عوالمٌ في المرآة – كارمن بستاني – ترجمة منتهى أبو حمرة

منتهى أبو حمرا
منتهى أبو حمرا

كلما كانت تصدرُ روايةٌ لمي منسى، كنت أجدُ المتعةً بالقيام بدراسةٍ تحليليةٍ لها، إلا أنَّ هذه المرة تختلفُ عمّا سبق، فأنا الآن أبكي صديقةً رحلت، لا أبكي مصيرَها فقط بل أبكي مأساتي أنا أيضاً وأفكرُ بالصديقة التي غادرتْنا، يصعبُ عليَّ تصديقُ ذلك وأنتم بلا شك كذلك.

روايتُها الصادرة بعد وفاتِها تتناولُ بالصميم قضيةَ الهويةِ المزدوجة، صورةُ طفلٍ ذي عينين ملؤهما الدمع ترسمُ ايقاعَ النص، تظهرُ للراوي الذي يشاهدُ فيلماً لبيتر هنغلاند مخرج الأفلام التاريخية وتؤثر فيه.
سيناريو هذا الفيلم مأخوذٌ عن روايةِ حلب عشقي لناديا داميان، وهي سيدةٌ غير معروفة أرادت أن ترويَ، من قلب المأساة، قصةَ تدميرِ مدينةٍ ذات تاريخ عريق.

تسيطرُ هذه الصورةُ على الراوي السوري اليتيم. صورةٌ يرى فيها نفسَهُ. يتيمٌ مجهولُ الهويةِ لُقّبَ بأسمر في دار الأيتامِ نسبةً لبشرتِه السمراء. يشاهدُ الراوي صورةَ الطفل الباكي فيرى فيها طفولتَه وهجرَه واضطرابه.
تتكررُ الاحداثُ نفسُها مع أورلاندو، الفتى الكولومبي الذي يعيشُ بدار الأيتام ذاتِها في لندن.
وتستمرُّ الازدواجيةُ في القصة مع كل لقاءٍ يقوم به أسمر في رحلة البحث عن هويته.
أنا من أكون؟ هو سؤال يبحث في القصة عن إجابة.

يتخذ الراوي لنفسه ألقاباً أسطورية بعض الشيء، ما يذكرنا بروايةِ مدينة الزجاج لبول اوستر التي ينغمسُ فيها بألعابِ الهوية الخيالية بشكل مماثل.
هذا السؤالُ المبهمُ حاضرٌ في مجملِ روايةِ منسّى ويعطي للنصِّ طابَعَهُ الاستثنائي والفريد.
لقد عرفنا هذا التساؤلَ عند مارث روبرت، في روايةِ الأصول، وهو في الواقع ما أضفى الطابعَ الرومنسي للعمل.

من خلالِ السرد، وشيئاً فشيئاً يستطيعُ القارئُ أن يكوّنَ صورةً عن أحداثِ الحربِ السوريةِ وتفاصيلَ حياةِ الراوي الذي اتخذهُ الجهاديونَ رهينةً في حلب. قالَ لهُ طبيبُه النفسي أنهُ مصابٌ بجنونِ العظمة. لنكتشف بعد ذلك أنَّ هذا الطبيبَ قد ساهم بعمليةِ اختطافه إذ إنه يريدُ أن يستقصيَ أخبارَ ابنهِ الذي اختطفَه الجهاديونَ ذاتُهم.

تابع أسمر بعد تحريره البحثَ عن هويتهِ في لبنان فتوصلَ إلى أصولِ عائلتِه التي تمتزجُ مع عائلةِ الفتى الباكي.
ويتساءلُ القارئُ عن هذه الإزدواجية الموجودة في مرآةٍ من سوقِ السلعِ المستعملة. امتلاكُ هذه المرآة يجعلُه يشعر برضىً كامل حيث يمعن التفكير بفتى الفيلم. هل يكون هو نفسه الطفل غير المحبوب لناديا داميان؟
وفجأة يوقفُ الراوي القصةَ عند مكابدةِ البطلةِ لألم هجرِ حبيبها ووسطها لها حيث تنجبُ الثمرةَ المّرةَ لحبِّها الممنوع.
هذه الروايةُ لمي منسّى تتخذ أبعاداً نفسيةً أدبية واجتماعيةً تاريخية في الوقت ذاتِه.
تدعو لمشاركة القارئ في البحث عن الذات، وتفسح العلاقةُ بين الكاتبِ والقارئ والنص المجالَ لتفسيراتٍ متعددة ونقاشات مختلفة.
وبمعنى آخر فإن المبادئَ التي تدعو لدراسةٍ عميقة للنص هي المبادئُ ذاتُها التي تناهضُ عنفَ الحروب.
وكماري ندياي نجحت مي منسّى في بيانِ وجود الإزدواجية وقساوةِ غرابةِ العالم.

المراجع:
الطفل ذي العينين الباكية
مي منسى 2019
إيريك بونييه

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: