غرف مخصصة – قصة قصيرة – مرام زيدان

غرف مخصصة – قصة قصيرة – مرام زيدان

مرام زيدان

كُنتُ وحيداً جداً، أكثر ممّا ظننْت، حتّى أننّي فكّرتُ في استجداء حضنٍ أبكي فيه قليلاً كحالةٍ إسعافية، فأنا لا أملك إلا كتفاً واحداً أقعُ عليه وهو بعيدٌ الآن.

فكّرت بسُخطٍ يستوجبُ ثورةً جديدةً تفرضُ على الحكومةِ إنشاء غرفٍ عامةٍ مخصَّصةٍ لامتصاصِ القهرِ، منها للبُكاءِ ومنها للغضبِ، ومنها للاثنين معاً، من الجميلِ أنْ أضربَ كيسَ الملاكمةِ مرةً، وأحْضنُه وأبكي مرةً أخرى.
حسَّنَتْ من حالتي هذه الفكرةُ الثورية، وتوقَّفَ طوفانُ نوحٍ في عينيّ، رتَّبْتُ هندامي قليلاً ودخلْتُ بناءً كبيراً، يُفْتَرضُ أنْ ينتظرَني فيهِ مجموعةٌ من المتنفِّذين والطّّامحين للنفوذ، ﻷلقي عليهم محاضرةً تساعدُهم على تسويقِ أنفسِهم أمامَ المُسْتثمرين الأجانب.
أسألُ عن القاعةِ وأذهب مباشرةً إليها،حسناً! يبدو أنَّني سأكونُ الملكَ آرثر اليوم، وسأجتمعُ بفرسانِ الطّاولةِ المستديرة.

المكانُ باردٌ ومضاءٌ بمصابيحَ خافتةٍ، وردةُ زنبقٍ في مركزِ الطّاولةِ، تزيدُ الجوّ بروداً، صِرْتُ أفكِّر كيفَ أستبدلُ السُّوقَ الشَّعبيَّ في داخلي الآن بواحدٍ من البنوكِ الخاصّةِ في لندن لأجاري أناقةَ هذا المكان!
لجأتُ إلى الزّنبقةِ وسَمَّرْتُ نظري فيها، لكنّي بقيتُ باقة زوفا تتدلّى على شرفةٍ في نهارٍ حارٍ.

درسْتُ علمَ النَّفسِ والسُّلوكِ الإنساني في لندن، بمنحةٍ حكوميَّة كلَّفتْ أبي محلّاً تجاريّاً وحيداً يملكهُ، ولأنّي أعرفُ أن الشَّكوى النّفسيَّة محرمةٌ في موطني، تحتَّمَ عَلَيَّ أنْ أجِدَ حلَّاً تسويقياً لشهادتي، وكانت علومُ التَّدجينِ الإنسانيَّةِ الحديثةِ تبدأُ بالظّهورِ والانتشار، ظهرَتْ شخصيّاتٌ ومؤلَّفاتٌ في هذا المجال تؤسّس لقواعدٍ تمسكُ بيدِ الإنسانِ وتقودُهُ إلى ما يُحبّ، صارَت الدلالاتُ الطرقيةُ إلى النَّجاحِ والثَّراء واضحةً وملوّنةً، وكانت تنجح، لماذا؟
لأنها أسلوب التّدْجين المجتمعيّ الجديد، معترفُ بهِ منْ قِبَلِ كلّ القوى الرّأسماليةِ في العالم..
ورثْتُ عن أبي عقليَّةَ التَّاجرِ، حتَّى في مهنتي البعيدة عن التجارة ظاهرياً، والمنغمسةِ فيها فعلياً، فالخِداعُ والسيطرةُ على الفطرةِ وتطويعُها لخدمةِ المصلحةِ الماديَّة هي لبُّ الفِكْرة!

أتأمّلُ المكانَ أكثر، يقلقني العدد القليل من الكراسي، هذا يعني أن العينات منتقاةٌ بعنايةٍ.
بَدأ الضّجيجُ يقتربٌ من القاعةِ، سيّدةٌ لا تتوقّفُ عنِ الكَلامِ والضَّحِكِ – تبدو عيِّنَةً شهيَّةً للغرق والتّحليل – أضحكُ في سرِّي وأقِفُ لاستقبالِ القادمين.
سيدةٌ في نهايةِ عقدها الرَّابعِ، قصيرةُ القامةِ شقراءَ ممتلئةٌ بعيونٍ واسعةٍ مُكَحَّلةٍ بطريقةٍ بدويّةٍ، وشفاهٌ مكتنزةٌ، بغمازاتٍ تُضيءُ وتَنْطفئُ مع الضِّحكةِ، ترتدي فستاناً قصيراً يظهرُ رُكْبَتيْها وساقيْها الثَّخينتين!
تبدو جميلةٌ وساحرةٌ رغم غلاظةِ تفاصيلِها، تقدَّمت ومدَّت يَدَها رافعةً إيَّاها نحو الأعلى، انحنيت وقبّلْتُها، مستغرباً هذا الأداء السِّينمائي السّاحر!
السَّيدة جانيت رئيسةٌ لمؤسسةٍ تُعْنى بشؤونِ المُهجَّرين، لذا تتعاملُ مع منظماتٍ عالميةٍ تُقدِّمُ المُساعدةَ للمُحْتاجين، فكانَ لا بُدَّ لها أنْ تتعلّمَ آلياتِ الحوار لتتمكّنَ من إقناعِهم بالتّبرّع بمبالغَ مجزيةٍ لصالِحها، هذا ما استنتجْتُه منْ حوارٍ صغيرٍ دارَ بيننا، قبل أن يدخل السّيد طاهر الّذي يَشْغَل منصبَ نائبِ مديرٍ في مؤسسةٍ عامةٍ: “أهلا دكتور سامر أهلا بك”.
خاطبني بصوتٍ رخيمٍ بعد مصافحةٍ شديدةٍ مع ضربتين على الظّهر، وكأنني لاعبُ الهجومِ في المنتخب، كان حضورَ ذكورته مقيتاً جداً، وغاظتني الوصايةُ التي مارسَها عليّ بضربهِ على ظهري!
فيما بعد دخلَ رجلٌ مسنُّ أحمر الوجْهِ بوجنتين مورَّدتين وشاربٍ أبيضَ ومعه شابٌ يافعُ يتبعه مثلَ ظلّه يحملُ دفتراً وقلماً:
“السّيد عزيز أستاذنا وكبيرنا أعدناه إلى المؤسسة بعد تقاعده ﻷنَّنا لم نستطع أن نستغني عن خبراته” قالَ السّيد طاهر بصوتٍ أقربَ للزعيق.
أمّا الفتى بادرني بالتّعريف عن نفسه “وائل، مرافق السّيد عزيز” وابتسم بخجل..

by Louis Van

نظرْتُ إلى كرسيٍّ فارغٍ متبقٍ بعد معاينتي للوقت، فهم مارشال الجلسة السّيد طاهر أنّي انتظر إيعاز البدء، تخيلْته ينفخ في صفّارته ويضرب على الطاولة: إبدأ!!، لكنه لم يفعل ذلك أخبرني أن الحضور قد اكتمل وكم هم متشوقون لسماعي!

بدأتُ بالشّرح والإستفاضةِ والتّوضيح على شاشة العرض، فيما يظهرُ التّأثيرُ مباشرةً على ملامِحهم، عيونهم تتّسع، حدقاتهم تضيء، ويسيلُ لعابهم، وكأنهم سيخرجون من هنا إلى مائدةٍ عظمى، يشمّرون عن سواعدهم، ليأكلوا الموظفين والمستثمرين بالشّوكة والسّكينة، ثمَّ يمسحون أفواهَهم بمناديلَ مطرّزة، ما عدا وائل بقي يدوِّنُ الملاحظاتِ ويركّزعلى المشهد الحاضر، بلا أيّةِ أحلامٍ خارجَ الغرفة…

كان الوقت يمرُّ ثقيلاً، لأنّني لا أقتنع في سريرتي بجدوى ما أفعله إلّا سبيلاً للعيشِ لا أكثر، فرغم سبري العميق للذّاتِ الإنسانية ويقيني بطواعيتها لخدمة النّفسِ البشريةِ والمجتمع، إلاّ أنّه لا يكونُ بأسلوبِ الجائحاتِ الطّارئة هذه، وكأنه طرازٌ حديثُ لسيارةٍ، أو صيحةٍ من صيحاتِ الموضة، الأمر يحتاجُ إلى بناءٍ وتأسيسٍ وعملٍ على الذّاتِ الطّفلة قبل النّاضجة..
لكنّها حالُ البلادِ منذ زمن بعيدٍ، تعتمدُ على الوجباتِ الجاهزةِ من العلومِ والتكنولوجيا، لذا تبدو الأجسادُ المؤسساتية، التعليمية منها والاجتماعية، مترهِّلةً متصابيةً يملؤها سيليكون الموضة وجائحاتها..
غادرتهم متوّجاً بامتنانهم وخرجوا كثعالب الغابةِ يبحثون عن فرائسَ غضةٍ يتدربون بها..

كانت رولا تنتظرني في حديقة المتحف منذ عشرة دقائق،عليَّ أن أسرع، لا أحبُّ ان أجعلها ننتظر، غريبةُ هذه اللّهفة التي تتلبّسني كلما حادثْتُها، والتي أخجل منها بيني وبين نفسي، لكنّها في الحقيقة تملك ذاك الكتف الوحيد الذي يحملني كلما وقعت..

رولا فتاةٌ عازبةٌ في بداية العقدِ الرّابع، تكبرني بحوالي خمس سنوات. لطالما أرْبَكني انجذابي لملامحِها السمراء الدقيقة وجسدها الصّغير الواضح الأنوثة الّذي يبقيني متوتّراً وحذراً، أخشى ملاحظتها، تعرّفتُ عليها أثناء دراستي في لندن، سبقتْني في العودة إلى البلد بعد أن أنهت دراستها، وها أنا مثل مراهقٍ أهرعُ للقائي الأول بها بعد العودة. 
رأسُها الصَغير يظهرُ منْ بينِ أغصان الأشجار، تنتظرُني وابتسامتها على مقعدٍ خشبيّ، أحاولُ أن أبقى هادئاً وأتحسس جيبَ قميصي لأتأكد من ثباتِ قلبي في صدري، فلا يبدو راقصاً تحته!

عانقتني وقبّلتْ وجنتي، لم أستطعْ أن أردَّ عليها، كانَ بكائي يخنقني،عانقتني أكثر! وصارَت تضحك بصوتٍ عالٍ، كانت تعرف أنّي أعاني من متلازمة البكاء، التي لم أجدْ شفاءً منها.
أين منديلي؟ أبحث في جيوبي عنْه وألعنُ هذه البلاد، وأسألها متى سيحدثون غرفاً للبكاء؟ متى سيحترمون المواطن ومشاعره الغبيةَ هذه؟
ما كان يخفّفُ عني، صوتُ ضحكتِها وشهقةُ استمرارها…

هدأتِ العاصفةُ، ذهبَت نوبةُ البُكاء، وهدأْتُ!
وهدَأ رأسها على كتفي، أنا الآن بأمان، لم تزدْني معرفتي بأعماقِ النَّفسِ البشريةِ إلاَّ غربةً وحزْناً، رولا وطني الوحيد، وأنا الإسكافي الحافي، والنّجارُ مخلوع الباب، لم أجدْ شفاءً من ولعي بها..
أمسكْتُ أصابعها الخمس التي تشهرها في وجهي، كلما ضبطتني مسلوباً بقطعةٍ منها، وقبّلْتُها إصبعاً إصبع!
كانت تنظرُ إليَّ بحرجٍ وهي تسحب يديها من يديّ، وقالت: “لقد تحدّثنا مراراً في الأمر يا سامر، ثمَّ أنّني على علاقةٍ جديّة برجلٍ ونفكّر بالارتباط قريباً”.
لمْ أعد أسمع شيئاً، وكأنَّ السمّاءَ ستطبقُ على جسدي..
“أنا آسف ، آسف!!”.

أمسكت يديَّ بقوةٍ وراحت تعدني بأن صداقتنا لن تتغيرَ أبداً، وتقول بأنني سأحبُّ حبيبها كثيراً، لأنّه رجلٌ عصريٌ يتقنُ فنونَ إدارةِ الموارد البشرية، يسْحرُ موظَّفيه ويخرجُ منهم أفضلَ ما عندهم!
استغرَقتْ كثيراً في وصفه، حتّى صرت ابتسمُ وأهز رأسي كطفلٍ صغير، اتفقنا على اللقاءِ مساءً، ﻷتعرّف على حبيبِ حبيبتي، بقيت هذه الجملة الغريبة تدور في رأسي مثل وجهٍ مشوهٍ مخيف.

مساءً في مقهى ثقافيٍّ وسطَ المدينةِ كان الموعد، أطلَّ وجهها بين الأضواء مثل خيبةٍ في حلاوتها الأخيرة، فيما أتأمل كتفيه العريضتين تحجبان ما تبقى من جسدها عنّي..
بدا الطريقُ طويلاً إلى الطاولة، طويلاً جداً..
وأخيرا وصلت! وقعت عيني على نهديها يطلان بخجلٍ، لكنّهما الآن عدو، أغضُّ نظري بسرعةٍ..
لأسمع صوته يصرخ: “أوووه د. سامر يا لها من مفاجأةٍ جميلةٍ أن ألتقيكَ مرةً ثانيةً اليوم”.
هذا الزعيق مألوف، ابتسم ثم يغلبني الضحك: السيد طاهر يا لها من صدفة!

أضفت على الفور فكرة غرف للضحك إلى قائمة طلباتي الثورية، كان السّيد طاهر يتناول حبيبتي بالشّوكة والسكينة وهي تبتسم، فيما يمسح فمه بمنديل مطرّز..

1 thought on “غرف مخصصة – قصة قصيرة – مرام زيدان

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: