمومة ليستا فقط ذلك الحلم النسويّ الرومنطيقي الجميل، بل يمكن أن تكونا كابوساً غير عقلانيٍّ شديد المادّيّة والأرضيّة من دون أي أفقٍ “حالمٍ” أو مستقبلٍ مزدهرٍ وناضجٍ لمن هم حولها من زوجٍ أو إخوةٍ وأخوات أو أولاد.

بكلماتٍ أخرى، فكرة “الدهر الذهبيّ القادم” هي فكرةٌ عقلانيةٌ في أساسها وتقوم على تصوّرٍ شديد التنظيم لمسيرة التاريخ وتحوّلاته وغايته. أي هو تصوّرٌ “ذكوريٌّ” إن صحّ التعبير. وهذه الصورة “الافتراسية” السابق ذكرها بعيدةٌ كل البعد عن مجتمعٍ “عشتاريٍّ” قد يتحدث البعض عنه؛ فعبادة عشتار لم تزدهر في مجتمعاتٍ خاليةٍ من البطريركية؛ فعبادتها كانت مترافقةً بعبادة تموز وبعل أو أوزيريس (في حالة إيزيس في الميثولوجيا المصرية).
عشتار هنا هي التي تعيد الذّكر المخصِّب إلى الحياة وليست التي تفترسه أو تنفي وجوده وتدفنه حياً. على العكس تماماً فهي التي تعيده إلى الحياة؛ هي الأرض التي تتوق إلى السماء ومائها المخصِّبة المولّدة للثمر. إنّها الأنثى التوّاقة المُشتهاة ولكنها أيضاً المشتهية للذكر.

من نافل القول نهايةً أنّ الغاية هنا ليست الحطّ من قدر الأنوثة أو ما شابه، بل التأشير إلى تعقيد هذه التسمية ومدلولاتها ومضامينها. هذا من ناحيةٍ، ومن الناحية الأخرى، لفت الانتباه إلى “ذكورية” التنظيم العقلانية الذي ينشأ عنه تصوّرٌ يقسم التاريخ إلى حقبٍ ذات سيادات مختلفة السّمات. من هنا يبرز التأكيد على أنّ الصيغة التي لا مفرّ منها لبشريةٍ سليمةٍ هي صورة عودة الأندروجين أي الكائن الذي تتكامل فيه الذكورة والأنوثة في أكثر مراحلهما رقيّاً مع المحافظة على الخواص المميّزة لجنسه الأصلي من دون أي اختلاطٍ أو تشويشٍ.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: